وتواصل إحداث مثل هذه الهيئات، حتى إذا صدر دستور 2014، كانت هيئاتٌ عديدة هي بحكم الواقع تشتغل، ولها مشمولات ومواد بشرية... إلخ. بلغت الهيئات المستقلة التي تمت دسترتها خمساً: الهيئة العليا للانتخابات والهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري وهيئة حقوق الإنسان وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة. وقد تم التنصيص عليها في دستور ما بعد الثورة. ولكن، علينا أن نضيف هيئات أخرى مستقلة، لا تقل قيمة عنها، على الرغم من أهميتها، على غرار هيئة الحقيقة الكرامة، والهيئة الوطنية لمقاومة التعذيب، والهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية والهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص... إلخ، هيئات تصرّ على أن تكون لها شخصيتها القانونية والمالية التي تجعلها غير خاضعةٍ لوصاية السلطة التنفيذية، وربما حتى السلطة القضائية، إلا بإجراءات عسيرة، ما يمنحهم شبة حصانة تامة.
وإذا كانت النخب التونسية قد باركت، في البداية، هذا التوجه، فإن جملةً من التباينات حدثت لاحقا، وهي ما فتئت تتعزّز، خصوصا في ظل الضعف المتواصل للدولة التي تنازلت عن بعض وظائفها طوعا أو كرها، لعل أهمها احتكار العنف ورسم السياسات العمومية، وإنفاذ سلطة القانون، إذ تنامت نزعات تمرّد تخرق ذلك كله: الاعتداءات على الملك العمومي، رفض الإذعان لسلطة القانون وتنامي الاقتصاد الموازي... إلخ.
في ظل ما يشبه البلقنة لمجالها الجغرافي السيادي، نتيجة تنامي النزعات الجهوية (المناطقية) الممزوجة بنفس عروشي/ قبلي، خلنا أنه انقرض إلى الأبد، صادق مجلس النواب على قانونٍ متعلق بالأحكام المشتركة لهذه الهيئات، وسط جدل حاد عكسه النقاش بين النواب في ظل تمسّك بعضهم بإصدار مجلة قانونية مستقلة بالهيئات الدستورية. وكشف النقاش عن وجود تبايناتٍ عديدةٍ، لا تعكس غياب التوافق بين هؤلاء فحسب، بل بين مكوّنات النخب السياسية عموما، فضلا عن قطاعاتٍ واسعة من الرأي العام، خصوصا حول مسألة تنامي هذه النزعات الاستقلالية للهيئات التي تقضم سلطة الدولة وتُضعفها.
كما أن تنامي دور اللوبيات المالية ومواقع النفوذ، بما فيها لوبيات الفساد التي استطاعت أن تجند القضاء والإعلام قد أنهك الدولة، وهي أسباب قد تكون دفعت رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، إلى شن معركة ضروس ضد الفساد منذ أسابيع، لا ندري مآلاتها في ظل مقاومة شرسة من جيوبها المتغلغلة في أجهزة الدولة. كما علينا ألا نغفل، في سرد هذا السياق، تمرّد قطاعاتٍ مهنيةٍ عديدة، استطاعت أن تستغل ضعف الدولة هذا، وتوسع من مجالات تدخلها، وتضفي شيئا من الحصانة على نفسها، على غرار المحامين والأطباء والقضاة الذين استطاعوا أن يلغوا إجراءاتٍ عديدة، ويحققوا امتيازاتٍ عديدة، قد لا تكون أصلا دستوريةً، في ظل قوة نفوذ ممثليهم في البرلمان، ولعبة تبادل المنافع في هذا المجلس (موضوع الجباية تحديدا).
تؤشّر هذه الوضعية إلى ضعف الدولة المستفحل، حتى بدت فاقدةً هيبتها، وذلك ما يبرّر به بعضهم تلك المخاوف، على اعتبار أن هذه الهيئات قد تشكل سلطة مضادة، تجهز على ما تبقى للدولة من سلطةٍ، وقد استحوذت هذه الهيئات على صلاحياتٍ واسعةٍ، قد تكون من مشمولات القضاء والسلطة التنفيذية معا، حتى بدت هذه الهيئات كأنها فوق الدولة، متمتعة بحصانة مطلقة، وأحيانا خارقة للعادة. تعفيها من المساءلة حتى أمام البرلمان ذاته، خصوصا وقد قدّمت هيئة الحقيقة والكرامة، بقيادة سهام بن سدرين في السنتين الفارطتين، درسا قاسيا في الاستقلالية، وهي التي تحرّرت من أي مساءلة، بما فيها أمام القضاء أو النواب، في ظل مخاوف محتملة من أن ترهن الأغلبية البرلمانية هذه الهيئات وتشلها، حين تكون مناوئة لها.
وحدة الدولة في تونس معرّضة للتفتت والتشظّي، والإمكانية واردة في ظل مؤشراتٍ متضافرة تؤكد ضعف الدولة على النحو الذي أوضحته السطور السابقة، يقابله "تعملق" هذه الهيئات. ووجود الهيئات والتنصيص قانونيا على استقلاليتها، والمشمولات الواسعة التي تتمتع بها هي جزء من ترسيخ التحوّل الديمقراطي. ولكن نخشى أن تكون هذه الاستقلالية مدخلا لشلّ الدولة، ومما يفاقم عجزها عن تنفيذ مهامها الأكثر تقليدية. يمكن إخضاع هذه الهيئات إلى مبادئ الحوكمة والمساءلة وفق مبادئ الدستور والقانون، وهي مبادئ عامة، لا تخوّل لأي سلطةٍ كانت، بما فيها سلطة البرلمان مباشرة أي مساءلة أو رقابة على تلك الهيئات، من شأنها تبديد المخاوف تلك. ولكن يحتاج الانتقال الديمقراطي أيضا إلى دولةٍ قويةٍ قادرةٍ على فرض سلطانها بقوة القانون.
تعليق على مقال