بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحضارة الغربية .. وغسيل الأدمغة

2007-09-28 11786 قراءة مختلفات موقع وكالة الأنباء الإسلامية
الحضارة الغربية .. وغسيل الأدمغة
يكشف المفكر الأمريكي نعوم شومسكي النقاب عن حقائق جديدة تفضح الحضارة الغربية وآلاتها الإعلامية الضخمة ويؤكد ‏اعتماد الإعلام الغربي على تطويع الحقائق والأحداث وابتداع مصطلحات جديدة وتسويقها بين الشعوب لتتفق مع الرؤية ‏الغربية ومصالح دولها الخاصة ولو على حساب الحق والحقيقة، ما يؤكد خواء قيم تلك الحضارة المزعومة وافتقادها لأبسط ‏القيم والمبادئ الأخلاقية حيث أصبح الكذب علما وفنا يدرس ويتعلم منهم.‏

الصحف يتمّ شراؤها - مثل الـ"وول ستريت جورنال" في الولايات المتحدة، والـ"إيكو" في فرنسا - من قبل رجالٍ أثرياء ‏تعوّدوا أن يطوّعوا الحقيقة حسب مصالحهم؛ والإعلام يستخدم بشكلٍ سافر لإبراز السيّد نيكولا ساركوزي؛ والأخبار تبتلعها ‏أنباء الرياضة، والطقس والأحداث المتفرّقة؛ وكلّ هذا ضمن إفراطٍ من الإعلانات: هكذا أضحى "التواصل" هو وسيلة ‏الحكم في الأنظمة الديمقراطيّة. وهو لها ما للـ"بروباجاندا" لدى الديكتاتوريّات. ‏

ويحلّل المفكّر الأمريكي في مقابلةٍ له مع الصحفي دانيال ميرمي من فرانس أنتي، آليات السيطرة هذه ويضعها في سياقها ‏التاريخي. فهو يذكّر مثلاً أنّ الأنظمة الشمولية قد اعتمدت على ما أتى به الإعلان التواصلي الذي تطوّر في الولايات ‏المتحدة عشيّة الحرب العالميّة الأولى. أبعد من ذلك، فهو يشير إلى آفاق التحوّلات الاجتماعية في عالمنا الحالي، وإلى ‏ممارسة أنظمة الحكم الغربية لسياسات لا تتفق مع الرأي العام في بلادها لا فرق بينها وبين الأنظمة الديكتاتورية. ‏



نص الحوار:‏

‏**لنبدأ بمسألة وسائل الإعلام. في الاستفتاء الذي أُجري في فرنسا في مايو عام 2005 حول معاهدة الدستور الأوروبي، ‏كانت أغلب الصحف مؤيّدة للتصويت بـ"نعم"، ومع ذلك فإن 55 في المائة من الفرنسيين قد صوّتوا بـ"لا". يبدو إذاً أن قدرة ‏وسائل الإعلام على المناورة ليست مطلقة. فهل تعتبر نتيجة التصويت هذه من جانب المواطنين بمثابة "رفضٍ" لوسائل ‏الإعلام؟

‏* شومسكي: ما قمنا به، إدوار هرمان وأنا، من دراسات عن التلاعب الإعلامي أو عن صنع الموافقة، لم يتناول تأثيرات ‏وسائل الإعلام على الجمهور. هذا موضوعٌ معقّد، غير أن بعض الأبحاث المعمّقة التي أجريت حول الموضوع قد أوحت ‏بأن تأثير وسائل الإعلام هو في الواقع أكبر على شريحة الجمهور التي هي أكثر تعلّماً. أما الحيز الأكبر من الرأي العام، ‏فهو يبدو من جهته أقلّ تبعيةً لطروحات وسائل الإعلام.‏

لنأخذ مثالاً هو احتمال الحرب على إيران. 75 في المائة من الأميركيين يرون أن على الولايات المتحدة أن تضع حدّاً ‏لتهديداتها العسكرية، وتعطي الأفضلية للسعي للوصول إلى اتفاق بالطرق الدبلوماسية. وقد تبيّن من بعض استقصاءات ‏الرأي التي أجرتها مؤسسات غربية أن الرأي العام الإيراني والرأي العام في الولايات المتحدة يتوافقان على بعض وجوه ‏المسألة النووية. فالأغلبية الساحقة من شعبي البلدين ترى أن المنطقة الممتدة من إسرائيل إلى إيران يجب أن تجرّد كلياً من ‏الأسلحة النووية، حتى تلك التي تملكها قوّات الولايات المتحدة في تلك المنطقة. والحال أنّه يجب التفتيش طويلاً للعثور على ‏هذا النوع من المعلومات في وسائل الإعلام. أما فيما يتعلّق بالأحزاب الرئيسة في البلدين، فإنّ أياً منها لا يدافع عن وجهة ‏النظر هذه. فلو كانت الولايات المتحدة وإيران تتمتّعان بنظامٍ ديمقراطيّ حقيقيّ وفيهما تقرّر الأغلبية فعلاً السياسات العامة، ‏لكان النزاع الحالي حول المسألة النووية قد حلّ على الأرجح منذ زمنٍ بعيد.‏

وهناك حالات أخرى من هذا النوع. وفيما يتعلّق مثلاً بالموازنة الاتحادية في الولايات المتحدة، يرغب معظم الأميركيين في ‏خفض الإنفاقات العسكرية لتزيد في المقابل الإنفاقات الاجتماعية والاعتمادات المقدّمة للأمم المتحدة والمساعدات ‏الاقتصادية والإنسانية الدولية، وأخيراً إلغاء خفض الضرائب الذي قرّره الرئيس جورج دبليو بوش لمصلحة من هم أكثر ‏ثراءً بين الأميركيين. في جميع هذه المواضيع، تأتي سياسات البيت الأبيض معاكسة كلياً لمطالب الرأي العام. ‏

غير أن استطلاعات الرأي، التي تكشف هذه المعارضة العامّة القويّة، نادراً ما تُنشَر في وسائل الإعلام، إلى درجة أن ‏المواطنين لا يُستَبعَدون عن مراكز القرار السياسي فحسب، بل يُتركون في حالة جهلٍ عن الوضع الفعلي لهذا الرأي العام ‏نفسه. ‏

وينتاب المجتمع الدولي قلقٌ متعلّقٌ بالـ"عجز المزدوج" العميق في الولايات المتحدّة: فهناك العجز التجاري والعجز في ‏الموازنة. لكن هاتين الثغرتين ما كانتا لتحدثا لولا ثغرة ثالثة، هي الثغرة في الديمقراطية التي لا تزال تتعمّق، ليس فقط في ‏الولايات المتحدة، بل في مجمل العالم الغربي عموماً.‏

‏** - كلّما سئل أحد نجوم الصحافة أو أحد مقدّمي نشرات الأخبار المتلفزة عمّا إذا كان يتعرّض للرقابة، يجيب بأنه حرٌّ ‏كلّياً، وأنه يعبّر عن قناعاته الخاصة. فكيف تجري الرقابة على الفكر في المجتمع الديمقراطي؟ في حين نحن نعرف كيف ‏يجري ذلك في الأنظمة الديكتاتورية . ‏

‏* شومسكي: عندما يتعرّض الصحافيون للمساءلة، سرعان ما يجيبون في الواقع: "لا أحد يضغط عليّ، أنا أكتب ما أشاء". ‏وهذا صحيح. لكن إذا ما اتخذوا مواقف مناقضة للمعايير السائدة، فلن يتسنى لهم كتابة افتتاحياتهم. بالتأكيد، هذه القاعدة ‏ليست مطلقة؛ حتى أنّ بعض كتاباتي أنا قد تُنشر في الصحافة الأميركية. ثمّ إن الولايات المتحدة ليست دولة شموليّة. لكن ‏من لا يحقق الحدّ الأدنى من بعض الشروط، لا يمكن له أن يأمل في الترقي إلى صفّ المعلّقين الذين يتمتعون بالشهرة.‏

وعلى كلّ، هذا هو أحد الفروق الكبرى بين نظام الدعاية والبروباجاندا في الأنظمة الشمولية وطريقة العمل في المجتمعات ‏الديمقراطية. فإذا ما بالغنا بعض الشيء، يمكننا القول بأن الدولة في الدول الشمولية تقرر الخطّ المتّبع، ثم يجب على كل فردٍ ‏أن يمتثل له. أما المجتمعات الديمقراطية، فهي تعمل بطريقة مختلفة. فالـ"خطّ" لا يُعلَنُ أبداً بوضوحٍ بل يبقى ضمنيّاً مُقدّراً. ‏إذ يجري العمل نوعاً ما على "غسل الأدمغة في أجواء الحريّة". وحتى النقاشات "الحماسية" في وسائل الإعلام الكبرى، ‏فهي تندرج في إطار الثوابت الضمنيّة المتفق عليها، والتي تستبعد عدداً من وجهات النظر المعاكسة.‏

ونظام الرقابة في المجتمعات الديمقراطية فعّالٌ جدّاً، فهو يبثّ الخط التوجيهي وكأنّه الهواء الذي يُستنشَق. ولا يُلاحَظ ذلك ‏قط. وقد نتوهّم أحياناً أنّنا إزاء نقاشٍ يتميّز بحدّته. لكنّه في العمق، يبقى أكثر فعالية مما يجري في الأنظمة الشموليّة. لنأخذ ‏مثلاً حالة ألمانيا في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي. فنحن نتناسى أنّها كانت وقتها أكثر الدول تقدماً في أوروبا، وأرقاها في ‏مجال الفنّ والعلوم والتقنيات والآداب والفلسفة. ثم، وخلال فترةٍ وجيزة، طرأ تراجعٌ شامل، وأصبحت ألمانيا أكثر الدول ‏إجراماً وبربرية في تاريخ البشرية.‏

تمّ إنجاز كل ذلك عبر نشر الخوف: الخوف من البلاشفة، ومن اليهود والأميركيين والغجر؛ باختصار من جميع أولئك الذين ‏كانوا، في نظر النازيين، يهدّدون قلب الحضارة الأوروبية، أي "الورثة المباشرين للحضارة الإغريقية". وفي مطلق ‏الأحوال، هذا ما كتبه الفيلسوف مارتن هايدجر في العام 1935. والحال أن معظم وسائل الإعلام الألمانية قد أمطرت ‏الشعب بهذا النوع من الرسائل مستعيدةً تقنيات التسويق التي تمّ تطويرها ... على يد بعض الدعائيين الأميركيين. ‏

ولا ننسي كيف تفرض إيديولوجيةٍ ما نفسها. فالعنف وحده لا يكفي لتحقيق الهيمنة، بل المطلوب هو تبريرٌ من نوعٍ آخر. ‏فعندما يمارس شخصٌ ما، سواء أكان ديكتاتوراً أم مستعمراً أم بيروقراطياً أم زوجاً أم ربّ عمل، سلطته على شخصٍ آخر، ‏فإنه يحتاج إلى إيديولوجية تبريرية، تبقى هي نفسها دائماً: أنّ هذه الهيمنة قائمة "لخير" المهيمَن عليه. وبعبارة أخرى، تقدّم ‏السلطة نفسها دائماً على أنها محبّة للغير، نزيهة وسمحة. ‏

في ثلاثينيات القرن الماضي، قامت قواعد الدعاية النازية مثلاً على اختيار كلماتٍ بسيطة، وعلى تكرارها باستمرار، وعلى ‏ربطها بعواطفٍ وأحاسيسٍ ومخاوف. فعندما اجتاح هتلر (جبال) السوديت (عام 1938)، قام بذلك بعد الحديث عن أكثر ‏الأهداف نبلاً وخيراً، مثل ضرورة "التدخّل الإنساني" لوقف "التطهير الإثني" بحقّ الناطقين باللغة الألمانية، ولتوفير ‏فرصة العيش للجميع "في كنف الحماية" الألمانية، وبمؤازرة أكثر القوى تقدّماً في العالم في ميدان الفنون والثقافة.‏

في مجال البروباجاندا، وإن لم يتغيّر شيء منذ أيام دولة أثينا، فقد أصبح هناك الكثير من الإتقان. إذ تبلورت الأدوات كثيراً، ‏وخصوصاً، ويا للمفارقة، في الدولتين اللتين هما أكثر حريةً في العالم: بريطانيا والولايات المتحدة. ففي هاتين الدولتين، ‏وليس في مكانٍ آخر، نشأت في عشرينيات القرن الماضي الصناعة الحديثة للعلاقات العامة، أي فبركة الرأي العام ‏والبروباجاندا. ‏

وفي الواقع، حققت هاتان الدولتان تقدّماً في مجال الحقوق الديمقراطية (مشاركة المرأة في الانتخابات، حرّية التعبير، الخ.) ‏إلى درجةٍ لم يعد بالإمكان معها ضبط التطلّع إلى الحرية عبر عنف الدولة فحسب. إذاً، جرى التحوّل إلى تكنولوجيات ‏‏"صنع الموافقة". فمصانع العلاقات العامة تنتِج، وبالمعنى الحقيقي للكلمة، الموافقة والقبول والخضوع. وهي تراقب الآراء ‏والأفكار والأذهان. وهذا ما يعتبر تطوّراً كبيراً بالنسبة إلى الأنظمة الشموليّة. فمن المريح أكثر أن يتلقّى المرء الدعاية بدلاً ‏من أن يجد نفسه في غرفة التعذيب.‏

وفي الولايات المتحدة، تحظى حرّية التعبير بالحماية إلى درجةٍ غير مشهودة في أي دولةٍ أخرى في العالم على ما أعتقد. تمّ ‏هذا مؤخراً. فمنذ ستينيات القرن الماضي، رفعت المحكمة العليا السقف عالياً في مجال احترام حرية الكلام، وهو ما يعكس ‏في رأيي مبدأً جوهرياً أرسته في القرن الثامن عشر قيم عصر الأنوار. وجاء موقف المحكمة العليا على دعم حرية الرأي، ‏مع قيدٍ وحيدٍ هو عدم المشاركة في عملٍ إجرامي. مثلاّ، عندما أقتحم مخزناً لسلبه وأحد شركائي يحمل سلاحاً، وأقول له: ‏‏"أطلق النار!" فهذا الكلام لا يحميه الدستور. أما في كل ما تبقى، فإن الدافع يجب أن يكون خطيراً بامتياز لكي يعاد النظر ‏في حرية التعبير. حتّى أن المحكمة العليا قد أعادت التأكيد على هذا المبدأ لصالح أعضاءٍ من جماعة الـ"كو كلوكس كلان"‏

‏. إن حرية التعبير في فرنسا وفي بريطانيا وفي سائر أوروبا هي، على ما يبدو لي، محدّدة بطريقة مقيِّدة جداً. والسؤال ‏الأساسي في نظري هو التالي: هل يحقّ للدولة تحديد ماهية الحقيقة التاريخية؟ وهل لها الحقّ في معاقبة من يتخلّى عنها؟ إن ‏الاعتقاد بذلك يعني تحديداً التآلف مع سياسة طبيعتها ستالينية. ‏

والحال أن بعض المثقفين الفرنسيين يجدون صعوبةً في الإقرار بأنّ خضوعهم يكمُن في هذه الناحية. علماً بأن رفض ‏مقاربة من هذا النوع يجب ألا تشوبه استثناءات. فالمفروض ألاّ يكون للدولة أي وسيلةٍ لمعاقبة من يدّعي مثلاً إن الشمس ‏تدور حول الأرض. إنّ في مبدأ حرية التعبير شيئاً ما بسيطاً جداً: فإما أن ندافع عنها في حالات ظهور آراء ننفر منها، أو ‏ألاّ ندافع عنها بكلّ أشكالها. فحتى هتلر وستالين أقرّا بحرية التعبير لهؤلاء الذين شاركوهم وجهات نظرهم... ‏

وأضيفُ أن هناك شيئاً من الألم وحتى من الفضيحة بسبب الاضطرار إلى البحث في هذه المسائل بعد قرنين من فولتير ‏الذي صرّح كما نعلم قائلاً: "أكره آراءكم، لكنني مستعدٌّ للتضحية بنفسي لكي تتمكنوا من التعبير عنها".‏



‏** - أنت تعلّق في أحد كتبك على عبارة ميلتون فريدمان: "تحقيق الأرباح هو الجوهر الحقيقي للديمقراطية "... ‏

‏* شومسكي: حقيقة القول إن الأمرين متناقضان إلى درجة أنه ليس ثمّة تعليقٌ ممكن... فهدف الديمقراطية هو أن يتمكّن ‏الناس من تقرير حياتهم الخاصة والخيارات السياسية التي تخصّهم. وتحقيق الأرباح هو أحد أمراض مجتمعاتنا، وهو يستند ‏إلى بنى خاصة. ففي مجتمع محترم أخلاقيا يصبح هذا الهمّ هامشياً. لنأخذ القسم الجامعي الذي أعمل فيه (في معهد ‏ماساتشوستس للتكنولوجيا)، ففيه بعض العلماء الذي يعملون دائبين لكي يكسبوا الكثير من المال، لكنهم يُعتبرون نوعاً ما ‏هامشيين ، بل أناساً مضطربين، حالات مرَضية إلى حدٍّ ما. أما الروح التي تحرّك الجماعة الأكاديمية، فهي بالأحرى ‏محاولة تحقيق الاكتشافات للفائدة الذهنية ولخير الجميع في آنٍ معاً. ......‏

وفي الواقع، فإن سياسة الولايات المتحدة تثير معارضةً كثيفةً على المستوى العالمي. ففي أميركا اللاتينية، طردت ‏الأرجنتين وفنزويلا صندوق النقد الدولي. وقد اضطرّت الولايات المتحدة إلى أن تتخلى عن ما كان معياراً منذ عشرين أو ‏ثلاثين عاماً: وهو الانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية. لقد بات البرنامج الاقتصادي النيوليبرالي الذي فُرِضَ بالقوّة في ‏مجمل أميركا اللاتينية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مرفوضاً اليوم في مجمل القارة. كما نجد هذه المعارضة ‏نفسها ضدّ نظام العولمة الاقتصادية على المستوى العالمي. ‏

وفي الحقيقة، فإن الحركة الشاملة من أجل العدالة التي تجري تحت الأضواء الإعلامية الساطعة في كلّ مؤتمرٍ اجتماعيّ ‏دولي، تعمل على مدار السنة. إنها ظاهرةٌ جديدةٌ جداً في مسار التاريخ، وربما تعدّ بداية حالة "دولية" حقيقية. والحال أن ‏الحصان الرئيسي في معركتها يتعلّق بإمكانية وجود بديل. فبالمناسبة، أيّ مثال أفضل عن العولمة المغايرة من "المنتدى ‏الاجتماعي الدولي"؟ فوسائل الإعلام المعادية تسمّي أولئك الذين يعارضون العولمة النيوليبرالية بـ"مناهضي العولمة"، في ‏حين أنّهم يناضلون من أجل عولمة مختلفة، هي عولمة الشعوب.‏

ويمكن مشاهدة التناقض بين هؤلاء وأولئك، لأنّه ينعقد في الوقت نفسه، في دافوس، المؤتمر الاقتصادي العالمي الذي يعمل ‏على التكامل الاقتصادي العالمي، لكن فقط لمصلحة رجال المال والمصارف و"صناديق التقاعد"؛ وهذه قوى عظمى ‏تسيطر أيضاً على وسائل الإعلام. هذا هو مفهومهم للتكامل العالمي، لكن في خدمة المستثمرين. وتعتبر وسائل الإعلام ‏المسيطرة أن هذا التكامل هو وحده الجدير، بشكلٍ ما، أنّ يسمّى رسميّاً "العولمة".‏

وهذا مثالٌ جيّد على طريقة عمل البروباجاندا الإيديولوجية في المجتمعات الديمقراطية. فهي فعّالةٌ حتى إلى درجة أن بعض ‏المشاركين في المنتدى الاجتماعي قد قبلوا أحياناً صفة "مناهضي العولمة" الخبيثة. وفي بورتو ألّيجريه، قمت بمداخلة في ‏إطار المؤتمر، وشاركت في مؤتمر المزارعين العالمي الذين هم وحدهم يكوّنون أغلب شعوب الكرة الأرضية... ‏

‏** - يصنّفونك في فئة الفوضويين أو الاشتراكيين الفوضويين. فبمفهومك عن الديمقراطية، ما هو موقع الدولة؟ ‏



شومسكي: نحن نعيش في هذا العالم لا في كونٍ خيالي. والحال أنه في هذا العالم توجد مؤسسات استبدادية هي الشركات ‏الكبرى؛ وهي الأقرب إلى المؤسسات الشموليّة. ولنقل أنّه ليس عليها حسابات تقدّمها إلى الجمهور وإلى المجتمع، وهي ‏تتصرّف على طريقة الحيوانات المفترسة لتوقِع شركات أخرى ضحيّةً لها. وليس أمام الشعوب، لتدافع عن نفسها منها سوى ‏وسيلة واحدة: وهي الدولة. لكن هذه ليست درعاً فعالاً جداً لأنها مرتبطة عموماً بشكلٍ وثيق بهؤلاء المفترسين؛ مع فارقٍ ‏بسيط لا يجوز إهماله: ففي حين أنّه ليس على شركة "جنرال إلكتريك" مثلاً أي محاسبة تؤديها، فقد تضطر الدولة أحياناً ‏إلى إيضاح موقفها للشعب. وعندما تتوسّع الديمقراطية إلى درجة يتمكن فيها المواطنون من الإشراف على وسائل الإنتاج ‏والتبادل، ويشاركون في صنع الإطار العام الذي يعيشون فيه، وفي إدارته، عندها يمكن أن تزول الدولة شيئاً فشيئاً، وتحلّ ‏مكانها جمعيات متطوّعة تكون حاضرة في أماكن العمل وحيث يعيش الناس....... ‏

نعوم شومسكي: أستاذ علوم اللغويّات في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا ، بوسطن، الولايات المتحدة.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال