بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اللوبي" الإسرائيلي" في أمريكا‏

2007-08-20 12990 قراءة مختلفات
اللوبي" الإسرائيلي" في أمريكا‏
في عرض لكتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية", للمؤلفين: ستيفن وولت وهو استاذ العلوم السياسية في ‏جامعة هارفارد, و جون ميرشايمر وهو استاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو, و ترجمة / حمدي مصطفى من موقع ‏الوسط, يكشف المؤلفان عن الآليات التي يستخدمها اللوبي الإسرائيلي للتأثير على السلطة التشريعية ممثلة في الكونجرس ‏الأمريكي وللتأثير على السلطة التنفيذية ممثلة في مؤسسة الرئاسة. وتتناول الدراسة الوسائل التي استطاع اللوبي عن ‏طريقها أن تبلغ سطوته ورهبته بحيث لا يمكن لسياسي أمريكي أن يتخطاه وإلا واجه من النبذ وتشجيع الخصوم ما لا يقوى ‏على مواجهته ، وتضرب الدراسة أمثلة عديدة على ذلك. ويركز المؤلفان على منظمة الإيباك وهي العضو الأبرز في ‏اللوبي الإسرائيلي ، وكيف بلغت قوتها مدى اعترف به المسئولون الأمريكيون وصارت وكأنها وكيل رسمي لحكومة ‏أجنبية.‏


التّأثير على الكونجرس الأمريكي

‏ إنّ الدعامة الرئيسيّة لفعالية اللوبي الإسرائيلي، هي مدى تأثيره الواضح في الكونجرس الأمريكي, حيث تجد عملياً أنّ ‏إسرائيل لديها مناعة مؤكّدة من النقد. وهذا الأمر في حد ذاته، يعتبر موقفاً جديراً بالملاحظة، لأن الكونجرس عادةً لا يجفل ‏ولا يتردد أويشعر بأي خجل في مواجهاته للقضايا المثيرة للجدل أو قضايا المنازعات. أمّا عندما تكون إسرائيل معنيّة في ‏أي قضيّة أثيرت لأي سبب، فتتحوّل أي إحتمالات للمناقشات أو للنقد، إلي ما يعرف " بالصّمْت المُطْبِق "، كأنّه لم يكن ‏هناك شيئ بالمرّة... صمت مطبق فقط.‏

وسواءً أكانت القضيّة هي عمليّة إجهاض، أو دعوى لقضيّة إيجابيّة, أو ما يتعلّق بالعناية بالصحّة العامة, أَو رفاهية الشعب ‏والمواطن, فهناك بالتأكيد يحدث حراك نشيط لبدء تلك المناقشات والجدال والمناظرات في مقار المجالس النيابية والشيوخ. ‏هناك سبب واحد لنجاح ذلك اللوبي مع الكونجرس الأمريكي، ألا وهو أنّ هناك بعضاً من الأعضاء الرئيسيين في ‏الكونجرس من الصهاينة المسيحيين, مثل ديك أرمي والذي قال في عام 2002 : " إنّ الأولويّة رقم 1 عندي فيما يتعلّق ‏بالسياسة الخارجيّة الأمريكيّة، هي حماية إسرائيل " 69. وكنّا نعتقد أنّ الأولويّة الأولي عند أي عضو من أعضاء ‏الكونجرس الأمريكي هي " حماية أمريكا " ! ، ولكن ليس ذلك ما قالة آرمي. كما أنّ هناك أيضاً أعضاء من اليهود في ‏مجلس الشيوخ وفي الكونجرس الأمريكي، والذين يعملون على تشكيل السياسة الأمريكيّة الخارجيّة لدعم مصالح إسرائيل ‏وحمايتها.‏

إنّ الموالين لإسرائيل من موظفي الكونجرس، هم أيضاً أحد مصادر القوّة للوبي الإسرائيلي. وكمثال لذلك، أميتاي موريس, ‏وهو الرئيس السابق للجنة العمل السياسيّة الأمريكيّة الإسرائيليّة, فلقد إعترف مرّة بأنّ " هناك الكثيرين من الرجال على ‏مستوي المسئوليّة وإتّخاذ القرار هنا في مقر مجلس النواب والشيوخ، وهم من اليهود، والذين لديهم الرغبة وعلى استعداد ‏دائماً … لبحث قضايا معيّنة بإستخدام معايير يهوديّة.... وهؤلاء موجودون هناك في مواقعهم لإتّخاذ القرارات في تلك ‏المجالات نيابة عن الأعضاء أنفسهم في مجلس الشيوخ.... ويمكنك أن تجد الكثير جداً من القرارات التي تم إتّخاذها عن ‏طريق مستوى الموالين لإسرائيل من موظفي الكونجرس 70.‏

إنّها لجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية نفسها, وهي التي تمثّل جوهر ولب تأثير اللوبي في الكونجرس الأمريكي. ‏وأن نجاح تلك اللجنة، ينبع من قدرتها على مكافأة ومجازاة كلّ من يدعم ويؤيّد أعمالها وسياساتها من أولئك القائمين على ‏التشريع وكذلك من أعضاء الكونجرس، وينبع من قدرتها أيضاً على إيذاء ومعاقبة، والإضرار بكلّ من يتحدّاها أو يعترض ‏طريقها. إنّ المال له تأثير خطير في عمليّة الانتخابات ( وهناك مثال يذكّرنا بذلك جيداً، وهي تلك الفضائح التي حدثت ‏مؤخراً عن جاك أبراموفس، وهو أحد أعضاء اللوبي الإسرائيلي، بخصوص العديد مما تم إبرامة من الصفقات المبهمة ‏والمشبوهة )، وتقوم لجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية، بالتأكّد من أنّ أصدقاءها يحصلون على الدعم المادّي القوي ‏من عدد لا يحصى من المؤيدين لقرارات اللجان والهيئات السياسيّة الإسرائيليّة. أمّا بخصوص أولئك الغير ودودين مع ‏إسرائيل, فعليهم أن يتأكّدوا من قيام لجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية بشن حملات مسعورة عليهم لدعم ومساندة ‏خصومهم السياسيين. كما أنّ لجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية هذه تنظم أيضاًً حملات مراسلات و تشجّع محرّري ‏الصحف على تأييد المرشحين من مؤيّدي إسرائيل.‏

تفاخرت منظمة الإيباك وأعلنت " إنّ جميع اليهود الأمريكيين، على امتداد طول البلاد وعرضها، قد تجمّعوا يداً واحدةً على ‏طرد تشارلز بيرسي من الكونجرس "‏

إنّه ممّا لا شكّ فيه مدى فعاليّة ونجاح تلك الوسائل والتكتيكات التي يتبعها اللوبي الإسرائيلي. ويكفي لتأكيد ذلك، أن نسوق ‏المثال التالي : في عام 1984 قامت لجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية بتقديم يد العون والمساعدة على إسقاط ‏وهزيمة عضو مجلس الشيوخ تشارلز بيرسي عن ولاية إلينوي, والذي, حسب قول أحد رموز اللوبي البارزة، أبدى تبلداً ‏للشعور وعداوة إزاء مخاوفنا وإهتماماتنا. ولقد وضّح ذلك الأمر، توماس داين، رئيس اللّجنة ( لجنة العمل السياسية ‏الأمريكية الإسرائيلية: أيباك) آنذاك، قائلاً إنّ حقيقة ما حدث هو : " أنّ جميع اليهود الأمريكيين، على امتداد طول البلاد ‏وعرضها، قد تجمّعوا يداً واحدةً على طرد بيرسي من المجلس. أمّا عن السياسيين الأمريكيين، الذين يتقلّدون مناصب وطنيّة ‏الآن، وكذلك أولئك الذين لديهم طموحات مستقبليّة في الحكم، جميعهم قد وصلتهم الرسالة واضحة وضوح الشمس. وتقوم ‏تلك اللجنة ( لجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية) بالإنفاق ببذخ للترهيب بسمعتها على أنّها خصم رهيب ومرعب ‏وهائل 71 ، وذلك بدورة يُثبّط عزائم أي شخص يفكّر مجرّد تفكير في التشكيك في جدول الأعمال. ولقد تعدّى تأثير منظمة ‏أيباك على الكونجرس الأمريكي، مستوىً بعيداً جداً يفوق ما حدث مع تشارلز بيرسي، ويعلّق على ذلك دوجلاس بلومفيلد، ‏وهو عضو وموظّف قديم في منظمة أيباك بقوله " إنّه من المعتاد قيام أعضاء الكونجرس ومعاونيهم من الموظفين، التوجه ‏إلي لجنة أيباك أولاً للحصول على المعلومات، وذلك قبل اللجوء إلى مكتبة الكونجرس، أو إلى إستشاريّ البحوث والخدمات ‏بالكونجرس، أو إلى لجنة خبراء الحكومة والعاملين بالكونجرس 72. وأضاف: إنّ الأكثر ِأهميةً من ذلك, أن تلك اللجنة ‏أيباك ، يتم إستدعاؤها غالباً لمراجعة الأحاديث والخُطَبْ المزمع إلقاؤها، وكذلك عند إصدار قوانين أو تشريعات، وأيضاً ‏لتلقّي النصيحة أو التخطيط، أو للقيام بعمل البحوث ، أو لجمع أصوات الناخبين علاوة على عمليّة تنظيم الانتخابات.‏

‏ إنّ صُلْبْ الموضوع يتمحور حول تلك المنظمة أيباك ، والتي تتصرّف كانّها الوكيل الرسمي والشرعي لدولة أجنبيّة، ‏وتقبض على الكونجرس بكلاّبات من فولاذ ، فلا يستطيع الخلاص منها 73. ولا يحدث أن يتطرق المناقشات هناك عن ‏السياسة الأمريكيّة تجاه إسرائيل، حتّي لو كانت تلك السياسات لها عواقب مهمّة ومؤثّرة على العالم بأكمله. وهكذا, فهناك ‏واحد من الثلاث فروع الرئيسيّة في الحكومة الأمريكيّة ملتزمة ومتعهّدة بحزم لدعم ومساندة إسرائيل. وعلي لسان ‏السيناتور المخضرم إرنست هولينجز, عندما كان يغادر مكتبه، فقال : " أنت لا تستطيع تحديد سياسة إسرائيليّة مغايرة لما ‏تقدمه لجنة أيباك هنا " 74. أعجوبة أو طُرْفة صغيرة قال عنها آريال شارون، في أحد المرّات أمام جمهور أمريكي من ‏الحاضرين : " عندما يسألوني، كيف نستطيع مساعدة إسرائيل، فإنّي أرد من فوري، عليكم بلجنة أيباك‎" 75‎‏.‏



التَأثيرعلى السلطة التنفيذيّة

ولدى اللوبي أيضاً نفوذ شديد على الفروع المختلفة للسلطة التنفيذيّة. ويستمد تلك القوّة جزئياً ممّا لدى الناخبين اليهود من ‏تأثير ونفوذ على عمليّة الإنتخابات الرئاسيّة، بغض النظر عن تعدادهم القليل بالنسبة للكثافة السكّانيّة ( وهم يشكّلون في ‏حدود 3 % فقط من عدد السكان )، فهم معتادون وناجحون جداً في تجهيز حملات للتبرعات للمرشّحين من جميع ‏الأحزاب. ‏

ولقد قدّرت جريدة الوشنطن بوست، في إحدي المرّات انّ المرشّح للرّئاسة من الحزب الديمقراطي: " يعتمد على المؤيّدين ‏من اليهود في تمويل في حدود 60 % من الميزانيّة المحدّدة للعمليّة الإنتخابيّة " 76 . وعلاوة على ذلك, فإنّ هؤلاء النّاخبين ‏من اليهود هم من ذوي مستوى الدخول العاليّة، وهم يتمركزون في الولايات الرئيسيّة مثل كاليفورنيا, و فلوريدا, و إلينوي, ‏و نيويورك, و بينسلفانيا. ولأن لهم شأناً بارزاً في إنهاء عمليات الإنتخاب نظراً لتأثيرهم السابق إيضاحه، فإنّة لا يستطيع ‏ولا يملك أي مرشّح للرئاسة - لديه رغبة حقيقيّة في المنصب - أن يتسبّب في أي إزعاج أو خصومة أوعداء هؤلاء ‏الناخبين من اليهود.‏

وأيضاً، تقوم منظمات اللوبي الرئيسيّة مباشرةً بإستهداف ذوي النفوذ من مسئولي الحكومه.‏
وكمثال على ذلك، فإنّ جميع القوي الموالية لإسرائيل تتأكّد من أن أي شخص يقوم بانتقاد، أي من المسئولين الرسميين من ‏اليهود، لن يتم تعيينه في أي منصب هام يتعلّق بالسياسة الأمريكيّة الخارجيّة. مثلما أراد الرئيس السابق جيمي كارتر أن ‏يجعل جورج بول، النائب الأوّل له، ولقد تراجع بعد علمه بأنّ جورج بول مُسَجّل خطر على إسرائيل، وأنّ اللوبي ‏الإسرائيلي سيعارض في تعيينه في ذلك المنصب، إذا ما أثير مثل هذا الطلب 77. إنّ هذا المعيار، والمشابه لإختبار مدى ‏الحمضيّة أو القلويّة باستخدام أوراق عبّاد الشمس، هو الذي يدفع أي طامح في رسم وصنع السياسة بالدولة أن يعلن ‏بوضوح وثقة تأييدة المؤكّد لإسرائيل، وذلك يوضّح لماذا يصبح دائماً منتقدو السياسة الإسرائيليّة من فصيلة المعرّضين ‏للخطر داخل مؤسّسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.‏

إنّ إستخدام هذا الأسلوب من الإكراه والتقييد ما زال قائماً حتّى يومنا هذا. وهكذا، فعندما طالب مرشّح الرئاسة هوارد دين ‏خلال ماراثون الانتخابات الرئاسيّة عام 2004، من الولايات المتحدة الأمريكيّة أن تقوم بممارسة دور أكثر اعتدالاً في ‏الصراع العربي الإسرائيلي، إنبرى عضو مجلس الشيوخ السيناتور يوسف ليبرمان، ليتّهمة ببيع قضيّة الإنتماء لإسرائيل ‏بالبخس، ووصفة بأنّه " لا مبالي، وغير مسئول" 78. وفي الواقع، فإنّ جميع كبار الديمقراطيين في المجلس قد وقّعوا على ‏رسالة شديدة اللهجة منتقدين فيها " هوارد دين "، كما وصفة نجم شيكاغو اليهودي، " إنّه من المتهجّمين مجهولي الهويّة ... ‏وأنّه يتسبب في عرقلة إمتلاء صناديق الإنتخابات لزعماء اليهود في جميع أنحاء الدولة"، وحذّر- بدون أي أدلّة محدّدة - أنّ ‏‏" هوارد دين " سيكون ضاراً ومؤذياً لإسرائيل79.‏

وبالطبع فلقد كان التعبير عن القلق بهذا الأسلوب أمراً سخيفاً حقاً, ومع ذلك, فلأنّ " هوارد دين " كان في واقع الأمر من ‏المتشدّدين مع إسرائيل80، فلقد قاد حملة النقد والإزدراء ضدّه، الرئيس السابق للجنة العمل السياسية الأمريكية الإسرائيلية ‏أيباك، وقد كان لوجهة نظر " هوارد دين " التي عبّر عنها في مشكلة الشرق الأوسط، إنعاكاسات مباشرة أثّرت في معظم ‏الأمريكيين المعتدلين من جماعة " السلام الآن "، أكثر من تأثير لجنة آيباك أيباك. ولقد نادي " هوارد دين بأن يتم " تقريب ‏وحهات النظر للطرفين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي "، وأن يكون تصرف الولايات المتّحدة الأمريكية أكثر إعتدالاً . ‏أنّها فكرة بالكاد يمكن إعتبارها راديكاليّة، ولكنّها تندرج تحت اللعنات والكفر بالنسبة للوبي الإسرائيلي. والذي لا يتقبّل أبداً ‏ولا يتحمّل فكرة العدالة أو الحياد أو الإنصاف فيما يتعلّق بالصراع العربي الإسرائيلي.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال