بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

د. عبد الوهاب المسيري يتحدث عن اليهود و عن مستقبل "اسرائيل"‏

2007-06-09 11935 قراءة مقالات فكر الوطن القطرية 7/5/2007م بتصرف
د. عبد الوهاب المسيري يتحدث عن اليهود و عن مستقبل "اسرائيل"‏
د. عبد الوهاب المسيري, هو الباحث المصري المعروف, و هو من المختصين بالمسألة اليهودية, إذ استغرق بحثه لهذا ‏الموضوع ما يزيد عن عشرين سنة, انتهى بموسوعته الشهيرة:"اليهود و اليهودية و الصهيونية"‏

في هذا اللقاء الصحفي مع جريدة الوطن القطرية, نقلا عن موقع الشبكة الإسلامية, يتحدث عبد الوهاب المسيري عن ‏الصهيونية و عن اسرائيل, و عن هاجس النهاية و الفناء لدى اليهود.‏

‏* من خلال قراءتك للحركة الصهيونية، نرى أن اهتمامك بالدرجة الأولى انصبّ حول علاقة الديموغرافية اليهودية بظهور ‏الصهيونية كحركة استيطانية. كيف قرأت هذه العلاقة؟ وكيف تجسدت من وجهة نظرك؟ ‏

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن الطفرة السكانية التي حدثت بين يهود شرق أوروبا مع تعثُر عملية التحديث مع هؤلاء ‏اليهود، أدى إلى تفاقم المسألة اليهودية، لاسيما وأن روسيا القيصرية بدأت عملية التحديث بخطوات سريعة لم تسمح ‏لأعضاء الجماعات اليهودية المرتبطين بالاقتصاد القديم والحرف التقليدية ووظائف لم يعد المجتمع في حاجة لها مثل ‏التجارة والربا، لم تسمح لهم بمواكبة التطور، وبالتالي أصبحوا، بشكل أو بآخر، فائضاً بشرياً وجماعة وظيفية بلا وظيفة. ‏فبدأوا يتدفقون على بلدان وسط وغرب أوروبا، بما في ذلك انجلترا التي بلغ عددهم فيها عشية وعد بلفور بين 250 ألفاً ‏و300 ألف نصفهم من يهود اليديشية. ‏

وقد أدى تدفق يهود اليديشية إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة بحثاً عن مورد للرزق إلى شعور الجماهير بأن ‏المهاجرين اليهود يهددون الأمن الاجتماعي. وقد حاولت الدول الغربية تحويل مسار الهجرة إلى أماكن غير أوروبا، فكان ‏هناك مشروع الاستيطان في الأرجنتين ومشاريع أخرى مماثلة، لكن استقر الأمر على فلسطين بسبب أهميتها الاستراتيجية ‏حيث يتم تحويل الجماعات اليهودية التي أصبحت بلا وظيفة إلى جماعة وظيفية عسكرية تحمي المصالح الغربية في ‏المنطقة. وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، فوضع هرتزل نصب عينيه الوصول إلى السلطات الحاكمة في ‏إنجلترا لعرض المشروع الصهيوني.. وبالفعل نجح أحد أصدقائه في دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية عام 1902، حيث قدَّم ‏حلاً صهيونياً مفاده تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوروبا. وانطلاقاً من هذا، عُرض مشروع شرق ‏أفريقيا أولاً، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة الصهيونية. ‏


‏*إلى أي مدى يؤكد هذا صحة ادعاءات الصهيونية، بأنها حركة لتحرير يهود العالم، وصهرهم في بوتقة واحدة للحفاظ على ‏قوميتهم اليهودية؟ ‏

هنا، لا بد من الإشارة إلى أن سمة خاصة انفرد بها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي وهي تحولهم إلى جماعات ‏وظيفية تعمل بالتجارة والربا، ومن سمات هذه الجماعات الوظيفية أنها تشعر بالغربة في مجتمع الأغلبية، ورغم أنها تستمد ‏خطابها الحضاري من هذا المجتمع، فإنها تتصور أنها ذات هوية مستقلة وأن لها وطنا آخر (صهيون)، فتنعزل عن هذا ‏المجتمع، وتبدأ بالإحساس بأنها «أقلية إثنية» مع أنها في واقع الأمر «جماعة وظيفية»، مما خلق نوعاً من الإبهام. ولكن ‏حسم هذا الإبهام مع عمليات التحديث والاستنارة فقامت قيادات الجماعات اليهودية، إما بإلغاء الصلوات ذات الطابع ‏‏«القومي» (اليهودي)، أو تفسيرها بطريقة يطهرها من مضمونها العرقي أو الإثني، وذلك من أجل تعميق ولاء اليهودي ‏للوطن الذي يعيش فيه وقصر انتمائه اليهودي على العقيدة اليهودية. ‏

ولكن الصهاينة، ممثلي العقلية الغيتوية، وقفوا ضد التيار الإصلاحي وراحوا يعملون على تحويل «الإحساس الديني» ‏بالانتماء إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بالأراضي المقدسة اليهودية، إلى «شعور قومي» و«برنامج سياسي». ‏وقالوا إن اليهود شعب واحد بالمعنى العرقي أو الإثني، وإن لهم قوميتهم المستقلة. و لكن الواقع التاريخي مختلف تمام ‏الاختلاف عن هذا التصور، فاليهود جماعات متناثرة تستمد كل جماعة خطابها الحضاري من المجتمع الذي تعيش فيه. ‏فيهود أميركا أميركيون يهود، ويهود المغرب مغاربة يهود. وأكبر دليل على أن اليهود ليسوا شعباً أنه بعد إنشاء الدولة ‏الصهيونية التي تدعي أنها دولة الشعب اليهودي بأسره، لاتزال غالبية هذا الشعب مستقرة في أوطانها الحقيقية، وأنه بعد أن ‏هاجر أعضاء هذا الشعب اليهودي الوهمي إلى «وطنهم القومي» اكتشفوا أنهم ليسوا يهوداً بشكل عام وإنما إشكناز ‏وسفارديم وفلاشا، وغيرها من الإثنيات، بل إنهم في الحقيقة لم يتوصلوا بعد لتعريف من هو اليهودي، وأن الدولة ‏الصهيونية لم تحررهم من الأسر وإنما أوقعتهم في فخ جغرافي وورطة تاريخية! ‏


‏* إذا كانت الحركة الصهيونية قد وقعت في فخ جغرافي، وورطة تاريخية. فكيف يمكن أن نفسر مصطلح الصهيونية ‏العالمية الذي أطلقته الحركة الصهيونية، وساندتها الولايات المتحدة في ترسيخه؟ ‏

لو دققنا في ترجمة مصطلح «الصهيونية العالمية»، فمن الواضح أن الترجمة لم تدرك أن المفهوم الكامن وراء المصطلح ‏نابع من أيديولوجية شاملة، لا هي موضوعية ولا محايدة، وإنما تعبر عن آمال وطموحات ومشاريع أصحابها. فالصهيونية ‏تدَّعي أنها تعبير عن «القومية اليهودية»، أي أنها قومية اليهود، كل اليهود أينما كانوا. وحيث إن اليهود موجودون في كل ‏بقاع الأرض: في فرنسا والهند والصين وتنزانيا، فهي «عالمية». أي أن المصطلح يحاول إسباغ قدر من الشرعية أو ‏العدالة على المخطط الصهيوني المتمثل في اغتصاب الأرض العربية وفرض الهيمنة على المنطقة. ‏

ولكن، لو دققنا النظر لاكتشفنا أن المصطلح الذي اختاره الصهاينة لمنظمتهم (المنظمة الصهيونية العالمية) يعكس هذا ‏التحيز. فالصهيونية ليست ظاهرة عالمية، لأنها لا توجد في افريقيا (باستثناء الجيب الاستيطاني السابق في جنوب إفريقيا)، ‏ولا في آسيا (باستثناء الجيب الصهيوني في فلسطين)، ولا في أميركا اللاتينية (باستثناء بيونس أيرس في الأرجنتين وربما ‏ريو دي جانيرو في البرازيل). ويرجع هذا لسببٍ بسيطٍ، وهو أن الغالبية الساحقة من يهود العالم (أكثر من 90 بالمائة) ‏تركزت في العالم الغربي منذ القرن التاسع عشر، وازدادت في القرن العشرين. فلا يوجد في الصين سوى عشرة يهود، ولا ‏يوجد في الهند سوى بضع مئات. ومن ثم، فالصهيونية ظاهرة غربية تماماً وليست عالمية. ‏

وينطبق القول نفسه على كلمة «ستلمنت »، التي ترجمناها بحرفية مفرطة بكلمة «مستوطنة»، وهي مشتقة من «التوطين» ‏و«الوطن»، مع أن المفروض أن نترجمها بعبارة «مستعمرات استيطانية». ويزداد الأمر سوءاً وببغائية حين نتحدث عن ‏‏«مستوطنات غير شرعية»، التي تُستخدم في الخطاب السياسي الإسرائيلي للإشارة إلى المستعمرات التي تُشيَّد دون ‏تصريح من الدولة الصهيونية، وكأن هناك مستعمرات أخرى «شرعية»، وكأن هذه الدولة هي صاحبة الحق المطلق فيها، ‏وكأنها لم تغتصب كل هذه الأرض التي تُقام عليها المستعمرات من العرب أصحابها الأصليين.‏


‏* تشير الكثير من الدراسات الغربية، الى أن إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين، هي بمنزلة تعويض لليهود عن ‏الهولوكست. كيف استطاع الصهاينة توظيف هذه الأسطورة لإقامة دولتهم؟

إن إنكار المحرقة هو رد فعل بدائي وبسيط. لقد قدّم الصهاينة الهولوكوست باعتبارها حادثة فريدة غير زمنية مطلقة، وقد ‏فعلوا ذلك بأن نزعوها من سياقها التاريخي كي ننظر إليها من الداخل فقط، من منظور غربي وصهيوني حتى يمكنهم ‏توظيفها. وهذا هو جوهر ما سميته الحقائق الكاذبة. ولذا فالطريقة العلمية الإنسانية الوحيدة أن ننظر لهذه الظاهرة من ‏الداخل ومن الخارج بالوقت نفسه، وذلك عن طريق وضعها في كل السياقات الممكنة. وقد وضع (الفريد روزنبرغ)، الزعيم ‏النازي، مفتاح الفهم بين أيدينا فوضع الفكر النازي في سياقه التاريخي الصحيح. ففي أثناء محاكمته في (نورمبرغ) صرّح ‏بأن نظرية التفاوت بين الأعراق هي جزء لا يتجزأ من الفكر الغربي. فأشار إلى أنه تعرف لأول مرة على مصطلح ‏‏«الإنسان الأعلى» في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي (كتشنر)، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» ‏مأخوذ من كتابات العالم الأميركي الأنثروبولوجي (ماديسون جرانت) والعالم الفرنسي (لابوج)، وأن رؤيته العرقية هي ‏نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية. ومن المعروف تاريخياً أن هتلر تشرب كثيراً من آرائه من الدراسات ‏الإمبريالية/ العنصرية التي انتشرت في أوروبا آنذاك كالميكروب لتبرير المشروع الإمبريالي الغربي. والرؤية الصهيونية ‏الخاصة بالشعب اليهودي باعتباره شعباً مختاراً أو شعباً له حقوق مطلقة تنبع من هذه الرؤية الغربية. ‏


‏* الخطاب العربي بكل أطيافه الأيديولوجية ينكر الهولوكست، من منظورك الفكري، كيف تقوّم ذلك؟

بداية، أرى أنه من المهم أن نطوّر خطاباً عربياً ـ إسلامياً جديداً، بخصوص كل من الهولوكست والصراع العربي - ‏الإسرائيلي.لقد قام الغرب بأيقنة الهولوكست، أي لقد تمَّ تحويلها إلى شيء فريد، فأصبحت محل تأليه غير قابل للنقاش. ‏ونحن نتورط في نوع من الأيقنة المضادة، أو الكفر المضاد بها من دون تثبت تاريخي.. فإنكار الهولوكست ليس أمراً ‏إنسانياً أو علمياً. يجب أن تكون استراتيجيتنا في التعامل مع الظاهرة اليهودية أو الصهيونية أو الإسرائيلية، أو أي ظاهرة ‏إنسانية أخرى، هي استرجاع البعد التاريخي والإنساني. ‏


‏* كيف تنظر إلى مستقبل المشروع الصهيوني في المنطقة العربية؟ ‏

كل الأنظمة السياسية في العالم تواجه إشكالية الشرعية السياسية فالنظم العربية على سبيل المثال تواجه إشكالية الانتقال من ‏نظم شمولية إلى نظم ديمقراطية منفتحة، وهذه إشكالية خاصة بالشرعية السياسية ولكنها لا تواجه شرعية الوجود. أما ‏الكيانات الاستيطانية فتواجه مشكلة الشرعية السياسية تجاه المستوطنين الصهاينة.. أما اتجاه الفلسطينيين فهي تواجه شرعية ‏أخرى وهي شرعية الوجود، أي حقهم ومقدرتهم على البقاء في الأرض التي احتلوها. والانتفاضة تطرح هذا وبحدة، وهي ‏إحدى إسهامات الانتفاضة الكبرى. ‏

استولى الصهاينة على الأرض الفلسطينية وطردوا أهلها، ولكنهم لسوء حظهم لم يبيدوهم، والتاريخ أثبت أنه لا يمكن لأي ‏جيب استيطاني إحلالي أن يستمر دون إبادة السكان الأصليين، أي أن مشكلة شرعية الوجود لاتزال مطروحة دون حل، إذ ‏تقف اللاءات الصهيونية الأربع (لا فك للمستوطنات ـ ولا انسحاب لحدود 67 ـ لا تقسيم للقدس ـ لا عودة للفلسطينيين) حائلا ‏دون حلها وتتصاعد الأزمة يوماً بعد يوم ويدخل الجميع في طريق مسدود لا يحسمه سوى الحوار المسلح. ويتصاعد اليأس ‏الإسرائيلي الذي اتضح في المرحلة الشارونية، أي محاولة حسم الصراع عن طريق البطش وهم يعلمون مسبقاً أنه لم يحدث ‏في التاريخ أن هزمت حركة تحرير شعبية. بدليل تصرفاتهم العبثية التي لم تضف لهم إلا المزيد من عدم الأمان والمزيد من ‏العنف لذا نجد أن موضوع نهاية إسرائيل مطروح على الوجدان الصهيوني منذ عام 1948، أي منذ البداية. وهو ما أسميه ‏‏«هاجس النهاية».‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال