بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تتحوّل الجغرافيا إلى قوّة

2026-09-18 157 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين تتحوّل الجغرافيا إلى قوّة
في السياسة لا توجد شقيقة كبرى ولا شقيقة صغرى ولا يوجد أب ولا أم حنون ولا أشقاء يتقاسمون معنا الخبز والدم.
توجد دول لها مصالحها وحساباتها ومخاوفها وأطماعها وحدودها وأسواقها وطاقتها وأمنها وتوجد دول أخرى عليها أن تعرف مصالحها قبل أن تدخل معها في أي علاقة.
أما لغة الاخوة والمصير المشترك والروابط التاريخية فهي لغة يمكن أن تزين العلاقات بين الشعوب لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول في عقل الدولة إلى بديل عن الحساب الاستراتيجي فالدول لا تدير علاقاتها كما تدير العائلات خلافاتها ولا تدخل غرفة التفاوض بحثا عن أخ أكبر يحميها وإنما تبحث عن مصالحها وتساوم عليها وتبني تحالفاتها بقدر ما تخدم أمنها واقتصادها وموقعها ونفوذها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يحكم السياسة الخارجية التونسية ليس من شقيقتنا الكبرى وإنما ماذا تريد هذه الدولة منا؟ وماذا نريد نحن منها ؟ وأين تتقاطع المصالح وأين تتعارض؟؟ وما الذي نملكه من أوراق وما الذي يملكه الطرف المقابل؟؟؟ وما الذي يمكن أن نربحه وما الذي يمكن أن نخسره؟؟؟
والأهم من ذلك كله ماذا يحدث لتونس إذا تغيرت الظروف أو انقطع المصدر أو تغيرت الأسعار أو سقطت إحدى حلقات الاتفاق؟؟؟؟
هذه ليست أسئلة عدائية بل هي الحد الأدنى من عقل الدولة.

وتونس بالذات لا تستطيع أن تستمر في إدارة موقعها بهذه اللغة العاطفية لأنها تقع في منطقة لا تسمح للدول الصغيرة بأن تكون غافلة عن الجغرافيا.
تونس محدودة الموارد والمساحة والقوة الصلبة لكنها تقع عند تقاطع فضاءات استراتيجية كبرى ( المغرب العربي المتوسط و أوروبا و ليبيا وإفريقيا).
وهي تملك شريطا ساحليا وموانئ ومطارات وكفاءات بشرية وجامعات وصناعات وموقعا يمكن أن يجعلها حلقة وصل بين أسواق وفضاءات مختلفة.
لكن الموقع لا يتحول وحده إلى قوة وإلا لكانت كل دولة تقع على طريق تجاري دولة عظمى.
الموقع يصبح قوة عندما يتحول إلى بنية تحتية واتفاقيات ذكية وصناعة وموانئ ومطارات وطاقة وأمن ومعلومات وشبكات تجارية تجعل الآخرين يحتاجون إلى المرور عبره أو التعامل معه.
ومن هنا يجب أن تبدأ تونس في بناء عقيدة جديدة تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة.
لا تجعل أي علاقة ضرورية إلى درجة يصبح معها غيابها كارثة و حافظ على الشريك لكن ابن البديل و افتح السوق لكن لا تصبح أسيرها و وقع الاتفاقية لكن احتفظ بحق مراجعتها و اجذب المستثمر لكن اربط الامتياز الذي تمنحه الدولة بما يبقى في الاقتصاد الوطني من تكنولوجيا وقيمة مضافة وكفاءات و افتح الأجواء لكن لا تجعل الطيران الأجنبي يستفيد وحده و طور الموانئ لكن لا تكتف بتحريك الحاويات وابن المناطق الحدودية لكن لا تجعلها مجرد مناطق معفاة من الضرائب بل حولها إلى مصانع وأسواق ومراكز لوجستية وتصدير.

هذه هي قوة البدائل وهي في تقديري المفهوم الذي يجب أن يحكم السياسة الاقتصادية والخارجية التونسية في المرحلة المقبلة.

خذوا الجزائر مثلا ،العلاقة معها تفرضها الجغرافيا والأمن والطاقة والتجارة وهي علاقة استراتيجية لا يمكن اختزالها في خطاب الأخوة ولا في خطاب الخصومة.
تونس تحتاج إلى التعاون مع الجزائر في ملفات كثيرة والجزائر تحتاج بدورها إلى استقرار محيطها الغربي ولذلك فإن المصلحة تفرض التعاون لكن التعاون لا يعني أن تجعل تونس نفسها رهينة لمصدر واحد للطاقة أو لشبكة أمنية واحدة أو لسوق واحدة.
إذا كانت الجزائر مصدرا مهما للغاز فإن عقل الدولة لا يقول اقطع العلاقة وإنما يقول حافظ عليها وطورها وفي الوقت نفسه استثمر في الطاقة الشمسية والرياح والتخزين والشبكة الكهربائية والربط مع أوروبا حتى لا يتحول الاعتماد إلى تبعية.
وإذا كان التعاون الأمني مع الجزائر ضروريا في بعض المناطق والملفات فلتكن تونس قادرة أيضا على بناء شبكات تعاون أمنية وتقنية مع ليبيا وإيطاليا وأوروبا وشركاء المتوسط بحيث يبقى القرار التونسي ملكا للدولة التونسية.

وفي مجال الطاقة لا يكفي أن نتحدث عن تنويع المصادر كشعار بيئي.
تونس تحتاج إلى تحويل الطاقة إلى مشروع صناعي واستراتيجي متكامل.
الغاز الجزائري يمكن أن يبقى جزءا من أمن الطاقة لكن الطاقة الشمسية والرياح يجب أن تتحولا إلى إنتاج واسع وإلى صناعة محلية ومشروع ELMED للربط الكهربائي مع إيطاليا يجب أن ينظر إليه باعتباره أكثر من مجرد كابل لنقل الكهرباء فهو منفذ نحو سوق أوروبية ويمكن أن يصبح جزءا من منظومة أوسع تشمل الطاقة المتجددة والتخزين والشبكات والصناعات المرتبطة بها.
فإذا كانت تونس ستنتج كميات أكبر من الطاقة المتجددة فلماذا لا تنتج معها الكابلات والمحولات وأنظمة التخزين ومعدات الصيانة والخدمات الهندسية والبرمجيات؟
ولماذا نقبل بأن نكون مجرد أرض تنتج الطاقة ثم تذهب القيمة المضافة إلى الخارج؟
المطلوب ليس أن نصدر الكهرباء فقط وإنما أن نبني حول الطاقة صناعة كاملة لأن الدولة التي تنتج الطاقة وتنتج معداتها وتملك خبرتها تصبح أقوى من الدولة التي تنتج الكهرباء فقط.

والمنطق نفسه يجب أن ينتقل إلى الماء وربما هنا يجب أن تكون المراجعة أكثر جرأة لأن المياه في تونس لم تعد ملفا فنيا يمكن تركه للمواسم واللجان بل أصبحت جزءا من الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
كل الاتفاقيات والترتيبات المتعلقة بالمياه المشتركة والسدود والموائد الجوفية والأنهار العابرة للحدود يجب أن تخضع لمراجعة دورية على أساس المعطيات الجديدة لا من أجل افتعال نزاع مع الجزائر أو ليبيا وإنما لأن تغير المناخ وتراجع الموارد وارتفاع الطلب تغير الواقع الذي بنيت عليه كثير من الترتيبات القديمة.
الدولة التي تحترم اتفاقياتها ليست الدولة التي ترفض مراجعتها وإنما الدولة التي تعرف متى تصبح المراجعة ضرورية لذلك تحتاج تونس إلى قاعدة بيانات وطنية دقيقة للمياه وإلى آليات واضحة لتبادل البيانات مع الدول المجاورة وإلى سيناريوهات للتصرف في سنوات الجفاف وإلى إدارة أكثر عقلانية للسدود وإلى تقليص ضياع المياه في الشبكات وإعادة استعمال المياه المعالجة وتطوير تقنيات الري وحماية الموائد الجوفية واللجوء إلى التحلية حيث تكون مجدية اقتصاديا.
السد ليس مجرد جدار إسمنتي يحجز المياه
إنه جزء من منظومة أمن مائي وغذائي وطاقة والماء الذي لا نحسن إدارته اليوم يمكن أن يتحول غدا إلى فاتورة سياسية واقتصادية ندفعها مضاعفة.

وإذا كان الماء أمن دولة فالدواء كذلك.
لا يجوز أن تبقى تونس تنظر إلى الدواء من زاوية الاستيراد والتوزيع فقط بل يجب أن تسأل أين نقاط ضعف سلسلة التوريد وما المواد التي يمكن أن تنقطع وما الأدوية التي لا يجوز الاعتماد فيها على مصدر واحد وما الذي نستطيع إنتاجه محليا وما التكنولوجيا التي نحتاج إلى استقدامها.

الهدف ليس تصنيع كل شيء داخل البلاد مهما كانت التكلفة وإنما بناء حد أدنى من الاستقلال في المنتجات الحيوية وتنويع الموردين وإقامة شراكات حقيقية لنقل التكنولوجيا وربط الجامعات بمراكز البحث والمصانع وتطوير صناعة الأدوية الجنيسة والمواد ذات الأولوية ثم استخدام السوق التونسية قاعدة للنفاذ إلى المغرب العربي وإفريقيا.
المستثمر الدوائي الذي يبيع لنا منتجاته ليس مثل المستثمر الذي يبني مصنعه وينقل التكنولوجيا ويدرب المهندسين ويطور سلسلة موردين محليين فالأول يبيع أما الثاني فيضيف إلى قدرة الدولة الإنتاجية.

وهنا بالضبط يجب أن نعيد فتح ملف الصناعة التونسية بما في ذلك الإرث الاقتصادي لما يعرف بقانون 72.
القانون عدد 72-38 لسنة 1972 وضع إطارا خاصا للصناعات المنتجة للتصدير ثم ألغي بصيغته الأصلية واستمرت بعض ملامح النظام الخاص بالمؤسسات المصدرة كليا عبر نصوص لاحقة.
والمطلوب اليوم ليس العودة إلى الماضي ولا مهاجمة الاستثمار الأجنبي بل طرح سؤال أكثر جدية هل ما زالت فلسفة الحوافز التي نشأت في اقتصاد السبعينيات مناسبة لاقتصاد يريد أن ينافس في الدواء والإلكترونيات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة؟
تونس تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي لكنها تحتاج إلى نوع مختلف من الاستثمار ، استثمار يخلق قيمة مضافة محلية وينقل التكنولوجيا ويطور الموردين التونسيين ويستثمر في البحث والتطوير والتكوين ولا يكتفي باستيراد مكونات وتجميعها ثم إعادة تصديرها.

ومن هنا يمكن أن تكون فكرة المناطق الصناعية والاقتصادية الخاصة في الولايات الحدودية الغربية والشرقية جزءا من استراتيجية وطنية لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي.
لكن «صفر أداءات» وحده ليس سياسة صناعية فالإعفاء الضريبي لا يبني مصنعا إذا لم توجد كهرباء مستقرة ومياه وطرق واتصالات وسكك وموانئ ومطارات وجمارك سريعة وتكوين مهني ولذلك فإن الحوافز يجب أن تكون مشروطة ومحددة المدة ومربوطة بالاستثمار الفعلي والتشغيل والتصدير والقيمة المضافة ونقل التكنولوجيا وأن يكون الامتياز الذي تحصل عليه الشركة مقابلا لشيء ملموس تقدمه للاقتصاد التونسي.
الهدف ليس إنشاء جزر ضريبية معزولة عن البلاد وإنما بناء أقطاب إنتاج مرتبطة بالموانئ والمعابر والأسواق المجاورة. الحدود الغربية يمكن أن تصبح مجالا للصناعات التحويلية والغذائية والطاقة واللوجستيك المرتبط بالأسواق الجزائرية والمغاربية والإفريقية والحدود الشرقية يمكن أن تكون منصة للصناعة والخدمات واللوجستيك المرتبط بالسوق الليبية شرط أن ترافق ذلك بنية تحتية حديثة وأمن فعال واقتصاد قانوني قادر على منافسة الاقتصاد الموازي.

وعند هذه النقطة يصبح ملف الموانئ مركزيا.
أكثر من 98% من التجارة التونسية تمر عبر الموانئ والبنك الدولي يرى أن تحسين الربط المينائي وتقليص مدة بقاء البضائع يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية كبيرة.
لذلك فإن رادس وبنزرت وصفاقس وقابس وجرجيس وأي مشروع مينائي مستقبلي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره منشأة منفصلة بل باعتباره جزءا من شبكة لوجستية وطنية ترتبط بالطرق والسكك والمناطق الصناعية والمخازن والجمارك الرقمية والشحن الجوي والخدمات المالية والتأمين.
الميناء الذي تستغرق فيه الحاوية أياما طويلة لا يمكن أن يكون أداة قوة مهما كان موقعه الجغرافي.
القوة تبدأ عندما تستطيع تونس أن تقول لشركة الملاحة يمكنك أن تصل إلى هنا وتفرغ بضاعتك بسرعة وتنقلها بالسكك أو الطرق وتجد منطقة صناعية قريبة وتصل إلى سوق ليبيا أو الجزائر أو أوروبا وتعيد التصدير بأقل كلفة. عندها يتحول الميناء من مرفق عمومي إلى أصل استراتيجي.
والمطار يجب أن يدخل في المعادلة نفسها.
فتح الأجواء واتفاقيات Open Skies يمكن أن يكونا فرصة كبيرة لكن بشرط أن تتفاوض تونس على فتح الأسواق باعتباره صفقة اقتصادية متبادلة لا مجرد تحرير للنقل الجوي.
إذا دخلت شركات أجنبية أكثر إلى السوق فما الذي ستحصل عليه تونس في المقابل؟ خطوط جديدة نحو إفريقيا؟ استثمارات في المطارات؟ مراكز صيانة؟ شحن جوي؟ تكوين؟ حقوق نقل متبادلة؟ ربط المدن الداخلية؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن ترافق كل اتفاقية جوية.
كما ينبغي أن تصبح المطارات التونسية جزءا من استراتيجية اقتصادية وطنية بحيث لا تكون وظيفتها محصورة في السياحة وإنما تخدم أيضا الأعمال والشحن والطب والتعليم والاستثمار والربط الإفريقي.
مطار تونس يمكن أن يكون عقدة للأعمال والمنستير والنفيضة وجربة يمكن أن تؤدي أدوارا مختلفة بحسب الجدوى ومطارات الداخل يمكن أن تصبح أدوات لتنشيط الاقتصاد الجهوي متى توفرت شروطها الاقتصادية.

أما النفايات فيجب أن نتوقف عن رؤيتها باعتبارها شيئا نريد إخفاءه خارج المدن.
دولة تريد اقتصادا حديثا لا يمكن أن تدفن كل عام كميات متزايدة من المواد التي يمكن استرجاعها.
المطلوب منظومة وطنية للاقتصاد الدائري تشمل الفرز من المصدر ومراكز تجميع وتحويل ومصانع للرسكلة ومعالجة النفايات العضوية واسترجاع المواد والطاقة حيث تكون الجدوى الاقتصادية والبيئية متوفرة ومسارات خاصة للنفايات الطبية والإلكترونية.
وكل ولاية من ولايات الجمهورية يمكن أن يكون لها مركز أو منظومة إقليمية متخصصة بحسب حجم النفايات وطبيعة النشاط الاقتصادي لا أن نبني مصبا ضخما ونعتبر أننا حللنا المشكلة.
النفايات البلاستيكية يمكن أن تصبح مادة أولية والمعادن يمكن أن تعود إلى الصناعة والورق والكرتون إلى دورة إنتاج جديدة والنفايات العضوية إلى سماد أو طاقة والنفايات الإلكترونية إلى صناعة متخصصة.
عندها يتحول ملف كان يكلف الدولة المال إلى قطاع يخلق شركات ووظائف وتكنولوجيا وقيمة مضافة.

والبحر بدوره يحتاج إلى إعادة اكتشاف لأن تونس تتصرف أحيانا وكأن البحر موجود للسياحة فقط.
الاقتصاد الأزرق يمكن أن يشمل الصيد وتربية الأحياء المائية وإصلاح السفن والصناعات البحرية والخدمات المينائية وسلاسل التبريد والتحويل الغذائي والبحث العلمي والسياحة البحرية والطاقة البحرية حيث تثبت الجدوى.
لا معنى لأن نبيع جزءا من ثروتنا البحرية كمادة أولية ثم نشتري المنتج النهائي بسعر أعلى.
الثروة الحقيقية تبدأ عندما نبني حول البحر سلسلة قيمة كاملة، من الميناء إلى المصنع إلى المختبر إلى السوق الخارجية.
وهنا يدخل الدفاع في قلب هذه الرؤية لا باعتباره ملفا منفصلا عنها.
الدولة التي تريد مناطق صناعية حدودية وموانئ عالمية ومطارات فعالة وممرات تجارية ومراكز بيانات ومنشآت طاقة ومياه تحتاج إلى منظومة دفاع وأمن قادرة على حماية هذه الأصول.
الدفاع الحديث لا يعني فقط السلاح التقليدي بل يشمل حماية المنشآت الحيوية والمراقبة والاستطلاع وأمن الحدود والأمن السيبراني والاتصالات المؤمنة والإنذار المبكر والاستجابة للكوارث والقدرة على التحرك السريع.
الطريق الذي يخدم المصنع يمكن أن يخدم الاستجابة الأمنية وشبكة الاتصالات التي تخدم الشركات يمكن أن تكون جزءا من منظومة الطوارئ والمطار المدني يمكن أن يكون جزءا من القدرة الوطنية على الإجلاء والاستجابة للأزمات والميناء التجاري جزءا من الأمن الاقتصادي.
بهذا المعنى يصبح الدفاع جزءا من بنية الدولة لا قطاعا معزولا عن اقتصادها.

والأهم أن التنمية الحدودية تصبح في هذه الحالة جزءا من الأمن نفسه.
لا يمكن أن تطلب من مناطق حدودية أن تبقى فقيرة ثم تتساءل لماذا يزدهر الاقتصاد الموازي فيها.
إذا أردت حدودا آمنة اجعل وراء الحدود اقتصادا قانونيا قادرا على خلق فرص العمل و ابن الطرق والمناطق الصناعية والمخازن ومراكز التكوين والخدمات الصحية والاتصالات وطوّر المعابر والجمارك، واجعل النشاط الاقتصادي القانوني أسرع وأرخص وأكثر استقرارا من التهريب.
عندها يصبح سكان الحدود جزءا من منظومة الإنتاج الوطني لا مجرد حراس غير رسميين لاقتصاد هامشي.

وهكذا نكتشف أن الميناء والمطار والطاقة والماء والدواء والصناعة والنفايات والبحر والحدود والدفاع ليست ملفات متفرقة وإنما حلقات في سلسلة واحدة.
الميناء يحتاج إلى السكك والمناطق الصناعية والمناطق الصناعية تحتاج إلى الطاقة والماء والطرق والمطارات تحتاج إلى اتفاقيات جوية وشركات وخدمات والصناعة تحتاج إلى الموانئ والأسواق والنفايات يمكن أن تغذي صناعة جديدة والبحر يحتاج إلى موانئ وسلاسل تبريد وتصنيع والمناطق الحدودية تحتاج إلى أمن وبنية تحتية والدفاع نفسه يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويله وتكنولوجيا قادرة على تطويره.

المشكلة في تونس أننا كثيرا ما ندير هذه الملفات داخل جزر إدارية منفصلة بينما الدولة الحديثة تخطط لها على خريطة واحدة.
ولهذا يجب أن تصبح لدينا رؤية وطنية للبنية التحتية الاستراتيجية تحدد وظيفة كل ميناء ومطار ومنطقة صناعية ومعبر وحدود ومدينة وتربطها بالطاقة والمياه والسكك والطرق والاتصالات والأسواق.
ليس المطلوب أن تصبح كل ولاية نسخة من تونس العاصمة وإنما أن تكون لكل ولاية وظيفة واضحة داخل الاقتصاد الوطني ولاية صناعية وأخرى لوجستية وأخرى زراعية تحويلية وأخرى بحرية وأخرى تكنولوجية وأخرى سياحية وأخرى للطاقة مع إمكان تداخل هذه الوظائف بحسب خصوصيات كل منطقة.
التنمية الجهوية الحقيقية ليست أن نبني مبنى إداريا في كل ولاية بل أن نعطي كل ولاية سببا اقتصاديا يجعل شبابها يبقون فيها لأن هناك إنتاجا وسوقا ومهنة ومستقبلا.

ومن هنا أيضا يجب أن تتغير طريقة تونس في عقد الاتفاقيات الدولية.
ليست كل اتفاقية مقدسة إلى الأبد كما أن إلغاء الاتفاقيات ليس بطولة في حد ذاته.
الاتفاقية الجيدة هي التي تستطيع الصمود أمام تغير الظروف لأنها تتضمن آليات مراجعة وتحديث وتوازن مصالح. كل اتفاقية تتعلق بالماء أو الطاقة أو الدواء أو الصناعة أو الطيران أو التجارة أو الاستثمار أو الأمن يجب أن تخضع دوريا لاختبار الواقع هل تغيرت الأسعار؟
هل تغيرت التكنولوجيا؟ هل تغير المناخ؟ هل تغيرت الأسواق؟ هل تغيرت حاجات تونس؟
إذا تغيرت هذه العناصر فإن إعادة التفاوض ليست خيانة للعلاقة بل ممارسة طبيعية للسيادة.

ويجب أن يكون لكل اتفاق استراتيجي في تونس ملف يوضح كلفته ومكاسبه ومخاطره ودرجة اعتماد البلاد عليه والبدائل المتاحة إذا تعطلت إحدى حلقاته.
بهذه الطريقة يمكن أن تتحول خريطة التبعية إلى أداة دائمة في صناعة القرار نعرف من أين يأتي الغاز ومن أين يأتي الدواء ومن أين يأتي الغذاء وأين تذهب صادراتنا وما الميناء الذي نعتمد عليه وما السوق التي تستقبل معظم صادراتنا وما مصدر التكنولوجيا وما الذي يمكن أن يحدث إذا انقطع أحد هذه المسارات.
الدولة التي تعرف نقاط ضعفها تستطيع أن تبني البدائل قبل الأزمة أما الدولة التي تكتشفها بعد الأزمة فلا تكون قد فقدت فقط المال بل تكون قد فقدت جزءا من قدرتها على التفاوض.

وهنا أصل إلى الفكرة التي يجب أن تختصر كل هذه الرؤية تونس لا تحتاج إلى الانعزال عن العالم بل إلى أن تصبح أقل قابلية للعزل.
لا تحتاج إلى قطع علاقاتها مع الجزائر بل إلى أن تجعل علاقتها بها أقوى لأنها تقوم على التكامل لا على الاعتماد الأحادي.
لا تحتاج إلى إدارة ظهرها لأوروبا بل إلى التفاوض معها من موقع أكثر توازنا.
لا تحتاج إلى الانغلاق عن إفريقيا بل إلى دخولها بالشركات والخدمات والاستثمار.
ولا تحتاج إلى تحويل ليبيا إلى مشكلة أمنية دائمة بل إلى النظر إليها أيضا باعتبارها سوقا وإمكانا اقتصاديا وجارا يجب أن تكون له علاقات منظمة ومستقرة.
ليست سياسة حياد ولا سياسة محور بل سياسة تعددية استراتيجية تقوم على شيء واحد ألا يكون لتونس باب واحد إلى العالم.

نريد أكثر من مصدر للطاقة وأكثر من سوق للصادرات وأكثر من مورد للدواء والغذاء وأكثر من شريك أمني وأكثر من مسار للنقل وأكثر من اتفاقية جوية وأكثر من ميناء فعال وأكثر من مركز اقتصادي وأكثر من طريق نحو إفريقيا وأوروبا والمغرب العربي وليبيا.
كلما تعددت البدائل ارتفعت قدرة تونس على التفاوض وكلما انخفضت نقاط الاختناق ارتفعت قدرتها على حماية قرارها.
وهذا هو معنى السيادة في القرن الحادي والعشرين.

السيادة ليست أن نغلق أبوابنا في وجه العالم وليست أن نعيش في وهم الاكتفاء الذاتي وليست أن نعلن الحرب الكلامية على كل شريك.
السيادة هي أن تدخل العالم وأنت تعرف ما تريد وأن تعرف ماذا تقدم وأن تعرف حدود ما يمكن أن تتنازل عنه وأن تمتلك دائما طريقا آخر إذا لم تنجح المفاوضات.

تونس لا تستطيع أن تصبح قوة عظمى ولا تحتاج إلى ذلك. لكنها تستطيع أن تصبح دولة صغيرة ذات وزن أكبر من حجمها إذا عرفت كيف تحول موقعها إلى موانئ وموانئها إلى تجارة وتجارتها إلى صناعة وصناعتها إلى تكنولوجيا وتكنولوجيتها إلى قيمة مضافة وحدودها إلى أسواق وبحرها إلى اقتصاد ونفاياتها إلى صناعة وطاقة الشمس والرياح إلى قوة ومطاراتها إلى عقد ربط وكفاءاتها إلى نفوذ ودبلوماسيتها إلى شبكة مصالح.

عندها لن تكون تونس الدولة التي تبحث عمن يحميها بل الدولة التي يبحث الآخرون عن كيفية الحفاظ على علاقتهم بها.
إذا أصبحت أكثر إنتاجا وتصنيعا وأمنا واتصالا بالعالم، وأقل اعتمادا على مصدر واحد، فقد ربحنا.
أما إذا أصبحت أكثر استهلاكا وهشاشة واعتمادا فعلينا أن نعيد الحساب مهما كانت أسماء الشركاء ومهما كانت العبارات الجميلة التي تسبق الاتفاقيات.
فالدولة التي لا تملك البدائل تفاوض من موقع الحاجة والدولة التي تملك البدائل تستطيع أن تتعاون مع الجميع دون أن تصبح أسيرة لأحد.

هذه هي تونس التي نحتاج إلى بنائها ،تونس مفتوحة على العالم ولكنها ليست سائبة في العالم و متعاونة مع جيرانها لكنها ليست تابعة لهم و مرتبطة بأوروبا لكنها لا تعيش على باب أوروبا و منفتحة على إفريقيا لكنها لا تدخلها كسوق مستهلكة و قوية في حدودها ومنتجة في داخلها ومتصلة في موانئها ومطاراتها ومكتفية في بعض حاجاتها الحيوية ومتعددة الخيارات في كل ما لا تستطيع إنتاجه.
عندها فقط يتحول الموقع من قدر جغرافي إلى قوة سياسية.

تونس لا تحتاج إلى عائلة سياسية.
تونس تحتاج إلى عقل دولة.
ولا تحتاج إلى أن تصبح إمبراطورية حتى تحترمها القوى الكبرى؛ يكفي أن تصبح دولة يصعب الاستغناء عنها.
أما الشقيقة الكبرى فدعونا نتركها للقصائد.

وفي تونس نعرف استعمالا آخر للكلمة(الشقيقة) معناه الصداع الموضعي ،والسياسة الخارجية ليست عيادة للصداع.

تونس لا ينبغي أن تكون شقيقة أحد ولا تابعة لأحد ولا معزولة عن أحد إنما ينبغي أن تكون مصلحة قائمة بذاتها.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال