توطئة:
بعد سنة من الحفر في الجسد التربوي، لا يبدو الانتقال إلى موضوع جديد مجرد انتقال من مقال إلى مقال، ولا استمرارًا آليًا في سلسلة من الكتابات. فالحفر، حين يستمر طويلًا، لا يغيّر فقط ما ننظر إليه، بل يغيّر أيضًا الطريقة التي ننظر بها. ومع تراكم الحفريات، يصبح من الصعب العودة إلى رؤية المدرسة باعتبارها مجرد أقسام وجداول زمنية ومناهج وامتحانات ووثائق إدارية. فخلف هذه الواجهة الظاهرة توجد طبقات أخرى: علاقات قوة، وأعراف غير مكتوبة، ومواقع تتوزع، وشرعيات تُمنح وتُسحب، ومخاوف لا يُصرّح بها، وأشياء كثيرة اعتدنا وجودها إلى درجة أننا لم نعد نسأل عن أصلها أو ضرورتها.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يفتح هذا الدهليز الجديد:
ماذا نخشى أن نرى حين نضيء دهاليز المنظومة التربوية؟
ليس المقصود بهذا السؤال البحث عن مذنبين، ولا توزيع الاتهامات، ولا اختزال أعطاب المنظومة في أشخاص بعينهم. فالحفر السوسيولوجي لا يبدأ من السؤال: «من المخطئ؟»، وإنما من سؤال أكثر إزعاجًا: كيف أصبحت بعض الممارسات ممكنة، ثم طبيعية، ثم غير قابلة للسؤال؟
فالسلطة، كما يبين ميشيل فوكو (Michel Foucault, 1975)، لا تعمل فقط من خلال المنع والعقاب والأوامر المباشرة، وإنما تعمل أيضًا من خلال التنظيم والتصنيف والمراقبة والتطبيع. وما يبدو لنا إجراءً عاديًا قد يكون، في العمق، جزءًا من بنية أوسع لإنتاج السلوك وتحديد المواقع ورسم الحدود بين ما يعتبر طبيعيًا وما يعتبر شاذًا.
لهذا لا نحاول في هذه الحفريات أن نضيء كل شيء دفعة واحدة. يكفي أحيانًا أن نسلط الضوء على شق صغير في الجدار، لأن الشق قد يقود إلى دهليز كامل.
1. السؤال نفسه يحتاج إلى حفر:
قبل أن نحفر في المنظومة، ربما علينا أن نحفر في السؤال الذي نطرح عليها. فمن يحدد أصلًا ما الذي يستحق أن يكون مشكلة تربوية؟ ومن يقرر أن هذا الموضوع أهم من ذاك؟ ولماذا تصبح بعض الأسئلة مركزية بينما تختفي أسئلة أخرى من النقاش الرسمي؟ ولماذا نحتفي أحيانًا بالأسئلة التي يمكن للمنظومة أن تجيب عنها، ونخاف من الأسئلة التي قد تجعلها تعيد النظر في نفسها؟
السؤال ليس محايدًا تمامًا. فهو يأتي دائمًا من موقع ما، ويحمل خلفه تصورًا معينًا للواقع. وما نسميه «مشكلة تربوية» قد يكون في حد ذاته نتيجة لصراع على تعريف الواقع. وهنا يذكرنا بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1982) بأن امتلاك القدرة على تسمية الأشياء وتعريفها ليس مجرد قدرة لغوية، بل هو شكل من أشكال السلطة الرمزية.
وفي المدرسة التونسية، يمكن أن نرى ذلك في الطريقة التي تتحول بها بعض الظواهر إلى أرقام: نسب نجاح، معدلات، أعداد منقطعين، نسب حضور، نتائج امتحانات، مؤشرات جودة. وكلها ضرورية لفهم الواقع، لكنها لا تكفي وحدها لفهم الإنسان الذي يوجد خلف الرقم. فالرقم يصف شيئًا، لكنه لا يفسر بالضرورة لماذا حدث، ولا ماذا يخفي، ولا ما الذي لم يدخل أصلًا في عملية القياس.
ومن هنا يبدأ الحفر: ليس في الأرقام فقط، بل في الطريقة التي صارت بها الأرقام لغتنا المفضلة للحديث عن المدرسة.
2. ما وراء الواجهة التربوية:
تبدو المدرسة من الخارج مؤسسة واضحة المعالم: مدير، معلمون، تلاميذ، أقسام، برامج، جداول، امتحانات، مجالس، تقارير، مناشير، ووثائق. لكن هذه الواجهة لا تكشف بالضرورة كل ما يحدث داخلها.
هناك شبكة أخرى غير مرئية بالقدر نفسه: من يملك القدرة على التأثير؟ من يستطيع التفاوض؟ من يملك معرفة الأعراف؟ من يستطيع أن يقول «لا»؟ من يفضّل الصمت؟ من يملك القدرة على تحويل موقف شخصي إلى قاعدة جماعية؟ ومن يجد نفسه دائمًا مطالبًا بالتكيف؟
إن المدرسة ليست فقط مكانًا لنقل المعرفة، بل فضاءً اجتماعيًا تتقاطع داخله السلطة والمكانة والخبرة والعلاقات. ولذلك فإن فهمها يحتاج إلى تجاوز القراءة التقنية التي ترى المؤسسة باعتبارها آلة يمكن إصلاحها بمجرد تغيير بعض أجزائها.
فالمنظومة التربوية، كما يذكر إدغار موران (Edgar Morin, 1990)، نظام مركب؛ والعلاقات داخله لا تسير دائمًا في خط مستقيم. وقد يؤدي إصلاح عنصر إلى إنتاج آثار غير متوقعة في عنصر آخر، لأن الأجزاء مرتبطة بشبكة من العلاقات التاريخية والثقافية والمؤسساتية.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: ما الذي لا يعمل؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: ما الذي يجعل هذا العطب يستمر؟ ومن الذي اعتاد عليه؟ ولماذا أصبح تغييره أصعب من الشكوى منه؟
3. المدرسة بين التحرير والتطبيع:
تحمل المدرسة وعدًا كبيرًا: أن تمنح الطفل المعرفة، وأن توسع أفقه، وأن تساعده على أن يصبح أكثر استقلالًا وقدرة على التفكير. لكن المدرسة، في الوقت نفسه، تعلمه شيئًا آخر قد لا يكون مكتوبًا في أي منهاج: متى يتكلم، ومتى يصمت، متى ينتظر، متى يطلب الإذن، كيف يجلس، كيف يتحرك، وكيف يتعامل مع السلطة.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المؤسسة التربوية عمقًا: المؤسسة التي تتحدث عن الاستقلالية قد تبني جزءًا من ممارساتها اليومية على الطاعة؛ والمؤسسة التي تتحدث عن الإبداع قد تكافئ أحيانًا الامتثال أكثر مما تكافئ الاختلاف.
وقد جعل ميشيل فوكو (Michel Foucault, 1975) من الانضباط موضوعًا مركزيًا في فهم المؤسسات الحديثة. فالقوة لا تحتاج دائمًا إلى العنف المباشر؛ يكفي أن تجعل الأفراد يراقبون أنفسهم، وأن يعرفوا أن هناك معيارًا يجب الاقتراب منه.
وفي المدرسة، قد يتحول «التلميذ الجيد» تدريجيًا إلى التلميذ الأكثر قدرة على التكيف مع قواعد المؤسسة، لا بالضرورة الأكثر قدرة على السؤال عنها. وقد يصبح المعلم «الجيد» هو الذي يعرف كيف يسير داخل النظام بأقل قدر من الاحتكاك، لا دائمًا من يطرح أكثر الأسئلة إزعاجًا.
وهنا لا يعود السؤال: هل المدرسة تحرر؟ بل: أي نوع من الإنسان تنتجه المدرسة وهي تعلمه كيف يكون «جيدًا»؟
4. التلميذ الذي يظهر في العدد والتلميذ الذي يختفي خلفه:
حين نقول إن التلميذ حصل على معدل معين، أو إنه نجح أو رسب، أو إنه ينتمي إلى هذه الفئة أو تلك، نكون قد أنتجنا معرفة مهمة، لكنها تظل معرفة جزئية. فالطفل الذي يدخل القسم لا يأتي وحده؛ يأتي معه محيطه الاجتماعي، ورأسماله الثقافي، ولغته، وطريقة أسرته في التعامل مع المدرسة، وانتظاراتها منه، وخبراتها السابقة مع المؤسسة.
وقد بين بيار بورديو وجان كلود باسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970) أن المدرسة لا تعمل دائمًا باعتبارها فضاءً محايدًا، إذ يمكن أن تساهم، بصورة غير مباشرة، في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية عندما تعتبر بعض أشكال الثقافة والمعرفة أكثر شرعية من غيرها.
وفي السياق التونسي، لا يمكن فهم الفشل أو النجاح المدرسي بمعزل عن هذه الخلفيات. فالطفل الذي يبدو لنا متساويًا مع غيره أمام السبورة قد لا يمتلك الموارد نفسها خارج المدرسة. وقد تكون المدرسة بالنسبة إلى طفل فضاءً مألوفًا ثقافيًا، بينما تكون بالنسبة إلى آخر فضاءً يحتاج باستمرار إلى فك شفراته.
لذلك فإن العدد المدرسي لا ينبغي أن يتحول إلى هوية. فالتلميذ ليس «13» أو «8» أو «17». إنه إنسان له قصة، والعدد لا يروي القصة كلها.
العدد يصف شيئًا، لكنه لا يفسر الإنسان.
5. المعلم: السلطة التي تُطلب منه والمساحة التي تُسحب منه
نريد من المعلم أن يكون مبادرًا، مبدعًا، متأملًا، قادرًا على التكيف، ومتمكنًا من إدارة التعلم. لكننا نضعه في الوقت نفسه داخل شبكة واسعة من الإجراءات والتعليمات والتقارير والوثائق والتقييمات.
نطالبه بأن يفكر، ثم قد نضيّق عليه المساحة التي تسمح له بالتفكير. نطالبه بالإبداع، ثم نضعه أحيانًا أمام نظام يجعل الانحراف عن المألوف أكثر كلفة من تكراره.
وقد قدم دونالد شون (Donald A. Schn, 1983) مفهوم «الممارس المتأمل» ليبين أن المهنة الحقيقية لا تقوم فقط على تطبيق قواعد جاهزة، بل على قدرة المهني على التفكير أثناء الممارسة، ومراجعة أفعاله، والتعلم من الحالات المعقدة التي لا توجد لها وصفة واحدة.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح المعلم منفذًا أكثر منه مهنيًا يفكر؟ وماذا يحدث عندما تصبح الخبرة التي راكمها داخل القسم أقل قيمة من قدرته على إثبات أنه اتبع الإجراء المطلوب؟
هنا تبدأ إحدى الحفريات الأساسية: هل نريد من المعلم أن يكون منفذًا جيدًا، أم مهنيًا قادرًا على التفكير والنقد وإعادة بناء ممارسته؟
6. حين يصبح إسناد الأقسام سؤالًا للسلطة لا سؤالًا للكفاءة:
قد يبدو إسناد الأقسام والمستويات الدراسية إجراءً إداريًا بسيطًا، لكنه في الواقع يحمل آثارًا بيداغوجية ومهنية عميقة. فاختيار من يدرّس أي مستوى لا يتعلق فقط بتوزيع الساعات أو ملء الشغورات، وإنما يتعلق بتوزيع الخبرات، وتوظيف الكفاءات، وبناء علاقة مهنية بين المعلم والمتعلم. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق عملية الإسناد ليس فقط: «من له الأقدمية؟» أو «من اختار أولًا؟»، بل أيضًا: من يملك الكفاءة والخبرة والتكوين الأنسب لهذا المستوى؟ وما الذي يحتاجه المتعلم قبل أن نسأل عما يريده المعلم؟
لكن الحفر في الممارسة اليومية يكشف أن المسألة قد تكون أكثر تعقيدًا. ففي بعض السياقات، لا يتم التعامل مع المستويات الدراسية باعتبارها مسؤوليات مهنية قابلة للتداول وإعادة التوزيع وفق الكفاءة والحاجة، بل قد تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه «المواقع المملوكة رمزيًا». فمع مرور السنوات، قد يعتاد معلم على مستوى معين، ويصبح أكثر معرفة بتفاصيله، وتتشكل حوله شبكة من الأعراف والتوقعات تجعله يُنظر إليه وكأن ذلك المستوى «له». وهنا يحدث انتقال صامت من عبارة مهنية مشروعة: «هذا المعلم متمكن من هذا المستوى»، إلى عبارة مختلفة تمامًا في معناها: «هذا المستوى ينبغي أن يبقى له».
وهذه النقلة الصغيرة في اللغة تكشف تحولًا كبيرًا في السلطة. فالخبرة، التي يفترض أن تكون رأسمالًا مهنيًا يوظف لخدمة المتعلم، قد تتحول إلى وسيلة لحماية الموقع. والاستقرار، الذي يمكن أن يكون عاملًا إيجابيًا حين يخدم جودة التعلم، قد يتحول في بعض الحالات إلى آلية لإغلاق المجال مام التغيير وإعادة توزيع الخبرات. وهكذا لا تعود المؤسسة تسأل فقط: كيف نستثمر خبرات معلميها؟ بل قد تجد نفسها، بصورة غير معلنة، أمام سؤال آخر: كيف نحافظ على الترتيب الذي استقر عليه العمل؟
ومن منظور بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1980)، فإن المواقع داخل الحقول الاجتماعية لا تُفهم فقط من خلال القواعد الرسمية، وإنما أيضًا من خلال أشكال مختلفة من الرأسمال التي تمنح أصحابها قدرة متفاوتة على الوصول إلى المواقع والمحافظة عليها. وفي المدرسة يمكن أن نجد، إلى جانب الرأسمال العلمي والمهني، ما يمكن تسميته الرأسمال المؤسساتي: الأقدمية، معرفة الأعراف، معرفة الأشخاص، فهم طرق التفاوض، معرفة ما جرت به العادة، والقدرة على التحرك داخل العلاقات غير المكتوبة للمؤسسة. وقد يصبح هذا الرأسمال، في بعض السياقات، أقوى من الشهادة العلمية أو الخبرة المتراكمة خارج المؤسسة.
لكن التنظيم البيداغوجي لهذه السنة الدراسية يفتح هنا نافذة تستحق التوقف عندها. فقد ورد فيه أن أولوية تدريس المجال تُعطى لمن لهم شهادة جامعية في الاختصاص، وأن إسناد الأقسام يتم من قبل المتفقد والمدير وفق أهلية المعلم وخبرته. وبصرف النظر عن تقييم هذا التنظيم أو مدى نجاح تطبيقه ميدانيًا، فإن المبدأ الذي يقف خلفه مهم سوسيولوجيًا: الانتقال من منطق الاختيار المبني أساسًا على العادة والأقدمية أو الترتيبات المحلية، إلى منطق يحاول جعل الأهلية والتكوين والخبرة معايير مركزية في توزيع المهام.
وهذا التحول ليس تفصيلًا إداريًا صغيرًا. فإذا كان توزيع الأقسام يمس مباشرة جودة التعلم، فإن اعتماد الشهادة في الاختصاص والأهلية والخبرة باعتبارها معايير للإسناد يعني، من حيث المبدأ، أن القسم لا ينبغي أن يكون موقعًا يُحجز بحكم الأقدمية أو قوة التفاوض، وإنما مسؤولية تُسند وفق ما يخدم الحاجة البيداغوجية.
لكن هنا بالذات يبدأ الحفر الآخر:
ماذا يحدث عندما تصطدم القاعدة الرسمية بالأعراف المتجذرة؟
ففي السابق، كان المجلس البيداغوجي يتولى، في إطار الممارسة المعتمدة، الإشراف على توزيع المجالات والأقسام على المعلمين. وقد سمحت هذه الآلية، في بعض الحالات، بظهور انحرافات عن المعيار المهني، من قبيل المحاباة، أو تأثير العلاقات الشخصية، أو تسلط بعض المعلمين، أو تحول قوة الحضور داخل المؤسسة إلى قدرة على التأثير في توزيع المستويات.
ولا يعني ذلك أن كل مجلس بيداغوجي كان يمارس المحاباة، ولا أن كل معلم كان يمارس التسلط؛ فالتعميم هنا سيكون ظلمًا للعديد من الفاعلين الذين أدوا أدوارهم بمهنية. لكن مجرد وجود حالات من هذا النوع يكفي لكي يطرح التنظيم سؤالًا أعمق: كيف نمنع السلطة غير الرسمية من ابتلاع السلطة المهنية؟
فالمشكلة لا تكمن فقط في الشخص الذي يحابي، أو في المعلم الذي يتسلط، وإنما في بنية تسمح بأن تتحول عملية توزيع يفترض أن تكون بيداغوجية إلى مجال للتفاوض والنفوذ والصراع على المواقع.
وهنا يمكن أن نقرأ التغيير التنظيمي باعتباره محاولة لإعادة تعريف مصدر الشرعية: بدل أن تكون الأولوية لما استقر عليه العرف داخل المؤسسة، تصبح الأولوية، نظريًا، لما يمكن تبريره مهنيًا: شهادة في الاختصاص، أهلية، وخبرة.
لكن القاعدة المكتوبة لا تلغي تلقائيًا القواعد غير المكتوبة. فكل تنظيم جديد يدخل إلى مؤسسة تحمل تاريخًا وذاكرة وعادات وموازين قوة. ولذلك فإن السؤال السوسيولوجي لا ينبغي أن يتوقف عند: ماذا يقول التنظيم؟ بل عليه أن ينتقل إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما يصل التنظيم إلى أرض الواقع؟
هل ستتراجع سلطة العرف أمام سلطة المعيار المهني؟
هل ستصبح الشهادة العلمية أكثر قدرة على حماية صاحبها من الإقصاء؟
هل ستُحتسب الخبرة باعتبارها كفاءة فعلية، أم ستظل الأقدمية تختبئ داخل مفهوم الخبرة؟
وهل سيصبح المتعلم فعلًا نقطة الانطلاق في عملية الإسناد، أم سيظل التفاوض حول المواقع أقوى من السؤال البيداغوجي؟
وهنا تظهر مفارقة دقيقة: قد يكون التنظيم الجديد أكثر عقلانية من الممارسة السابقة من حيث المعايير التي يعلنها، لكنه لن يصبح بالضرورة أكثر عدالة لمجرد أنه كتب معيارًا جديدًا. فالعدالة التنظيمية لا تُقاس بالنص فقط، وإنما أيضًا بآليات تطبيقه، وبشفافية القرار، وبإمكانية مساءلته، وبمدى قدرة المعايير المعلنة على مقاومة العلاقات والقوى غير المكتوبة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يصل معلم جديد إلى المدرسة. فالقادم الجديد قد لا يدخل إلى فضاء مهني تُدرس فيه خبراته وتكويناته ومراكماته قبل توزيع المهام، وإنما قد يجد نفسه أمام ما يمكن تسميته «منطق البواقي»: ما تبقّى من المستويات بعد أن اختار الآخرون، أو ما لم يعد مرغوبًا فيه، أو ما لم يجد من يتولاه، يُدفع إليه باعتباره الخيار الطبيعي المتاح له. وكأن مجرد كونه جديدًا في المؤسسة يكفي لوضعه في آخر ترتيب الاختيارات، مهما كانت خبرته السابقة أو تكوينه العلمي أو المراكمة المهنية التي يحملها معه.
وهنا ينبغي أن نميز بوضوح بين الجِدّة في المدرسة والجِدّة في المهنة. فأن يكون المعلم جديدًا في مؤسسة معينة لا يعني أنه جديد على التعليم، ولا أنه يبدأ مساره المهني من الصفر عند عبوره بابها. قد يكون قد راكم سنوات من العمل، أو خبرة في مستويات محددة، أو تكوينًا علميًا متخصصًا، أو تجربة ميدانية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للمؤسسة. ومع ذلك، قد تُختزل كل هذه التراكمات أمام عبارة تبدو بسيطة: «لكنه جديد هنا».
وهنا تصبح الشهادة العلمية نفسها عرضة لإقصاء غير مباشر. فهي قد لا تُرفض رسميًا، ولا يقال لصاحبها إن تكوينه لا قيمة له، لكنها قد تُهمّش عمليًا عندما تواجهها قاعدة غير مكتوبة مفادها أن الجديد في المدرسة ينبغي أن يقبل بما تبقّى. وهنا لا تعود المشكلة في الشهادة ذاتها، بل في ترتيب مصادر الشرعية داخل المؤسسة: هل تستمد الشرعية من المعرفة والتكوين والخبرة، أم من مدة البقاء داخل المكان؟
إننا أمام مفارقة تستحق الحفر: قد يأتي معلم إلى المؤسسة وهو يحمل رأسمالًا علميًا ومهنيًا راكمه عبر سنوات، لكنه يبدأ فيها برأسمال مؤسساتي شبه معدوم لأنه لا يعرف بعدُ شبكات العلاقات، ولا الأعراف، ولا التوازنات، ولا «قواعد اللعبة» غير المكتوبة. وفي المقابل قد يمتلك الأقدم في المؤسسة رأسمالًا مؤسساتيًا قويًا بحكم السنوات والعلاقات والخبرة بالمكان، حتى لو لم يكن بالضرورة الأكثر تكوينًا أو الأكثر استعدادًا لتدريس مستوى بعينه.
وهنا يصبح «الجديد في المدرسة» أحيانًا جديدًا في الاعتراف، لا جديدًا في الكفاءة.
والأخطر أن هذا المنطق قد لا يظهر في صورة قرار ظالم أو ممارسة معلنة. إنه يعمل غالبًا من خلال العادة. فحين تتكرر القاعدة نفسها عامًا بعد عام، تصبح طبيعية؛ وحين يصبح من المعتاد أن يختار الأقدم أولًا ويقبل الجديد بما تبقّى، يتوقف الجميع عن السؤال: لماذا؟ وهنا تحديدًا يبدأ عمل الحفر السوسيولوجي؛ لأن ما يحتاج إلى تفسير ليس فقط القرار الاستثنائي، وإنما العادة التي لم يعد أحد يراها قرارًا أصلًا.
وقد تكون النتيجة أن المؤسسة تفقد جزءًا من قدرتها على تجديد نفسها. فالمعلم الجديد الذي يدخل محملًا بتجارب مختلفة أو تكوينات جديدة أو رؤى مهنية أخرى قد يكون فرصة لإعادة توزيع الخبرات وتنشيط الممارسات، لكنه قد يجد نفسه أولًا مطالبًا بالتكيف مع الخريطة القائمة، ثم إثبات أحقيته لاحقًا. وبذلك يصبح الاندماج المؤسسي ملتبسًا: هل ندمج القادم الجديد لكي يضيف إلى المؤسسة، أم ندمجه لكي يتشبه بما هو موجود فيها؟
وهنا يمكن أن يتحول مفهوم الخبرة نفسه إلى مفهوم يحتاج إلى تفكيك. فالأقدمية ليست دائمًا مرادفًا للخبرة، والخبرة ليست دائمًا مرادفًا للكفاءة، والشهادة ليست وحدها ضمانًا للكفاءة. لكن الخطأ يقع عندما يُختزل أحد هذه العناصر في الآخر. فسنوات العمل تمنح معرفة مهمة، والتكوين العلمي يمنح أدوات نظر وتحليل، والتجربة الميدانية تمنح معرفة بالممارسة، لكن المؤسسة المهنية السليمة لا تجعل هذه الأشكال من الرأسمال تتصارع على احتكار الموقع، بل تبحث عن كيفية تركيبها لخدمة المتعلم.
أما حين تصبح الأقدمية صكًا ضمنيًا لاختيار المستوى، والخبرة مبررًا دائمًا للاحتفاظ بالموقع، والجِدّة سببًا تلقائيًا للتنازل، فإننا لا نكون أمام تنظيم للكفاءات بقدر ما نكون أمام إعادة إنتاج للمواقع.
وهنا يعود بورديو (Pierre Bourdieu, 1980) ليمنحنا مدخلًا آخر لفهم المسألة: المؤسسة لا تعمل فقط بالقواعد المكتوبة، وإنما أيضًا بالـ«هابيتوس» الذي يجعل بعض الممارسات تبدو طبيعية إلى درجة أننا لا نعود نراها باعتبارها خيارات قابلة للنقاش. وهكذا قد يتحول ما هو تاريخي ومؤقت إلى ما يبدو وكأنه طبيعي وثابت: هذا المعلم لهذا المستوى، وهذا المعلم الآخر لمستوى آخر، والجديد يأخذ ما تبقّى. ومع مرور الوقت، يصبح الترتيب نفسه أقوى من السؤال عن مبرراته.
لكن أين يوجد المتعلم في كل هذا؟
هذه هي الحلقة التي قد تختفي خلف نقاش توزيع المستويات. فقد يتحول الأمر إلى تفاوض بين الكبار حول من يختار أولًا، ومن له الأولوية، ومن له الأقدمية، ومن اعتاد هذا المستوى، بينما يغيب السؤال الأكثر جوهرية: أي توزيع يخدم مصلحة المتعلم أكثر؟ فالمستوى الدراسي ليس قطعة أرض يتنازع عليها أصحاب المواقع، بل فضاء يتشكل فيه تعلم الطفل، وتبنى فيه علاقته بالمعرفة، وتتحدد فيه أجزاء من تجربته المدرسية.
ولذلك فإن المشكلة ليست في أن يستقر المعلم في مستوى أتقنه، ولا في أن تُحترم خبرته، ولا في أن تؤخذ الأقدمية في الاعتبار. المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها هذه العناصر من معايير مهنية قابلة للنقاش إلى حقوق ضمنية في امتلاك المواقع.
المعلم لا يملك المستوى، بل يُؤتمن عليه.
والقسم ليس ملكية شخصية، بل مسؤولية مهنية.
والأقدمية ليست صك ملكية.
والشهادة ليست صك تفوق تلقائي.
والجِدّة في المؤسسة ليست دليلًا على نقص الكفاءة.
المشكلة ليست أن يملك المعلم خبرة في مستوى، بل أن تتحول الخبرة إلى حق في امتلاك المستوى. وليست المشكلة أن يكون المعلم جديدًا في المدرسة، بل أن تتحول «جِدّته» إلى سبب لتأجيل الاعتراف بكفاءته، أو إلى مبرر لإسناد ما تبقّى إليه دون النظر في خبرته وتكوينه ومراكماته.
وليست المشكلة في الاستقرار، بل في اللحظة التي يتحول فيها الاستقرار من وسيلة لخدمة المتعلم إلى وسيلة لحماية الموقع. وليست المشكلة في احترام الأقدمية، بل في اللحظة التي تتحول فيها الأقدمية من عنصر ضمن عناصر التقدير المهني إلى سلطة تتقدم على الكفاءة والحاجة البيداغوجية.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من مجرد سؤال: «من يدرّس أي مستوى؟». يصبح السؤال:
هل نحن أمام توزيع للكفاءات… أم توزيع للمواقع؟
وهل تستثمر المؤسسة مواردها البشرية لكي تجدد نفسها، أم تعيد توزيع الامتيازات نفسها كل سنة بوجوه متجددة؟
ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث في المؤسسة ليس أن يقع خطأ في إسناد مستوى، بل أن يصبح منطق الإسناد نفسه غير قابل للسؤال.
وهنا يبدأ الحفر الحقيقي: ليس في أسماء من أخذوا الأقسام، بل في القاعدة الخفية التي جعلت بعضهم يختار، وبعضهم ينتظر، وبعضهم يقبل بالبواقي.
7. حين تصبح الوثيقة أقوى من الواقع:
من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب المؤسسة أن تصبح الوثيقة أكثر أهمية من الفعل الذي يفترض أن تثبته. حين يصبح التقرير أهم من التجربة، والجدول أهم من ما حدث فعلًا، والإمضاء دليلًا على الإنجاز أكثر من الإنجاز نفسه.
هنا تظهر عبادة الوثيقة.
ولا يعني ذلك أن الوثائق غير ضرورية. فكل مؤسسة تحتاج إلى التوثيق والتنظيم والمتابعة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوثيق من وسيلة لخدمة العمل إلى غاية في حد ذاته، وحين يصبح ما يمكن كتابته أكثر شرعية مما يمكن ملاحظته في الواقع.
وهنا يمكن الاستفادة من تحليل ماكس فيبر (Max Weber, 1922) للعقلنة والبيروقراطية، حيث تصبح الإجراءات والقواعد والملفات جزءًا من تنظيم الحياة الحديثة. لكن العقلنة، حين تنفصل عن الغاية التي أنشئت من أجلها، قد تتحول إلى قفص من الإجراءات.
وقد يصبح المعلم منشغلًا بإثبات أنه قام بالفعل أكثر من انشغاله بالفعل نفسه. وتصبح المؤسسة قادرة على إنتاج كم هائل من الوثائق دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تعلمت شيئًا جديدًا.
وهنا السؤال: هل نوثق الواقع لكي نفهمه، أم نعيد بناء الواقع لكي يناسب الوثيقة؟
8. حين يتحول التقييم من أداة إلى حكم:
لا يمكن أن نستغني عن التقييم، لكنه يصبح خطيرًا عندما ينتقل من كونه أداة لفهم التعلم إلى كونه آلية لإنتاج الأحكام النهائية على الأشخاص.
المعدل يصبح هوية، والنتيجة تصبح حكمًا، والترتيب يصبح قيمة، والعدد يتحول إلى صورة كاملة عن الطفل أو المعلم.
وهنا يلتقي التقييم مع ما يسميه بورديو (Pierre Bourdieu, 1997) أشكال التصنيف والتمييز الرمزي. فالمؤسسة لا تقيس فقط، وإنما تمنح أسماء ومواقع ورتبًا. ومن خلال هذه العملية يمكن أن يصبح العدد سلطة.
المشكلة إذن ليست في القياس نفسه، بل في السلطة التي نمنحها للقياس.
حين يصبح العدد أقوى من الملاحظة، والمعدل أقوى من السياق، والنتيجة أقوى من قصة التعلم، فإننا نكون قد انتقلنا من التقييم إلى الحكم.
9. الإصلاح الذي يغير اللغة ولا يغير البنية:
لا تدخل الإصلاحات إلى مدرسة فارغة تنتظر أن تُعاد صياغتها من الصفر. إنها تدخل إلى مؤسسة لها تاريخها، وذاكرتها، وتراتبياتها، وعاداتها المهنية، وشبكاتها غير المكتوبة، وآلياتها في توزيع السلطة والاعتراف والمواقع. ولذلك فإن السؤال السوسيولوجي لا ينبغي أن يتوقف عند: هل وصل الإصلاح إلى المدرسة؟ بل ينبغي أن يتقدم خطوة أخرى وأكثر إزعاجًا: ماذا يحدث للإصلاح حين يدخل إلى مؤسسة لها بنية قديمة؟
فقد يتغير خطاب المنظومة بصورة لافتة، فتتغير المفردات من «المعلّم» إلى «الميسّر»، ومن «التلميذ» إلى «المتعلم»، ومن «الدرس» إلى «الوضعية التعليمية»، ومن «المعلومة» إلى «الكفاية»، ومن «التلقين» إلى «التعلم النشط»، ومن «الانضباط» إلى «إدارة الصف»، ومن «النجاح» إلى «الجودة» و«الفاعلية» و«الإدماج». لكن الحفر لا ينبغي أن يتوقف عند سطح اللغة. فالمهم ليس أن تتغير الكلمات التي نصف بها المدرسة، وإنما أن نسأل: هل تغيّرت العلاقات التي تنتج المدرسة؟ وهل تغيّرت مواقع السلطة؟ وهل تغيّر هامش الفعل المهني؟ وهل تغيّرت الطريقة التي يُنظر بها إلى التلميذ والمعلم والمعرفة؟
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في الإصلاح التربوي: قد تصبح اللغة حديثة جدًا، بينما تظل البنية العميقة محتفظة بكثير من منطقها القديم. قد نتحدث عن استقلالية المعلم، ثم نضع حول ممارسته شبكة واسعة من التعليمات والإجراءات والوثائق. وقد نتحدث عن جعل المتعلم محور العملية التعليمية، بينما تظل النتائج والأعداد والمؤشرات والاختبارات قادرة على اختزال تجربته الإنسانية. وقد نرفع شعار التفكير النقدي، بينما لا يزال السؤال الذي يخرج عن المألوف قادرًا على إزعاج المؤسسة. وقد نتحدث عن الإبداع، ثم نكافئ في بعض السياقات القدرة على الامتثال أكثر من القدرة على الاختلاف.
هنا لا يعود الإصلاح مجرد مجموعة من الأفكار الجديدة، بل يصبح اختبارًا لقدرة المؤسسة على تغيير نفسها. فالمؤسسة لا تستقبل الإصلاح كما هو؛ إنها تترجمه، وتعيد تأويله، وتنتقي منه ما تستطيع استيعابه، وتهمش ما يصطدم مع بنيتها، ثم تعيد إنتاجه في صورة أكثر انسجامًا مع قواعدها القديمة. ولذلك قد لا يكون أخطر ما يحدث للإصلاح هو رفضه الصريح، بل امتصاصه المؤسسي؛ أي أن يدخل الإصلاح إلى المنظومة محمّلًا بلغة جديدة، ثم يخرج منها وقد أعيد تشكيله وفق المنطق الذي كان يفترض أن يغيّره.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل الإصلاح هو الذي يغيّر المدرسة، أم أن المدرسة تعيد تشكيل الإصلاح وفق بنيتها القديمة؟
هذا السؤال يقودنا إلى ما يمكن تسميته بقدرة المؤسسة على تدجين الإصلاح. فالإصلاح حين يتحول إلى مناشير ووثائق وتكوينات وشعارات ومصطلحات، قد يفقد شيئًا من قدرته على إحداث القطيعة التي وُلد من أجلها. تدخل الفكرة الجديدة المؤسسة باعتبارها مشروع تغيير، ثم تتحول تدريجيًا إلى إجراء إداري، ثم إلى وثيقة، ثم إلى ممارسة روتينية، ثم تصبح جزءًا من النظام القديم نفسه.
ومن هنا يمكن فهم لماذا قد تتغير البرامج والتسميات والمفاهيم، بينما تستمر بعض الممارسات بالمنطق ذاته. فالمشكلة ليست دائمًا في مقاومة الفاعلين للإصلاح، ولا في نقص حسن النية، وإنما أحيانًا في قوة البنية المؤسسية على إعادة إنتاج نفسها. وكما يرى ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975)، فإن السلطة لا تعمل فقط من خلال المنع المباشر، وإنما عبر تنظيم الممارسات وتحديد ما يبدو طبيعيًا ومقبولًا ومشروعًا. ولذلك يمكن للمؤسسة أن تستوعب خطابًا جديدًا دون أن تتخلى بالضرورة عن آلياتها القديمة في الضبط والتصنيف والتطبيع.
ومن هنا أيضًا يظهر مفهوم «الشعوذة البيداغوجية» في معناه الأكثر عمقًا: ليست المشكلة في المفاهيم نفسها، ولا في علوم التربية، ولا في خطاب الإصلاح، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها المفاهيم إلى لغة تمنح الممارسة شرعية دون أن تغيّر شروط إنتاجها. يصبح استعمال عبارات مثل «الكفايات»، و«التعلم النشط»، و«التفريد»، و«الإدماج»، و«الجودة»، و«المتعلم محور العملية التعليمية» كافيًا أحيانًا لإضفاء مظهر الحداثة على ممارسة قد تكون البنية التي تنتجها لم تتغير إلا قليلًا.
لكن هذا لا يعني أن هذه المفاهيم زائفة أو أن الإصلاحات بلا قيمة. على العكس، الحفر النقدي لا يرفض الفكرة الجديدة، وإنما يسأل عن مصيرها داخل المؤسسة. فحين نقول «التفريد»، ماذا يحدث عندما تواجهنا بنية تنظيمية تميل إلى توحيد المسارات؟ وحين نقول «الإدماج»، هل تغيرت شروط المؤسسة لاستقبال الاختلاف، أم تغيرت فقط اللغة التي نصف بها الاختلاف؟ وحين نقول «التعلم النشط»، هل تغيرت علاقة السلطة داخل القسم، أم تغير شكل النشاط فقط؟ وحين نتحدث عن استقلالية المعلم، هل أصبح يمتلك فعلًا مجالًا أوسع لاتخاذ القرار المهني، أم أن الاستقلالية بقيت في مستوى الخطاب؟
هنا يصبح الإصلاح نفسه موضوعًا للحفر. ليس السؤال فقط لماذا يفشل الإصلاح، وإنما كيف تنجح المنظومة أحيانًا في ابتلاع الإصلاح دون أن تتغير.
وقد يكون هذا هو الوجه الأكثر خفاءً للمقاومة: ليست مقاومة تقول «لا»، بل مقاومة تقول «نعم»، ثم تعيد كل شيء إلى مكانه القديم.
إن الإصلاح الذي يغير اللغة ولا يغير البنية قد يكون أخطر من الإصلاح الذي يفشل منذ البداية، لأنه يمنح المؤسسة إحساسًا بالتغيير دون كلفة التغيير. تصبح الكلمات الجديدة غطاءً يطمئن الجميع إلى أن شيئًا ما يحدث، بينما تستمر بعض آليات إنتاج السلطة والتمييز والتصنيف والامتثال في العمل تحت السطح.
وهنا يتقاطع هذا العنصر مع كل ما حفرنا فيه سابقًا: توزيع الأقسام، سلطة الأقدمية، موقع القادم الجديد، قوة الوثيقة، التقييم، اختزال التلميذ في عدد، والخوف من السؤال. فالإصلاح الحقيقي، إن كان كذلك، لا يمكن أن يقاس بعدد المفاهيم الجديدة التي دخلت إلى الخطاب، بل بقدرته على تحريك البنية التي كانت تنتج الممارسة القديمة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا:
هل الإصلاح يغيّر المدرسة، أم أن المدرسة تعيد امتصاص الإصلاح وتعيد تشكيله وفق بنيتها القديمة؟
10. علوم التربية نفسها تحت المجهر:
بعد أن حفرنا في الإصلاح، ربما علينا أن نوجه الضوء إلى شيء أكثر حساسية: علوم التربية نفسها. ليس باعتبارها خصمًا أو معرفة ينبغي رفضها، وإنما باعتبارها جزءًا من الحقل الذي نريد تفكيكه. فحين نتحدث عن البيداغوجيا، والتعلم، والكفايات، والتقييم، والتفريد، والإدماج، والتعلم النشط، لا ينبغي أن نكتفي بالسؤال: هل نطبق هذه المفاهيم تطبيقًا صحيحًا؟ بل ينبغي أن نسأل سؤالًا أعمق: من يحدد أصلًا ما هو «التطبيق الصحيح»؟ ومن يمتلك سلطة تعريف الممارسة التربوية المشروعة؟
هنا تبدأ علوم التربية في الانتقال من كونها مجرد أدوات لفهم المدرسة إلى كونها هي نفسها موضوعًا سوسيولوجيًا للحفر. فالمعرفة التربوية لا تعيش خارج المجتمع، ولا خارج علاقات القوة والشرعية والمؤسسات. إنها تنتج داخل جامعات ومراكز بحث وتكوين ومؤسسات رسمية، وتنتقل إلى الميدان عبر برامج وتكوينات ومناهج ووثائق، ثم تتحول تدريجيًا إلى لغة مهنية تحدد ما ينبغي أن يكون عليه «المعلم الجيد»، و«التلميذ الجيد»، و«الدرس الجيد»، و«التقييم الجيد».
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى خطر آخر: حين تتحول النظرية من معرفة قابلة للنقد إلى سلطة لا تقبل السؤال. فقد يحدث أن نستحضر اسم باحث أو نظرية أو مفهوم تربوي لا من أجل مساءلته، بل من أجل منح ممارسة ما شرعية إضافية. يصبح اسم النظرية أحيانًا أهم من اختبار صلاحيتها في الواقع. ويصبح السؤال: «كيف نطبق هذا المفهوم؟» أكثر حضورًا من السؤال: «هل يكشف هذا المفهوم واقعنا فعلًا؟ وما الذي يعجز عن كشفه؟».
ومن هنا يمكن أن نفهم بصورة أعمق ما أسميه «الشعوذة البيداغوجية». إنها لا تكمن في النظرية، ولا في المفهوم، ولا في الباحث الذي أنتج المعرفة، وإنما تبدأ عندما يتحول المفهوم إلى تعويذة لغوية تستعمل لإضفاء الشرعية على الممارسة بدل مساءلتها. حين نقول «المتعلم محور العملية التعليمية»، ينبغي أن نسأل: أين هو فعلًا في القرار؟ وحين نقول «التفريد»، ماذا يحدث أمام الاختلاف الحقيقي؟ وحين نقول «الإدماج»، هل تغيرت بنية المؤسسة لاستقبال الاختلاف أم تغيرت فقط اللغة التي نتحدث بها عنه؟ وحين نقول «التعلم النشط»، هل تحولت علاقة السلطة داخل القسم، أم تحول النشاط إلى مجرد تقنية جديدة داخل بنية قديمة؟
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين العلم التربوي وبين استعمال العلم التربوي. فالمشكلة ليست أن لدينا نظريات كثيرة، وإنما أن النظرية قد تُقتطع من سياقها، وتتحول إلى وصفة، ثم تتحول الوصفة إلى معيار للحكم، ثم يتحول المعيار إلى أداة جديدة لمراقبة الممارسين. وهكذا يمكن لخطاب يفترض أنه جاء لتحرير الفعل التربوي أن يتحول، في بعض السياقات، إلى أداة جديدة لتقييده.
وهذا يقودنا إلى سؤال سوسيولوجي آخر: هل علوم التربية تمنح المعلم أدوات للتفكير، أم تمنحه أحيانًا قاموسًا جديدًا لوصف ما كان يفعله أصلًا؟
السؤال ليس استفزازيًا بقدر ما هو محاولة للحفر في المسافة بين النظرية والممارسة. فقد يكون المعلم قديمًا يصف ما يقوم به بلغة بسيطة، ثم تأتي المفاهيم الحديثة فتمنحه أسماء أكثر تعقيدًا للممارسة نفسها. وهنا يصبح التغيير في الخطاب أسرع بكثير من التغيير في الفعل.
ولا يعني ذلك أن الممارسة لم تتغير إطلاقًا، ولا أن النظريات غير مفيدة. على العكس، يمكن لعلوم التربية أن تكون أداة للتحرر حين تجعل الممارس قادرًا على رؤية ما لم يكن يراه، وعلى مساءلة عاداته المهنية، وعلى فهم المتعلم خارج القوالب الجاهزة. لكن ذلك يتطلب أن تبقى المعرفة قابلة للنقد، قابلة لإعادة القراءة، وقابلة للاختبار في الواقع.
فالنظرية التي لا تسمح لنفسها بأن تُسائل قد تتحول إلى عقيدة، والمفهوم الذي يُستعمل دون سياقه قد يتحول إلى شعار، والشعار حين يدخل مؤسسة قوية قد يتحول إلى أداة للشرعية.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا أشد عمقًا:
ماذا يحدث حين تصبح علوم التربية نفسها جزءًا من السلطة التي يفترض أن تساعدنا على نقد المدرسة؟
هذا السؤال لا يقود إلى رفض علوم التربية، بل إلى تحريرها من القداسة. فكما نحتاج إلى حفر في المدرسة، نحتاج أيضًا إلى الحفر في اللغة التي نتحدث بها عن المدرسة؛ لأن بعض ما نعتقد أننا نستخدمه لفهم الواقع قد يكون قد أصبح، دون أن نشعر، جزءًا من الطريقة التي تُعرّف بها المؤسسة الواقع وتضبطه.
وهنا يعود اللاهوت التربوي إلى الواجهة: ليس لاهوتًا دينيًا، وإنما منظومة من المسلمات التي يصبح التشكيك فيها أصعب من تطبيقها. وما لم نفتح هذه المسلمات للحفر، فقد نستبدل لاهوتًا تربويًا قديمًا بلاهوت تربوي جديد، ونستبدل المفردات فقط بينما تظل آلية إنتاج اليقين قائمة.
11. الذاكرة الميتة للمنظومة:
لكن ماذا يحدث لما راكمته المنظومة عبر عقود من الإصلاحات والتجارب والمشاريع والتكوينات والتقارير؟
هنا نصل إلى طبقة أخرى من الحفر: ذاكرة المنظومة نفسها.
قد تبدو المدرسة مؤسسة ذات ذاكرة هائلة. هناك محاضر، وتقارير، ومشاريع، وبرامج، ونتائج تقييم، وملفات، وتكوينات، ومراسلات، وتجارب مهنية، وأجيال من المعلمين والمتفقدين والمديرين والتلاميذ. لكن كثرة الوثائق لا تعني بالضرورة وجود ذاكرة حية.
فقد تمتلك المؤسسة أرشيفًا ضخمًا، لكنها لا تتذكر.
وهنا يظهر مفهوم «الذاكرة الميتة»: ذاكرة موجودة في الوثيقة، غائبة عن الفعل؛ محفوظة في الملفات، لكنها غير قادرة على التأثير في القرار؛ تعرف المؤسسة أنها مرت بهذه التجربة، لكنها لا تستفيد بالضرورة مما تعلمته منها.
وهذه الذاكرة الميتة تجعل المنظومة معرضة لإعادة إنتاج الأسئلة نفسها، والأخطاء نفسها، والمشكلات نفسها، ولكن بأسماء جديدة. يأتي إصلاح جديد، بلغة جديدة، وشعارات جديدة، وتكوينات جديدة، بينما قد تكون بعض الأسئلة التي جاء ليحلها قد طُرحت قبل سنوات أو عقود.
وهنا تصبح عبادة الوثيقة التي حفرنا فيها سابقًا أكثر خطورة. فالوثيقة التي يفترض أن تحفظ التجربة قد تتحول إلى قبر للتجربة. تُكتب، تُرسل، تُؤرشف، ثم تختفي من الذاكرة الحية للمؤسسة. يصبح المهم أن يكون هناك تقرير، لا أن تتحول التجربة التي أنتجت التقرير إلى معرفة متراكمة.
وهذا يعني أن المنظومة قد تعاني من مفارقة عجيبة: ذاكرة وثائقية ضخمة، وذاكرة مؤسسية ضعيفة.
والفرق بينهما جوهري. فالذاكرة الوثائقية تحفظ ما كُتب، أما الذاكرة المؤسسية الحية فتحفظ ما تعلّمته المؤسسة مما حدث لها.
قد يخرج معلم ذو خبرة طويلة من مؤسسة ما، ويخرج معه جزء كبير من معرفتها غير المكتوبة: كيف تعمل الأشياء فعلًا، أين تتعثر الإجراءات، ما الذي نجح، ما الذي فشل، ما الذي لم يظهر في التقارير، وما الذي تعلمه الميدان من التجربة. وإذا لم تتحول هذه المعرفة إلى ذاكرة جماعية، تبدأ المؤسسة من جديد وكأن شيئًا لم يحدث.
وقد يتغير المسؤول، أو المدير، أو البرنامج، أو المشروع، فتبدأ دورة جديدة من التشخيص والتكوين والتنفيذ والتقييم، ثم تنتهي الدورة دون أن تتحول نتائجها إلى معرفة مؤسسية حقيقية.
وهنا يمكن أن نسأل:
هل المنظومة التربوية تتعلم من تاريخها، أم أنها فقط تحتفظ بوثائق تاريخها؟
هذا السؤال يكشف أن المشكلة ليست في غياب الذاكرة، وإنما في انفصال الذاكرة عن الممارسة.
ومن هنا يصبح الإصلاح والذاكرة وجهين للمشكلة نفسها. فحين لا تمتلك المؤسسة ذاكرة حية، يصبح كل إصلاح معرضًا لأن يتحول إلى تجربة منفصلة عن سابقاتها. وحين لا تُستثمر نتائج الإصلاح السابق، يمكن أن يأتي الإصلاح اللاحق وكأنه اكتشاف جديد. وهكذا تتغير اللغة، وتتغير المشاريع، وتتغير المصطلحات، بينما تبقى بعض البنى العميقة قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
وهنا نعود مرة أخرى إلى السؤال الذي طرحناه في العنصر السابق: ماذا يحدث عندما يدخل الإصلاح إلى مؤسسة لا تتذكر جيدًا ما فعلته الإصلاحات السابقة؟
قد يحدث أن تبدأ المنظومة في الدوران داخل الحلقة نفسها: إصلاح، ثم تكوين، ثم وثائق، ثم تقييم، ثم تقرير، ثم نسيان، ثم إصلاح جديد.
وهكذا لا تصبح المشكلة أن المؤسسة لا تتحرك، وإنما أنها تتحرك دون أن تراكم حركتها.
وهذا هو الوجه الأكثر خطورة للذاكرة الميتة: أن تتحول التجربة إلى حدث منفصل، بدل أن تصبح معرفة؛ وأن يتحول الفشل إلى تقرير، بدل أن يصبح درسًا؛ وأن يتحول النجاح إلى قصة عابرة، بدل أن يصبح خبرة مؤسسية قابلة للتراكم.
كما يرى إدغار موران (Edgar Morin, 1999)، لا يمكن بناء معرفة حقيقية من خلال تجميع المعلومات وحدها؛ فالمعرفة تحتاج إلى ربط، وسياق، وذاكرة، وقدرة على بناء العلاقات بين الأجزاء. والمنظومة التي لا تربط بين تجاربها قد تمتلك معلومات كثيرة، لكنها تظل فقيرة في المعرفة التي تسمح لها بفهم ذاتها.
وهنا تتقاطع الذاكرة الميتة مع الصناديق السوداء والأقفاص الحديدية والثقوب الدودية التربوية: فالوثيقة قد تخفي التجربة بدل أن تكشفها، والإجراء قد يحفظ الشكل بدل أن يحفظ المعنى، والإصلاح الجديد قد يمر عبر المؤسسة دون أن يصل إلى ذاكرتها العميقة.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأخير: هل لدينا ذاكرة؟
بل:
ماذا بقي حيًا من كل ما عاشته المنظومة؟
فقد تكون أخطر ذاكرة هي تلك التي نعتقد أنها موجودة، لأننا نملك وثائقها، بينما تكون التجربة التي أنتجتها قد ماتت منذ زمن.
ومن هنا يستمر الحفر: في الإصلاح الذي قد تغيّر لغته دون أن تتغير بنيته، وفي علوم التربية التي ينبغي ألا تتحول من معرفة نقدية إلى سلطة مقدسة، وفي ذاكرة مؤسسية قد تكون ممتلئة بالوثائق لكنها فقيرة في القدرة على التعلم من الماضي.
وهذه ليست ثلاث مسائل منفصلة.
إنها ثلاث طبقات من الدهليز نفسه.
12. المنهاج الخفي: ما يتعلمه الطفل دون أن نعلّمه
هناك دروس لا توجد في الكتب، ولا تظهر في البرامج، ولا تدخل في الامتحانات، لكنها تصل إلى الطفل بقوة شديدة.
يتعلم الطفل من طريقة تعاملنا مع الخطأ.
يتعلم من طريقة توزيع الكلام.
يتعلم من الطريقة التي نعامل بها السؤال.
يتعلم من علاقتنا بالوقت.
يتعلم من الفرق بين من يملك السلطة ومن يطلب الإذن.
يتعلم من الطريقة التي نكافئ بها الطاعة أو نعاقب بها الاختلاف.
وهذا هو جوهر المنهاج الخفي: أن المؤسسة تعلم أشياء لا تعلن أنها تعلمها.
ومن هنا تصبح المسافة بين الخطاب والممارسة ذات أهمية سوسيولوجية. فإذا كنا نتحدث عن التفكير النقدي، لكننا نعاقب السؤال المزعج، فإن الطفل يتعلم درسًا أقوى من كل ما كتبناه عن النقد. وإذا تحدثنا عن الاستقلالية، لكننا جعلنا المبادرة دائمًا مشروطة بالموافقة، فإن الطفل يتعلم أن الاستقلالية لها حدود غير معلنة.
وهنا يلتقي النقد التربوي عند باولو فريري (Paulo Freire, 1974) مع سؤال العلاقة بين المعرفة والسلطة: من يملك حق الكلام؟ من يحدد ما يستحق أن يعرف؟ وهل التربية فعل تحرير، أم يمكن أن تتحول إلى إعادة إنتاج لعلاقة يكون فيها أحدهم متكلمًا دائمًا والآخر مستمعًا دائمًا؟
13. الدهليز الأخطر: ما لا نريد أن نراه
ربما لا تكون أخطر الأشياء في المنظومة التربوية هي تلك التي لا نعرفها، بل تلك التي نعرفها جيدًا، ونراها يوميًا، ونتعايش معها، ثم نمارس تجاهها نوعًا من العمى الجماعي. فالمشكلة لا تبدأ دائمًا حين يحدث الاختلال، وإنما حين يتكرر إلى درجة يفقد معها قدرته على إثارة الدهشة. تتكرر المحاباة حتى تصبح «تدبيرًا عاديًا»، ويتكرر التمييز بين هذا المعلم وذاك حتى يتحول إلى «منطق داخلي» للمؤسسة، ويُمنح البعض ما يرغبون فيه من أقسام أو مستويات، بينما يُدفع القادم الجديد إلى ما تبقى، فيُختزل الأمر كله في عبارة تبدو بريئة: «هكذا تسير الأمور».
وقد يُقصى رأي لأن صاحبه «جديد»، لا لأن فكرته ضعيفة، وتُهمَّش أحيانًا شهادة علمية أو خبرة مهنية لأن صاحبها لم يراكم بعدُ سنوات كافية داخل المؤسسة. وهنا تصبح الأقدمية داخل المكان، في بعض الحالات، أقوى من الكفاءة، وأقوى من التكوين، وأقوى من المراكمة العلمية. فالقادم الجديد إلى المدرسة قد لا يدخل إليها باعتباره حاملًا لخبرة أو معرفة أو شهادة يمكن أن تضيف إلى المؤسسة، وإنما باعتباره صاحب المرتبة الأخيرة في ترتيب غير مكتوب، فيُترك له ما تبقى من المستويات والأقسام، وكأن الشهادة العلمية والخبرة المهنية لا تكتسبان قيمتهما إلا بعد أن تمنحهما المؤسسة اعترافها الداخلي.
وفي المستوى نفسه، قد يتحول توزيع الأقسام، الذي يفترض أن يكون إجراءً تنظيميًا، إلى ممارسة تنتج تراتبية مهنية صامتة. من يملك الأقدمية يحصل على ما يعتبر أفضل، ومن يأتي لاحقًا يتحمل ما تبقى، دون أن يكون السؤال دائمًا: من الأنسب لهذا المستوى؟ ومن يمتلك الخبرة أو التكوين أو الكفاءة التي تؤهله له؟ وهنا يصبح التنظيم نفسه حاملًا لعلاقات القوة، وتتحول ممارسة تبدو إدارية ومحايدة إلى آلية لإعادة إنتاج امتيازات داخلية لا نجدها بالضرورة مكتوبة في أي منشور أو قانون.
ويتكرر الأمر مع الوثيقة. فكراس المعلم، والتقارير، والجداول، والملفات، والمتابعات، والمؤشرات، وكل ما يفترض أن يكون أدوات لخدمة الفعل التربوي، قد تتحول تدريجيًا إلى غايات قائمة بذاتها. يصبح اكتمال الوثيقة أهم من جودة الدرس، ويصبح وجود الأثر الكتابي أهم من السؤال عما حدث فعلًا داخل القسم، ويُقاس العمل أحيانًا بما يمكن إثباته على الورق أكثر مما يُقاس بما أحدثه من أثر في التعلم. وهنا تظهر عبادة الوثيقة: لا يعود السؤال فقط ماذا تعلم التلميذ، وإنما هل الوثيقة موجودة؟ ولا يعود السؤال ماذا غيّر التكوين في الممارسة، وإنما هل حضر المعلم دورة التكوين وهل يحمل ما يثبت ذلك؟ ولا يعود السؤال هل نجحت الحصة في بناء التعلم، وإنما هل استوفت الحصة الشروط الشكلية للمشهد التربوي المطلوب؟ وهكذا تتحول الوسيلة إلى غاية، ويتحول الشكل إلى معيار للحقيقة.
والأمر نفسه يحدث مع التلميذ، وربما بصورة أكثر خطورة. فنحن نحصيه في جداول، ونضعه في نسب، ونختصره في معدلات، ونقيسه بالمؤشرات، ونصنفه إلى ناجح وراسب، متفوق وضعيف، مندمج ومتأخر، ثم ننسى أحيانًا أن وراء كل عدد طفلًا له تاريخ وظروف وأسرة وموارد ثقافية وفرص غير متساوية. يظهر التلميذ في العدد، لكنه قد يختفي خلفه؛ يظهر في نسبة النجاح، ولا تظهر دائمًا خلف النسبة مسارات التعثر التي سبقته؛ يظهر في المعدل، ولا تظهر بالضرورة علاقة ذلك المعدل باللغة التي يتحدثها في البيت، أو بالرأسمال الثقافي لأسرته، أو بظروفه الاجتماعية، أو بالموارد المتاحة له خارج المدرسة. يظهر في خانة «الضعف»، ولا يظهر دائمًا السؤال الأكثر إزعاجًا: ماذا فعلت المدرسة معه؟ وهنا يمكن أن يتحول الإحصاء، الذي يفترض أن يساعدنا على رؤية الواقع، إلى وسيلة لإخفاء جزء منه عندما يتحول الإنسان إلى مجرد وحدة قابلة للعد والمقارنة.
ولعل الأخطر من الاختلال نفسه هو الخوف من تسمية الأشياء بأسمائها. نرى المحسوبية، لكننا نسميها «مراعاة الظروف». نرى التمييز، لكننا نسميه «خبرة في التسيير». نرى الإقصاء، لكننا نسميه «تنظيمًا». نرى الصمت، لكننا نسميه «حفاظًا على الاستقرار». نرى الخضوع، لكننا نسميه «احترامًا للتدرج الإداري». ونرى الخوف من النقد، لكننا نسميه «احترامًا للمؤسسة». وهكذا لا يختفي الاختلال، وإنما تختفي قدرته على إثارة السؤال، لأن اللغة نفسها تتدخل لتلطيفه، وتبريره، ومنحه شرعية اجتماعية ومهنية.
وهنا تصبح السلطة أكثر تعقيدًا من مجرد أمر مباشر أو عقوبة صريحة. فهي لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول للفاعل: لا تسأل. يكفي أن تجعل السؤال يبدو غريبًا، أو غير مفيد، أو مزعجًا، أو صادرًا عن شخص «يبحث عن المشاكل». من يسأل كثيرًا يصبح مشاغبًا، ومن ينتقد يصبح سلبيًا، ومن يكشف تناقضًا يصبح مزعجًا، ومن يرفض مسايرة المألوف يصبح «صعب التعامل». وبذلك تنتقل الرقابة تدريجيًا من خارج الإنسان إلى داخله؛ فيبدأ الفاعل نفسه بمراقبة كلامه، وحذف أسئلته، وتلطيف نقده، ثم الصمت في النهاية. وهذا ما يجعل العنف الرمزي، كما عند بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1994)، أكثر خطورة أحيانًا من السلطة الصريحة؛ لأن السلطة لا تحتاج فيه إلى أن تُمارس بالقوة المباشرة، بل يكفي أن تصبح قواعد اللعبة مقبولة وطبيعية في نظر من يخضعون لها.
وهنا نصل إلى أخطر مراحل التطبيع: أن يصبح الشيء غير الطبيعي طبيعيًا بسبب طول الإقامة داخله. في البداية نلاحظ الاختلال، ثم نتساءل عنه، ثم نتذمر منه، ثم نعتاد عليه، ثم نبدأ في تبريره، وقد نصل في النهاية إلى الدفاع عنه عندما يأتي شخص جديد ويسأل: لماذا يحدث هذا؟ عندها قد لا يكون السؤال نفسه هو المشكلة، بل يصبح صاحب السؤال هو المشكلة. وهنا تكمن المفارقة القاسية: إن أخطر ما يمكن أن تفعله المؤسسة بالإنسان ليس أن تمنعه من رؤية الظلم، وإنما أن تجعله يراه ولا يعود يعتبره ظلمًا.
إن الشيء غير الطبيعي لا يصبح طبيعيًا لأنه تغير في جوهره، وإنما لأنه تكرر، وتبرر، وتوارثته الأجيال المهنية، وأصبح جزءًا من روتين الحياة اليومية. وهكذا تتحول الممارسة الاستثنائية إلى عادة، والعادة إلى قاعدة، والقاعدة إلى ثقافة، والثقافة إلى ما يشبه «الطبيعة». وعندما تصل المنظومة إلى هذه المرحلة، لا تحتاج السلطة دائمًا إلى التدخل لمنع التغيير، لأن الثقافة المهنية نفسها قد تتكفل بالمهمة، وتعيد كل جديد إلى حدود المألوف، وتدفع كل من يحاول مساءلة القاعدة إلى الشعور بأنه هو الخارج عن السياق.
ولذلك فإن الحفر السوسيولوجي لا يبحث فقط عن الأشياء الموجودة تحت الأرض، وإنما يحفر أيضًا في الأشياء الموجودة أمام أعيننا. إنه يحفر في توزيع الأقسام، وفي علاقة الأقدمية بالكفاءة، وفي موقع القادم الجديد، وفي سلطة الوثيقة، وفي الخوف من السؤال، وفي الصمت المهني، وفي المحاباة حين تُمارس، وفي اللغة التي نستخدمها لتبريرها، وفي التلميذ الذي يتحول إلى عدد، وفي المعلم الذي قد يتحول إلى رتبة أو ملف أو خانة، وفي المؤسسة التي قد تصبح، من حيث لا تشعر، أكثر اهتمامًا بإثبات أنها تعمل من اهتمامها بأن تسأل: هل تعمل فعلًا؟
وهنا يصبح الدهليز الأخطر ليس ذلك الذي نخفيه عن أعين الآخرين، وإنما ذلك الذي أصبحنا عاجزين عن رؤيته بأعيننا نحن. فالمنظومة قد لا تحتاج إلى جدار يمنع الرؤية؛ يكفي أن تعوّدنا على الظلام. ومع الوقت تتكيف العين معه، ويصبح الضوء مزعجًا، ويصبح من يضيء المصباح متهمًا بأنه يبالغ في رؤية الأشياء أو يبحث عما لا ينبغي البحث عنه.
لذلك فإن السؤال الحقيقي للحفر ليس فقط: ماذا نخفي؟ بل: ما الذي أصبحنا نراه كل يوم إلى درجة أننا لم نعد نراه؟ فالقوة الأكبر للتطبيع ليست أن يُقال للإنسان «لا ترَ»، وإنما أن يُعاد ترتيب الواقع أمام عينيه بطريقة تجعله يقول: «لا شيء هنا يستحق أن يُرى». وعندما تصل المؤسسة إلى هذه اللحظة، يصبح الضوء نفسه فعلًا نقديًا، ويصبح السؤال فعل مقاومة، ويصبح الحفر ضرورة لا ترفًا.
لأن ما نخشاه في أعماق الدهاليز ليس دائمًا ما سيظهر لنا لأول مرة، بل ما سنكتشف أننا كنا نراه طوال الوقت، ولم نعد قادرين على رؤيته.
14. الدروس الخصوصية: حين يصبح الترقيع جزءًا من المنظومة
لكن هل تنتهي دهاليز المنظومة عند بوابة المدرسة؟
ربما لا.
فثمة دهليز آخر يمتد خارج المؤسسة، لكنه يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا: الدروس الخصوصية.
في ظاهرها، تبدو الدروس الخصوصية ممارسة بسيطة: تلميذ يحتاج إلى دعم إضافي، وأسرة تبحث عن تحسين نتائجه، ومدرس يقدم زمنًا تعليميًا إضافيًا. وقد تكون في حالات كثيرة استجابة لحاجة حقيقية، خصوصًا عندما يواجه المتعلم صعوبة محددة أو يحتاج إلى مرافقة لا يستطيع الزمن المدرسي وحده توفيرها. لكن الحفر السوسيولوجي لا يكتفي بالسؤال عن وجود الظاهرة، بل يسأل عن الشروط التي جعلتها تتوسع، وعن الوظيفة التي بدأت تؤديها داخل المنظومة.
ماذا يحدث عندما يتحول الدعم الإضافي من استثناء إلى ممارسة شبه ضرورية؟
ماذا يحدث عندما يصبح النجاح المدرسي، بالنسبة إلى جزء من الأسر، مرتبطًا بما يحدث خارج المدرسة بقدر ما يرتبط بما يحدث داخلها؟
هنا تبدأ المسألة في تجاوز فكرة «الدرس الإضافي». فحين تكون الأقسام مكتظة، والزمن المدرسي محدودًا، والفروق بين المتعلمين واسعة، والبرامج ضاغطة، والتقييمات شديدة الحضور، قد لا يجد بعض التلاميذ ما يكفي من الوقت والمرافقة داخل المؤسسة. فيظهر خارجها زمن تعليمي آخر: زمن يُشترى ويُضاف إلى الزمن المدرسي، ويصبح بالنسبة إلى بعض الأسر جزءًا من استراتيجية النجاح.
وهنا يظهر سؤال أكثر إزعاجًا: هل نحن أمام دعم للمدرسة، أم أمام نظام موازٍ يعوض شيئًا من عجزها؟ فالترقيع قد يكون مفيدًا في المدى القصير، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى بديل دائم عن إصلاح أصل الخلل. فإذا كان التلميذ يحتاج إلى ساعات إضافية خارج المدرسة لكي يستوعب مالم يستوعبه داخلها، فلا ينبغي أن يكون السؤال فقط: «كيف نوفر له الدرس الخصوصي؟»، بل أيضًا: لماذا لم يستطع الزمن المدرسي أن يؤدي وظيفته بالنسبة إليه؟
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ندخل عامل القدرة الاقتصادية. فليس كل التلاميذ قادرين على شراء الزمن التعليمي نفسه. فالطفل الذي تستطيع أسرته توفير ساعات إضافية من الدعم لا يدخل إلى المنافسة بالموارد نفسها التي يدخل بها طفل يعتمد على الزمن المدرسي وحده. وهنا يمكن أن تتحول ممارسة يفترض أنها تعويض عن نقص ما إلى آلية جديدة لإعادة إنتاج التفاوت، وهو ما يتقاطع مع تحليل بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1979) لعلاقة الرأسمال الاقتصادي والثقافي بإنتاج الفوارق الاجتماعية.
ومن هنا تظهر مفارقة «مجانية التعليم». فمن الناحية القانونية والمؤسساتية، قد يكون التعليم العمومي مجانيًا، لكن المسار التعليمي الفعلي يتشكل أيضًا من موارد أخرى تحيط بالتلميذ: النقل، والكتب والأدوات، والدعم، والأجهزة الرقمية، والاتصال بالإنترنت، والأهم في سياقنا هذا، الزمن التعليمي الذي يمكن للأسرة أن توفره خارج المدرسة.
لذلك قد يكون التعليم مجانيًا من حيث الولوج إلى المؤسسة، دون أن تكون شروط النجاح موزعة بالتساوي بين جميع المتعلمين.
هل يكفي أن يكون المقعد المدرسي واحدًا حتى تكون فرص الاستفادة منه واحدة؟
قد يدخل طفلان إلى المدرسة نفسها، ويجلسان في القسم نفسه، ويتلقيان البرنامج نفسه، لكن أحدهما يعود بعد انتهاء الزمن المدرسي إلى مدرس خصوصي أو مركز دعم، بينما يعود الآخر إلى منزل لا يستطيع فيه أهله توفير هذا الزمن الإضافي.
المقعد المدرسي واحد، لكن شروط الاستفادة من التعليم ليست واحدة.
ومن هنا يمكن أن تصبح الدروس الخصوصية نوعًا من الضريبة غير المعلنة على النجاح؛ لا تُفرض رسميًا، ولا يدفعها الجميع بالقدر نفسه، لكنها قد تصبح في بعض السياقات شبه ضرورية لمن يريد أن يحافظ على موقعه داخل سباق النتائج.
وهذا لا يعني أن الدروس الخصوصية شر في ذاتها، ولا أن كل أسرة تلجأ إليها ضحية، ولا أن كل مدرس خصوصي جزء من منظومة استغلال. فالحفر لا يبحث عن مذنب، بل عن بنية. فقد يلجأ إليها تلميذ بسبب صعوبة تعلم حقيقية، أو أسرة رغبة في مزيد من الدعم، أو مدرس لتقديم مرافقة إضافية. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى سوق، والسوق إلى عنصر يكاد يصبح طبيعيًا في بناء النجاح المدرسي.
وهنا تظهر أسئلة أكثر حساسية:
متى يتحول «الدعم» إلى «اعتماد»؟
ومتى تتحول الحاجة إلى عادة؟
ومتى يصبح السوق جزءًا من بنية النجاح نفسها؟
والأخطر:
هل يمكن أن تصبح بعض ممارسات المدرسة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منتجة للحاجة إلى هذه السوق؟
فإذا أصبح التلميذ يشعر بأن ما يحصل عليه داخل المؤسسة غير كافٍ، وإذا ترسخت لدى الأسرة قناعة بأن النجاح يتطلب بالضرورة تعليمًا إضافيًا خارجها، وإذا أصبح المدرس الخصوصي جزءًا شبه ثابت من المسار الدراسي، فإننا لا نكون أمام ظاهرة هامشية، بل أمام منظومة تعليمية ذات مسارين متداخلين: مسار رسمي داخل المدرسة، ومسار موازٍ خارجها، قد يملك بعض التلاميذ قدرة أكبر على الولوج إليه من غيرهم.
وهنا يصبح الدرس الخصوصي مرآة للمنظومة أكثر مما هو مجرد ظاهرة خارجها. فهو يكشف حدود الزمن المدرسي، وضغط ثقافة النتائج، والفروق بين المتعلمين، وتفاوت الموارد الأسرية، وتحول النجاح من مسار يفترض أن تضمنه المدرسة إلى مسار قد يحتاج إلى موارد إضافية.
وحين تعجز المؤسسة عن توفير بعض حاجات المتعلم، قد يتولى السوق توفيرها. وعندما يصبح السوق قادرًا على سد هذه الثغرات بصورة منتظمة، فإن الخطر لا يكمن فقط في وجوده، بل في أن تتحول الثغرة نفسها إلى مصدر دائم لعمل السوق. وهنا ينتقل جزء من كلفة الخلل من المنظومة إلى الأسرة، ويصبح الحل الخاص وسيلة للتعايش مع مشكلة عامة بدل أن تكون المشكلة نفسها موضوعًا للإصلاح.
فالسؤال لم يعد فقط: من يحتاج إلى درس خصوصي؟
بل:
من يستطيع أن يحصل عليه؟
وهذا الفرق جوهري، لأن الحاجة إلى الدعم قد تكون متقاربة بين طفلين، بينما القدرة على الوصول إليه قد تكون مختلفة جذريًا. ومن هنا قد يتحول ما كان يفترض أن يكون آلية لتعويض الفوارق إلى آلية لإنتاج فوارق جديدة، وتصبح القدرة الاقتصادية للأسرة موردًا تربويًا غير معلن.
وهنا نصل إلى المفارقة الأخطر: فالترقيع لا يكون دائمًا مجرد حل مؤقت. قد يتحول مع الوقت إلى جزء من طريقة اشتغال المنظومة نفسها. يبدأ الأمر بخلل يحتاج إلى ترميم، ثم يتحول الترميم تدريجيًا إلى اعتماد، وينشأ حوله سوق، ومع اتساع السوق تتطبع الأسر مع وجوده، إلى أن يصبح جزءًا من آلية استمرار الخلل نفسه. وبذلك يُرمَّم الخلل بما يجعله قابلًا للاستمرار، ويصبح ما كان حلًا مؤقتًا جزءًا من بنية المشكلة.
وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة «حين يصبح الترقيع جزءًا من المنظومة». فالمنظومة لا تحتاج دائمًا إلى إصلاح الشقوق إذا كانت قد طورت حولها آليات تجعلها قابلة للاستمرار. وقد تكون الدروس الخصوصية إحدى هذه الآليات، ليس لأنها سيئة في ذاتها، وإنما لأن انتشارها الواسع قد يسمح للمنظومة بالتعايش مع اختلالات كان يفترض أن تصبح موضوعًا للإصلاح.
وهنا يلتقي هذا المسار بما كشفه بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1979) حول قدرة المدرسة، في ظروف معينة، على إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل القضاء عليها. فإذا كان بعض النجاح يتحقق داخل المدرسة، وبعضه الآخر يُبنى خارجها، فإن تقييم النتيجة النهائية للتلميذ من دون النظر إلى الموارد التي أحاطت به قد يخفي جزءًا من الحقيقة. قد نقيس العلامة، ولا نقيس الساعات التي أنتجتها؛ وقد نقارن التلاميذ، ولا نقارن الشروط التي دخلوا بها إلى المنافسة.
وهنا يصبح «الاستحقاق» نفسه بحاجة إلى حفر، ليس لنفي الجهد الفردي، وإنما للسؤال عن الشروط الاجتماعية التي تجعل بعض الجهود أكثر قابلية للتحول إلى نتائج من غيرها.
ولذلك فإن السؤال السوسيولوجي ليس: هل الدروس الخصوصية جيدة أم سيئة؟
بل:
ما الذي جعلها ضرورية إلى هذا الحد؟
وماذا تكشف عن المدرسة حين يصبح التعليم خارج المدرسة جزءًا من شروط النجاح داخلها؟
وهل نستطيع الحديث عن تكافؤ الفرص دون النظر إلى الموارد التي يدخل بها كل تلميذ إلى المنافسة؟
وهنا نعود إلى السؤال المركزي لهذا المقال:
ماذا نخشى أن نرى حين نضيء الدهاليز؟
ربما نكتشف أن بعض الحلول التي تبدو خارج المدرسة ليست سوى آثار لمشكلات لم نجرؤ على مواجهتها داخلها.
وربما نكتشف أن الدروس الخصوصية لا تعالج دائمًا الخلل، بل قد تمنحه أحيانًا قدرة أكبر على الاستمرار، لأنها تسمح للمنظومة بالتعايش مع شقوقها بدل مواجهتها.
وربما يكون أخطر ما في الترقيع ليس أنه يخفي الشقوق…
بل أنه يسمح للجدار بالبقاء قائمًا، رغم أننا نعرف أنه متشقق.
15. الحفر في المدرسة إلى الحفر في الشأن العام:
كلما تعمقنا في المدرسة، وجدنا أنفسنا أمام المجتمع نفسه.
فالمدرسة ليست جزيرة معزولة. إنها تعكس جزءًا من علاقة المجتمع بالسلطة، وبالمعرفة، وبالتراتبية، وبالوثيقة، وبالامتياز، وبالاختلاف.
إذا كان المجتمع يحتفي بالموقع أكثر من الكفاءة، ستظهر آثار ذلك في المدرسة. وإذا كان يميل إلى تقديس الوثيقة، ستظهر الوثيقة كسلطة داخل المؤسسة. وإذا كان يخشى السؤال، فسيجد السؤال طريقه إلى الهامش المدرسي.
لهذا فإن الحفر في الجسد التربوي لا ينتهي عند المدرسة. فكل شق فيها قد يقود إلى شق في المجتمع.
وقد تكون المدرسة واحدة من أفضل الأماكن لفهم المجتمع، لأنها تعرض أمامنا منذ الطفولة كيف نتعامل مع السلطة، وكيف نرتب الناس، وكيف نمنح الشرعية، وكيف نصنف النجاح والفشل.
وهنا يصبح السؤال أوسع:
هل نصلح المدرسة دون أن نسأل عن المجتمع الذي يعيد إنتاجها؟
وهل يمكن أن نطلب من المدرسة أن تنتج إنسانًا نقديًا، بينما تظل الثقافة الاجتماعية الأوسع قلقة من الإنسان الذي يسأل كثيرًا؟
خاتمة: حين يصبح الضوء نفسه فعلًا نقديًا
بعد سنة من الحفر، ربما لم يعد السؤال هو: ماذا اكتشفنا؟
بل أصبح السؤال: ماذا سنفعل بما رأيناه؟
لكن الحفر ليس مشروعًا لتقديم حلول جاهزة. فالحفر، في جوهره، محاولة لإزاحة طبقات التراكم، ورفع الغطاء عن المساحات التي اعتادت المنظومة أن تخفيها، أو التي اعتدنا نحن ألا ننظر إليها.
فالضوء لا يصنع الشقوق؛ إنه يكشفها فقط.
وحين نضيء دهاليز المنظومة التربوية، قد لا نجد وحوشًا مختبئة في الظلام، وإنما نجد شيئًا أكثر إزعاجًا: عادات، وقواعد، وممارسات، وأفكارًا، ومواقع، وامتيازات، وخطابات أصبحت جزءًا من حياتنا إلى درجة أننا لم نعد نسأل عن شرعيتها.
وقد يكون أخطر ما سنراه أن بعض ما نعتبره «طبيعيًا» لم يكن طبيعيًا أصلًا، وإنما أصبح طبيعيًا لأنه تكرر طويلًا.
لهذا فإن الحفر الحقيقي لا يبحث فقط عن الأشياء المدفونة، بل يسأل أيضًا: من دفنها؟ ولماذا؟ ومن المستفيد من بقائها تحت التراب؟ ولماذا أصبح من يرفع الغطاء أحيانًا أكثر إزعاجًا من الخلل نفسه؟
ربما لا تحتاج المنظومة التربوية إلى مزيد من الأضواء التي تُظهر واجهتها، بقدر ما تحتاج إلى ضوء يدخل إلى دهاليزها.
ضوء يكشف ما بين النص والممارسة.
ما بين الشهادة والاعتراف.
ما بين الخبرة والموقع.
ما بين الإصلاح والبنية.
ما بين الرقم والإنسان.
ما بين السلطة والكفاءة.
وما بين ما نقوله عن المدرسة… وما تفعله المدرسة فعلًا.
فحين يصبح الضوء فعلًا نقديًا، لا يعود الحفر مجرد بحث في الماضي، بل يصبح مساءلة للحاضر.
وفالحفر لم ينتهِ…
بل ربما بدأ للتو...
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre. (1980). Le Sens pratique. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Bourdieu, Pierre. (1997). Méditations pascaliennes. Paris : ditions du Seuil.
3. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les itions de Minuit.
4. Foucault, Michel. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
5. Freire, Paulo. (1970). Pédagogie des opprimés. Paris : François Maspero.
6. Fullan, Michael. (2007). The New Meaning of Educational Change. 4th ed. New York : Teachers College Press.
7. Morin, Edgar. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris : ESF diteur.
8. Schn, Donald A. (1983). The Reflective Practitioner. How Professionals Think in Action. New York : Basic Books.
9. Weber, Max. (1922). Wirtschaft und Gesellschaft. Grundriss der verstehenden Soziologie. Tübingen : J. C. B. Mohr.
ماذا نخشى أن نرى حين نضيء دهاليز المنظومة التربوية؟ حفريات في ما لا نراه… وما لا نجرؤ على كشفه - قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في الأخاديد والشقوق والفراغات الخفية للمنظومة التربوية
2026-09-12
60 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال