بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أركيولوجيا علوم التربية: قراءات في البيداغوجيا بين ادعاء العلم وهيمنة الخطاب

2026-03-05 32 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
داخل المدرسة المعاصرة يحدث تحول خافت لا يظهر في شكل إصلاح واحد واضح، بل في تراكم تدريجي للخطابات التي تحيط بالممارسة التربوية وتعيد تعريفها. فالمعلم اليوم لا يواجه فقط تلاميذه أو محتوى الدرس، بل يواجه أيضًا شبكة واسعة من المفاهيم والمصطلحات والإطارات النظرية التي تسبق الفعل التعليمي وتطالبه بتبريره. ومع كل إصلاح تربوي تتكاثر المفردات: الكفايات، المقاربة بالمشروع، التقويم التكويني، التعلم النشط… لكن هذا التراكم المفاهيمي لا يوازي دائمًا تحولًا ملموسًا في عمق التعلم داخل الأقسام. هنا تبدأ المفارقة التي تستحق المساءلة: كيف تحولت التربية، التي كانت ممارسة اجتماعية وخبرة إنسانية، إلى حقل ينتج خطابًا متناميًا عن نفسه؟ وكيف أصبحت البيداغوجيا أحيانًا أقرب إلى جهاز لغوي يحدد ما ينبغي قوله أكثر مما يفسر ما يحدث فعلاً؟ من هنا تنشأ الحاجة إلى تفكيك تاريخ تشكّل هذا الخطاب نفسه، أي إلى ما يمكن تسميته بأركيولوجيا علوم التربية.

#أركيولوجيا_علوم_التربية
#قراءات_في_البيداغوجيا_بين_ادعاء_للعلم_وهيمنة_الخطاب

تقديم: حين تصبح التربية معرفة عن نفسها

داخل المدرسة المعاصرة، لم يعد المربي يعمل فقط داخل فضاء التعلم، بل ضمن شبكة كثيفة من الخطابات التربوية التي تسبق الممارسة وتؤطرها وتعيد تعريفها باستمرار. فكل إصلاح جديد يولد لغة جديدة، وكل أزمة مدرسية تنتج جهازًا مفاهيميًا إضافيًا يعد بتجاوزها. وقد لاحظ ميشال فوكو أن المعرفة لا تتطور فقط عبر تراكم الحقائق، بل عبر تكاثر الخطابات التي تحدد ما يمكن التفكير فيه أصلًا (Foucault, 1972).
من هذا المنظور، تبدو علوم التربية اليوم أقل انشغالًا بوصف ما يحدث داخل القسم، وأكثر انخراطًا في إنتاج خطاب دائم حول كيفية وجوب حدوثه. وهنا تظهر مفارقة أساسية: كلما تعقد الواقع المدرسي، ازداد اليقين النظري بشأنه.

1. مشروع العلمية: حين أرادت التربية أن تصبح علمًا

مع إميل دوركايم بدأت محاولة تحويل التربية إلى موضوع علمي مستقل، باعتبارها آلية اجتماعية لإعادة إنتاج القيم الجماعية (Durkheim, 1922). وقد سعت هذه المقاربة إلى نقل التربية من مجال الخبرة العملية إلى مجال التحليل المنهجي.
لاحقًا عززت المدرسة السلوكية هذا الطموح العلمي، خاصة مع بورهوس سكينر الذي اعتبر التعلم عملية يمكن تفسيرها وضبطها عبر التحكم في السلوك والمثيرات (Skinner, 1938). وبذلك أصبحت التربية موضوعًا قابلًا للتقنين والقياس، مثلها مثل الظواهر التجريبية.
غير أن القسم المدرسي ظل يقاوم هذا الاختزال؛ لأنه فضاء بشري تحكمه العلاقات والانفعالات والسياقات الاجتماعية المتغيرة. فالتعلم لا يحدث داخل مختبر معزول، بل داخل شبكة معقدة من التفاعلات الإنسانية.

2. تشكّل السلطة البيداغوجية:

في الممارسة اليومية، لا يخضع المدرس فقط لتقييم نتائجه، بل لتقييم لغته المهنية نفسها. وهنا تتحقق أطروحة بيير بورديو حول السلطة الرمزية، حيث تصبح الشرعية المهنية مرتبطة بامتلاك الخطاب المشروع داخل الحقل (Bourdieu, 1991).
فالمدرس مطالب بأن:
يتحدث بلغة الكفايات
يبني وضعيات مشكلة
يبرر اختياراته نظريًا حتى قبل إثبات أثرها الفعلي
تتحول البيداغوجيا بذلك من أداة تفسير إلى معيار اعتراف مهني. فالذي لا يتقن الخطاب السائد قد يُنظر إليه بوصفه متأخرًا بيداغوجيًا، حتى وإن كانت ممارسته التعليمية فعالة.

3. الخطاب التربوي وإعادة إنتاج المجتمع:

أظهر باسيل برنشتاين أن تنظيم المعرفة المدرسية يعكس دائمًا شكل النظام الاجتماعي (Bernstein, 1971). فالمناهج لا تنقل المعرفة فقط، بل تحدد أيضًا نوع الذات التي يسعى المجتمع إلى إنتاجها.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم صعود بيداغوجيا الكفايات في سياق اقتصادي عالمي يبحث عن فرد:
مرن
قابل للتكيف
مستعد للتعلم الدائم
وهكذا تصبح التحولات البيداغوجية جزءًا من إعادة تشكيل الإنسان الاجتماعي، لا مجرد تحسين تقني للتعليم.

4. العقل الأداتي ووهم القياس:

سعي علوم التربية إلى إثبات علميتها عبر المؤشرات والتقويمات يعكس ما وصفه يورغن هابرماس بهيمنة العقل الأداتي، حيث تتحول الظواهر الإنسانية إلى موضوعات قابلة للإدارة التقنية (Habermas, 1981).
فالذي يُقاس في المدرسة ليس التعلم العميق، بل مظاهره القابلة للرصد. وبمرور الوقت، يبدأ النظام التربوي في تفضيل ما يمكن قياسه على ما يستحق التعلم فعلًا. ويتجلى ذلك في انتشار بطاقات تقييم الكفايات والمؤشرات السلوكية التي لا تعكس دائمًا الفهم الحقيقي للمتعلمين.

5. من التعلم إلى العرض: المدرسة كمسرح اجتماعي

عندما يصبح الاعتراف المؤسسي مرتبطًا بما يمكن عرضه، تنتشر أشكال تعليمية ذات طابع استعراضي: الدرس الشاهد، المشروع النموذجي، الهاكتون التربوي.
يمكن قراءة هذه الظواهر عبر تحليل إرفنغ غوفمان للتفاعل الاجتماعي باعتباره أداءً موجّهًا لإدارة الانطباع داخل فضاءات المراقبة (Goffman, 1959). فالأفراد داخل المؤسسات لا يقدمون فقط أفعالهم، بل يقدمون صورة هذه الأفعال أيضًا.
في هذا السياق، لا يعود الهدف إنتاج المعرفة فقط، بل إنتاج صورة التعلم.

6. نحو مفهوم: التضخم البيداغوجي

ما تكشفه هذه القراءة الأركيولوجية هو ظاهرة أعمق يمكن تسميتها بـ التضخم البيداغوجي.
ويقصد به وضع تصبح فيه المدرسة منتجة متزايدة للخطابات والنماذج والمفاهيم التربوية، في الوقت الذي يبقى فيه التحول الفعلي في التعلم محدودًا أو بطيئًا.
في هذا السياق:
تتكاثر النظريات
تتوسع المصطلحات
تتضاعف أدوات التقويم
بينما يشعر الفاعلون التربويون بازدياد العجز العملي. فالتضخم هنا لا يعني بالضرورة تطور المعرفة، بل اتساع المسافة بين الخطاب والممارسة. ويتجلى ذلك بوضوح في العبء الإداري المتزايد المفروض على المدرسين.

خاتمة: إعادة تواضع علوم التربية

لا تحتاج المدرسة إلى قطيعة مع علوم التربية، بل إلى إعادة تواضع إبستمولوجي يعيد النظرية إلى وظيفتها الأصلية: تفسير الواقع لا استبداله.
كما يذكّر إدغار موران، فإن فهم الظواهر المعقدة يقتضي قبول اللايقين بدل إخفائه خلف نماذج جاهزة (Morin, 2000).
ربما يبدأ الإصلاح الحقيقي حين تتوقف المدرسة عن البحث الدائم عن البيداغوجيا المثالية، وتبدأ في فهم شروط الممارسة الواقعية. عندها فقط تصبح علوم التربية معرفة بالتعليم، لا خطابًا يحلّ محلّه.

المراجع:

1. Bernstein, B. (1971). Class, Codes and Control, Vol. 1: Theoretical Studies Towards a Sociology of Language. London: Routledge.

2. Bourdieu, P. (1991). Langage et pouvoir symbolique. Paris: ditions du Seuil.

3. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: Presses Universitaires de France.

4. Foucault, M. (1972). L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard.

5. Goffman, E. (1959). The Presentation of Self in Everyday Life. New York: Doubleday.

6. Habermas, J. (1981). Théorie de l’agir communicationnel. Frankfurt: Suhrkamp.

7. Morin, E. (2000). La tête bien faite : Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris: Seuil.

8. Skinner, B. F. (1938). The Behavior of Organisms: An Experimental Analysis. New York: Macmillan.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال