بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اتفاق مكة: هل بدأ الشرق الأوسط صناعة أمنه بنفسه؟

2026-08-08 28 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
اتفاق مكة: هل بدأ الشرق الأوسط صناعة أمنه بنفسه؟
اتفاق مكة: هل بدأ الشرق الأوسط صناعة أمنه بنفسه؟
ثمة أحداث تبدو، في لحظة وقوعها، مجرد أخبار سياسية عابرة، ثم يتبين، بعد سنوات، أنها كانت علامات على تحول أعمق في بنية الإقليم. وربما يكون الاتفاق الدفاعي الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان واحدًا من هذه الأحداث.
فالقيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن فقط في أن ثلاث دول أعلنت أن الاعتداء على إحداها سيُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع، وإنما في أن الدول الثلاث تنتمي إلى دوائر جغرافية واستراتيجية مختلفة، وتمتلك، في الوقت نفسه، عناصر قوة تجعل جمعها داخل إطار أمني مشترك ذا دلالة تتجاوز حدود الاتفاق نفسه.
تركيا قوة عسكرية وصناعية صاعدة، والسعودية قوة اقتصادية وسياسية ودينية مركزية، وباكستان قوة عسكرية نووية تمتلك موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية في جنوب آسيا. وعندما تلتقي هذه القدرات في صيغة دفاعية واحدة، فإن السؤال لا يعود فقط: ماذا تريد الدول الثلاث من بعضها؟ بل يصبح: أي شرق أوسط، وأي فضاء آسيوي وإسلامي، يجري تشكيله؟
نهاية المظلة الواحدة
لعقود طويلة، قام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط على قاعدة شبه ثابتة: الولايات المتحدة هي القوة الخارجية الرئيسية التي تضمن التوازن، بينما تتوزع الأدوار بين الحلفاء المحليين. لكن هذه الصيغة بدأت تتعرض للاهتزاز.
فالحروب الأخيرة، وتطور القدرات العسكرية الإيرانية، وصعود تركيا، وتزايد استقلالية السعودية، وتنامي الشكوك حول حدود الالتزام الأمريكي، وظهور إسرائيل باعتبارها قوة عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية كبيرة، وإن كانت لا تزال تعتمد بدرجة أساسية على الدعم الأمريكي، كلها عوامل دفعت القوى الإقليمية إلى التساؤل عما إذا كان الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة لا يزال خيارًا آمنًا.
ومن هنا يمكن فهم الاتفاق الثلاثي باعتباره جزءًا من تحول أوسع: القوى الإقليمية تريد أن تمتلك قدرة أكبر على حماية مصالحها بنفسها.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة خرجت من المنطقة. على العكس، ستظل واشنطن لاعبًا رئيسيًا، لكن طبيعة الدور قد تتغير من إدارة مباشرة لكل تفاصيل الأمن الإقليمي إلى دعم ترتيبات أمنية تتحمل فيها القوى الإقليمية نفسها جزءًا أكبر من العبء.
وبعبارة أخرى، قد تكون المنطقة أمام انتقال من «الأمن الأمريكي في الشرق الأوسط» إلى «أمن إقليمي مدعوم أمريكيًا». وهذا فرق استراتيجي كبير.
تركيا: من حافة النظام إلى مركزه
في هذه المعادلة، تحتل تركيا موقعًا خاصًا.
فأنقرة لم تعد تتصرف باعتبارها مجرد عضو في منظومة غربية، كما لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط من خلال علاقاتها مع واشنطن أو أوروبا فقط. وخلال السنوات الماضية، بنت تركيا شبكة واسعة من العلاقات مع روسيا وإيران ودول الخليج وآسيا الوسطى، وطورت صناعتها الدفاعية، وسعت إلى امتلاك أدوات أكثر استقلالًا للحركة.
ولذلك فإن انخراطها في اتفاق دفاعي مع السعودية وباكستان لا يعني عودة الدولة العثمانية، كما يذهب بعض الخطاب السياسي، لكنه يعكس شيئًا آخر أكثر أهمية: عودة تركيا كقوة مركزية في حسابات الأمن الإقليمي.
تركيا الحديثة ليست الخلافة العثمانية، لكن الجغرافيا التي صنعت قوة الدولة العثمانية لم تختفِ.
فالموقع نفسه ما زال موجودًا، والممرات نفسها ما زالت حيوية، والبحار والحدود والأسواق لم تتغير إلا في تفاصيلها.
ولهذا فإن ما يعود ليس الخلافة، وإنما الجغرافيا السياسية التي تسمح لتركيا بلعب دور أكبر من حدودها الوطنية.
السعودية: من الحماية إلى الشراكة
أما السعودية، فإن تحولها أكثر إثارة للاهتمام.
فالرياض، التي كانت لعقود تعتمد بصورة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية، أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر استعدادًا لتنويع علاقاتها الدولية، وبناء علاقات مع الصين وروسيا وتركيا وغيرها، والسعي إلى تحقيق هامش أوسع من الاستقلال الاستراتيجي.
ومن هذه الزاوية، فإن التعاون الدفاعي مع تركيا وباكستان يمكن أن يكون جزءًا من سياسة سعودية أوسع تقوم على تنويع مصادر القوة والحماية، بدل الارتهان إلى مصدر واحد.
والمسألة هنا لا تتعلق بانقلاب على الولايات المتحدة، بل بإعادة تعريف العلاقة معها.
السعودية لا تحتاج إلى اختيار واشنطن أو أنقرة أو بكين؛ إنها تريد، على الأرجح، أن تمتلك القدرة على التعامل مع الجميع من موقع أكثر قوة.
باكستان: الحلقة التي توسع الجغرافيا
وجود باكستان في الاتفاق يمنحه بعدًا يتجاوز الشرق الأوسط. فإسلام آباد لا تضيف فقط قوة عسكرية كبيرة، وإنما تفتح الباب أمام ربط الخليج بالجنوب الآسيوي، وتضع الاتفاق في سياق جغرافي يمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا.
ان هذا الاتفاق قد يكون موجه بصورة غير مباشرة إلى محور يجمع الهند وإسرائيل والإمارات، فللهند علاقات استراتيجية متنامية مع إسرائيل والإمارات، و أن باكستان تراقب بعناية تطورات البيئة الأمنية في جنوب آسيا،
و إن تنويع التحالفات أصبح جزءًا من استراتيجية الدول الكبرى والمتوسطة في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب.
وماذا عن إيران؟
هنا تظهر المفارقة الأهم.
إذا كان الاتفاق مجرد حلف مضاد لإيران، فإن الترحيب الإيراني بأي تقارب بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد يبدو متناقضًا. لكن التناقض يختفي عندما نفهم طبيعة السياسة الإقليمية الجديدة.
إيران نفسها تربطها علاقات مع تركيا وباكستان، وفي الوقت ذاته تحاول تحسين علاقاتها مع السعودية. ولذلك فإن طهران قد ترى في قيام ترتيبات إقليمية جديدة فرصة للحوار، وليس بالضرورة تهديدًا وجوديًا.
وهذا يعني أن الشرق الأوسط يتحرك تدريجيًا بعيدًا عن منطق «معنا أو ضدنا»، نحو منطق أكثر تعقيدًا: نتنافس في ملف، ونتعاون في ملف آخر.
وهذا ربما يكون أحد أهم ملامح الشرق الأوسط القادم.
إسرائيل: القوة التي تريد أن تصبح مركز النظام
في المقابل، لا يمكن قراءة المشهد من دون إسرائيل.
فإسرائيل لا تريد أن تكون مجرد دولة قوية داخل الشرق الأوسط؛ فالمشروع الذي تبلور خلال السنوات الأخيرة يطمح إلى تحويل التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي إلى عنصر مركزي في هندسة النظام الإقليمي وتحقق حلمها بان تكون كبرى باسطة سيطرتها من النيل إلى الفرات
ومن هنا جاءت فكرة «السلام بالقوة»: أن يصبح التفوق الإسرائيلي حقيقة استراتيجية تضطر بقية دول المنطقة إلى التعامل معها وفق موازين القوة الجديدة، في إطار ما ارتبط لاحقًا باتفاقات إبراهام ومسار التطبيع الإقليمي.
لكن السابع من اكتوبر 2023 أربك خططها و وضع العصي في عجلاتها فالقوى الإقليمية الكبرى باتت رافضة التعايش مع قوة إسرائيلية متفوقة، ولا تبدو مستعدة لقبول احتكار إسرائيلي للأمن الإقليمي.
وهنا يصبح اتفاق مكة مهمًا.
فإذا تطور التعاون بين تركيا والسعودية وباكستان، وإذا اتسعت دوائر التعاون مع دول أخرى، فإن ذلك قد يؤدي إلى إنتاج توازن يمنع تحول إسرائيل إلى القطب الأمني الوحيد في المنطقة.
وهذا يعني أن تعدد مراكز القوة، بطبيعته، يحد من احتكار أي قوة لمعادلة الأمن الإقليمي.

مصر الغائبة
ثم تأتي مصر.
غياب القاهرة عن الاتفاق ليس تفصيلًا هامشيًا، لأن مصر ما تزال إحدى الدول العربية الرئيسية، وتمتلك جيشًا كبيرًا وموقعًا استراتيجيًا يسيطر على قناة السويس، فضلًا عن ثقلها التاريخي والسياسي.
لكن عدم مشاركتها لا يعني بالضرورة أنها أصبحت خارج لعبة إعادة تشكيل المنطقة.
قد تكون القاهرة ببساطة أكثر حذرًا في الدخول في ترتيبات جديدة قبل أن تتضح اتجاهاتها، خصوصًا أن مصر مطالبة بالموازنة بين علاقاتها الخليجية، وصلاتها بالولايات المتحدة، وارتهانها لمواثيق كامب ديفيد.
لذلك قد يكون السؤال الحقيقي ليس: لماذا غابت مصر؟
بل: متى ستقرر مصر أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي أصبحت حقيقة لا يمكن الوقوف خارجها؟
غزة: الاختبار الأخلاقي والسياسي
وسط هذه الحسابات الاستراتيجية، تبقى غزة.
لقد دفعت غزة ثمنًا إنسانيًا هائلًا، وتعرضت مدنها ومؤسساتها وبنيتها التحتية لدمار واسع، فيما تكبدت المقاومة خسائر كبيرة.
لكن تحويل هذه التضحيات إلى انتصار جيوسياسي محدد يحتاج إلى قدر من الحذر.
فالتاريخ لا يقيس نتائج الحروب بعدد التحالفات التي تُعلن في اليوم التالي، وإنما بما تتركه من تغيرات طويلة الأمد في موازين القوة.
وقد تكون إحدى نتائج الحرب، بصرف النظر عن تقييم أطرافها، أنها دفعت المنطقة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن نفسه.
فالأمن الذي لا تستطيع دولة أن توفره لنفسها بالكامل، والأمن الذي يعتمد على قوة خارجية يمكن أن تتغير أولوياتها، يدفعان حتمًا نحو البحث عن بدائل.
وهنا تلتقي غزة، بصورة غير مباشرة، مع اتفاق مكة: كلاهما كشف هشاشة النظام الأمني القديم، وأعاد طرح السؤال حول قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها في بيئة استراتيجية شديدة التقلب.
ليست عودة عثمانية
من السهل أن يغري المشهد البعض بالقول إن تركيا تستعيد إرثها العثماني، وإن اتفاق مكة يمثل عودة إلى زمن السلطان عبد الحميد أو أرطغرل.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
لا يمكن لتركيا الحديثة أن تعيد إنتاج الخلافة العثمانية، ولا تريد السعودية أن تصبح جزءًا من مشروع إمبراطوري، ولا يمكن لباكستان أن تختزل سياستها الخارجية في إطار تركي.
ما يحدث أكثر واقعية وأقل رومانسية:
ثلاث دول ذات ثقل كبير تتجه إلى بناء شبكة مصالح أمنية مشتركة.
وهذا، بحد ذاته، كافٍ ليكون تحولًا مهمًا.
الشرق الأوسط متعدد الأقطاب
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم.
الشرق الأوسط لا يتجه بالضرورة إلى حلفين متقابلين، بل إلى شبكة من القوى والتحالفات المتداخلة.
تركيا تتعاون مع السعودية وتختلف معها في بعض الملفات.
السعودية تطور علاقاتها مع تركيا والصين والولايات المتحدة في الوقت نفسه.
تركيا تتعاون مع إيران وتتنافس معها.
باكستان تحافظ على علاقاتها مع الخليج وإيران والصين، وفي الوقت ذاته تراقب الهند وإسرائيل.
والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على نفوذها من دون تحمل كل أعباء النظام الأمني بنفسها.
أما إسرائيل، فقد تجد نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتراجع فيها إمكانية احتكارها لمعادلة الأمن أو تحويل تفوقها العسكري إلى مركز وحيد للنظام الإقليمي.
إن الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج تتحرك فيها القطع بأوامر لاعب واحد.
إنها رقعة بدأت فيها القطع نفسها تتعلم كيف تحرك بعضها بعضًا.
وهذا هو المعنى الأعمق لاتفاق مكة.
ليس أنه إعلان عن عودة العثمانيين، ولا أنه إعلان عن نهاية النفوذ الأمريكي، ولا أنه ولادة فورية لحلف إسلامي.
إنه، قبل كل شيء، إشارة إلى أن قوى المنطقة بدأت تدرك أن العالم يتغير، وأن البقاء في النظام الجديد لن يكون ممكنًا بالاعتماد على قوة واحدة.
لقد كانت المعادلة القديمة تقول:
الأمن يأتي من الخارج.
أما المعادلة التي تتشكل الآن فتقول:
الأمن يبدأ من الداخل، ثم تُبنى الشراكات من موقع القوة لا من موقع الحاجة.
وإذا نجح اتفاق مكة في التحول من إعلان سياسي إلى تعاون دفاعي واستخباراتي وصناعي واقتصادي مستدام، فقد يكون واحدًا من اللبنات الأولى في بناء هذه المعادلة الجديدة.
عندها لن يكون السؤال: هل عاد العثمانيون؟
ولا: هل ماتت الهيمنة الأمريكية؟
ولا: هل وُلد حلف سني؟
بل سيكون السؤال الأكثر دقة:
هل بدأ الشرق الأوسط، للمرة الأولى منذ عقود، في صناعة نظامه الأمني بأيدي قواه الإقليمية نفسها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان اتفاق مكة مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، أم بداية فصل جديد في تاريخ المنطقة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال