بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

إثنان لا يصلحان للحكم : الملالي والعسكر

2026-08-04 75 قراءة مقالات رأي د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لم أصل لهذه النتيجة بسهولة، بل هي عملية وعي استغرقت سنوات، فأنا لا أوافق على اي نظرية كمسلمة نهائية إلا بعد فحص وتمحيص دقيقين. قرأت فيها وشاهدت وسمعت، مستخدما حواسي الخمسة، فالجندي العربي المسلم، نحن مدينون له بما لا قدر لنا على فكه، الجندي العربي / المجاهد، حمل الراية بإخلاص حتى الموت في أصقاع الأرض، عدد لا يحصى من القبور المجهولة للجندي، تجعلنا نقف له بأحترام وتبجيل. الجندي هو الوالد والاخ وأبن العم وأبن الخال، والجار والصديق، كل مواطن مخلص هو جندي مقاتل / محارب في جيش الاحتياطي للوطن، لا يصلح لإدارة عمليات سياسية / اجتماعية / اقتصادية معقدة تستلزم دراسات وبحث، وتدريب طويل الأجل، مكلف اقتصادياً. أما المتطفلون على السياسة، فيتشابهون مع بعض القادة العسكريين الفاشلين، ممن يصلحون أن يكونوا ضباط مراسم لا غير.

الجندي حامل السيف البتار، المجاهد المجالد هو غير السياسي، الذي يقلب الامر على وجوه كثيرة ليستقر عند أقلها ضرراً، وأكثراً نفعاً. سلاحه هو صولجان الحكمة، ويفضل النجاح الاقل الأبيض، على النصر الذي تسيل من جوانبه الدماء. الجندي هو ممثل القوة ورمزها، وخيار الامة حين تنهض تدافع عن حياضها، وحين تشاهد جنديا يرفل بنفيس الثياب، ويأكل لذائذ الطعام وينام تحت المكيف، فأعلم أن أخينا قد هجر السيف وآثر وأستكان للراحة والدعة. وقادة الجيوش (رؤساء الأركان، وقادة الفرق، حتى في العراق لوقت قريب) كانوا يسكنون في المعسكرات، وقد قابلت شخصيا رئيس اركان الجيش الألماني ومكتبه بمقره في معسكر في ضاحية العاصمة، لا تلوح عليه أي من علامات الرفاهية.

أما الملا فهو رجل الدين، حامل راية الشرع، لا يقبل بأقل من الحذافير، والتفاصيل، ولكن هذا أمر يحتمل الغش كما كوتنا التجارب بنارها، وشاهدنا ولمسنا بأنفسنا، فرجل الدين حين يتفلسف، تضيع منه المشيتان فيبقى مخلصاً لخصائص رجل الدين، ولا يتحول لسياسي. وحين يتعاطى رجل الدين القضايا الفكرية، وبدرجات حاسمة، يخرج من جبه رجل الدين، ويرتدي عباءة الفيلسوف، كما فعل الغزالي، أبو حامد (/ 1058   1111م) وما كاد أن يمد يده لصحن السياسة، حتى أتهموه بالدهرية، وراح البعض لأكثر من ذلك. وأبن رشد شنعوا به وما يزالون، وحتى أبن خلدون لم ينج من ألسنة وأقلام بعضهم. بل وفي أوربا لم يفلح القس الإيطالي توما الاكويني (ولد عام 1225  وتوفي في السابع من مارس/آذار 1274)) في مساعيه الفلسفية حين حاول يقرب المسافة بين الفلسفة والدبن، فاطلقوا على مدرسته(السكولاستية / Scholastic). وفشلت مساعيه وفي النهاية لم يقبل به الفلاسفة، فيما أعتبرته بعض اوساط الكنيسة خارجا عن الدين.

في تجربتنا العراقية، مر علينا في السجن الآلاف ممن يعملون في الحركات السياسية / الدينية، ومن كافة الأطياف والألوان، فيهم المثقفون دينيا بعلوم الشرع، وهم أقلية قليلة جداً، ولكن الاكثرية هم من المتأثرين عاطفياً، وخارج هذه الإطار لا شيئ سياسي / مادي. في حين كان المعارضون من الاحزاب اليسارية، يعملون على تطوير أنفسهم يومياً وبصفة متواصلة، وخلق تراكم ثقافي، سياسي/ اقتصادي، فلسفي، أدبي، وللأسف جماعات التيارات الدينية لم يكونوا يفعلوا ذلك.

كان في السجن شخصية دينية تقترب من مرحلة المجتهد، وبالطبع كان موضع أحترام إدارة السجن والسجناء على السواء، وكانت لي معه علاقة احترام وتقدير، ولم يكن يزور سجيناً في زنزانته بأستثناء لقاءاتنا المستمرة، وكان رحمه الله يستأنس بأرائي، وبصراحتي، وذات يوم قلت له :" سيدنا، في المدرسة يدرس الاقتصاد السياسي في مرحلة الثانوية 3 سنوات، وكلية الاقتصاد 4 سنوات، والماجستير 2 / 3 سنوات، والدكتوراة 4 / 5 سنوات، المجموع 15 عاماً يدرس الطلبة الاقتصاد على أيدي اساتذة مختصون، ومع ذلك هناك 28 تخصص في الاقتصاد، بعضها لا علاقة لها بالفروع الاخرى، وأنا درست في الجامعة الاقتصاد الدولي، واقتصاد التخلف / التنمية، وبعضا من الاقتصاد السياسي للرأسمالية ومع ذلك هناك فروع تكاد معلوماتي عنها لا تزيد عن بضعة سطور فقط، : ك/ علم المالية العامة، والإحصاء، والتخطيط ... فكيف تعتقد بصلاحية أفكار من يكتب في الاقتصاد من البيت ...؟

أبتسم السيد المجتهد، وربما فسر ما اقول بما يدور في رأسه، والواقع ان مقصدي كان شاملاً، فاليوم هو يوم تخصص، بل وتخصص دقيق، والخوض فيما لست متخصصا به، قد يقودك لخطأ فاحش يصعب تدارك نتائجة وآثاره. وها نحن نشاهد كيف دمر الملالي بلادهم وحيثما استطالت أياديهم الغير مباركة، فعاثوا فساداً وأمعنوا في غيهم، كما نشاهد أن ضابطاً يفترض أن يكون على درجة من الثقافة لأنه تعلم ودرس الدراسات العليا في كليات أجنبية راقية، إلا أنه وبتعمد مذهل غطست البلاد في أزمة ديون لا حل لها، ويندر أن نجد في تاريخ الشعوب والدول، قيادة عسكرية لا تجيد سوى فن الحرب، أما تطوير البلاد فمن شأن غيرهم. حدث هذا في الارجنتين، وفي أماكن أخرى، ونادر جداً في التاريح نجم عن تدخل العسكر خير في السياسة في جميع أرجاء العالم، ليس لأنهم غير مخلصون، بل لأنهم جوهرياً درسوا وتدربوا ولقنوا عقائد هي غير عقائد السياسة، واحيانا مناقضة لها.

وبأسف تقول أن نماذج من ضباط وقادة عسكريون كانوا قمماً في الوطنية، ولكنهم لم يحققوا النجاح في العمل السياسي. وهذا يسري حتى على صعيد التجارب العالمية. فنابليون بونابارت، كان ربما قائداً عسكرياً ناجحاً، ولكنه لم ينجح في إدارة الدولة، وأودى بثورة عظيمة كالثورة الفرنسية الكبرى، وحولها لمكتسبات فردية. وفي الولايات المتحدة حاول الجنرال اللامع ماك أرثر بعد نجاحاته المدوية في شرقي آسيا: الفلبين واليابان وكوريا، التدخل في السياسة، ولكن مساعيه فشلت ورفضت، وبنسبة أقل كان حظ الجنرال الكسندر هيغ، رئيس الاركان الذي أصبح وزيراً للخارجية، وحاول أن يقود الوزارة كما يقود فيلقاً من المدرعات، ففشل وأستبعد.
ولكن الأمر لا يخلو من أستثناءات نادرة في كل مكان، فهناك من يتمتعون بالذكاء والقدرات غير الاعتيادية، فهناك شخصيات عسكرية نجحت في تطوير ذواتهم، وبرعوا في العمل السياسي كما العسكري. أو عسكريين هجروا العمل العسكري، بل أن بعضهم مال للعمل السياسي والدبلوماسي، أي أنهم أقتنعوا بعمق، (طواعية أو إرغاماً) أن الدولة والعمل السياسي / الدبلوماسي، يحتاج لرجال يقبلون بالحلول التوفيقية (Compromise politician) وليس بالحلول المطلقة، الشاملة. ولكن هذه ليست قاعدة عامة.
التجارب التي مررنا بها تستحق الرؤية العميقة، وبأيدينا منظار مكبر، أو ربما حتى ميكروسكوب، وأن نصارح أنفسنا، وأن نمتلك الجرأة الأدبية لنقول ما يدور في خواطرنا، فالكارثة الإيرانية ، كارثة رهيبة بكل المقاييس، لا ينبغي أن تترك دون دراسة عميقة والأهم .. صريحة، فالملالي دمروا بلداً كان مؤهلاً لأن يكون من أفضل بلدان آسيا، وكذلك التجربة السورية حين نجح رفيق حزبي كان مخلصا للحزب، ولكن في الحصيلة (بقصد أو بغير قصد) دمر الحزب والبلد معاً، وفي مصر كان عبد الناصر عسكريا مخلصا لمصر والأمة العربية دون أدنى ريب، ولكن النتيجة ماثلة أمامنا، فمن يحكم مصر اليوم، هم من منتجات ثورة 23 يوليو، الأوطان ليس بوسعها أحتمال تجربة أخرى، الآثار عميقة فلندرسها بعمق. لا أريد أن أحط من قيمة أي تجربة، ولا أن أرفع من شأن أخرى، فكل نظرية علمية ستفقد قيمتها، إن مالت إلى التقييم الغير موضوعي.
أناشد علماء ومفكري ومثقفي الأمة أن يتداعوا ويهبوا ويرفعوا اصواتهم، كفي لجعل اقطارنا ميدان تجارب، لقد دفع شعبنا في جميع أقطاره ثمناً باهضاً، للدكتاتوريات العسكرية أو المغلفة بالعسكرية، ولطغيان نظام الملالي (كمؤسسة دينية) المغلف بالدين. نحن نتحدث عن النتبجة.
في الحياة السياسية مرت علينا أصناف من البشر، ممن التحموا بقضاياهم السياسية من العسكريين خصوصاً، فنجحوا ان يكونوا سياسيين التحموا بمفردات السياسة وشروطها، ولكني أستبعد أنهم بقوا في نفس مستواهم الذهني العسكري، بل تحولوا لقادة سياسيين التحموا بالنظم السياسية في بلدانهم.. وهذا يحصل في بلداننا وفي مناطق أخرى في العالم. وكمثال أن الجنرال فرانكو / ديكتاتور اسبانيا رغم أنه أستولى على الحكم منذ 1936 وحتى 1975 (40 عاماً) لم يستطع التحلي على نزعة الحكم العسكرية (الطغمة/ ) وأسبانيا لم تكم ملكية ولا جمهورية، كانت فرانكو فحسب. والامثلة كثيرة قديما وحديثاً.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال