بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

بنزرت 1961 و ثمن الشرعية المذبوحة

2026-07-15 39 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بنزرت 1961 و ثمن الشرعية المذبوحة
تلوح بنزرت من بعيد كجرح قديم مفتوح على البحر تتلاطم عند صخورها أمواج المتوسط الحاملة لروائح الملح والبارود كأنها تحاول غسل ذكريات لم تندمل بعد.
في جويلية 1961 لم تكن هذه المدينة الساحلية الحالمة مجرد جغرافيا تونسية تفصل البر عن اليم بل كانت مسرحا لواحدة من أعنف تراجيديات القرن العشرين في شمال إفريقيا حيث تداخلت دماء الهواة بذكاء الساسة والتقت حسابات الجلاء الحتمي بأسرار مظلمة ومسكوت عنها طويلا في ردهات التاريخ وسجلات المخابرات.
تفكيك هذه الملحمة الدامية يتطلب تجريدها من هالتها الاحتفالية الرسمية والغوص عميقا في الأرشيفات العسكرية والدبلوماسية حيث تتبدى اللعبة الجيوسياسية المعقدة التي دارت رحاها في الغرف المغلقة وعبر كوابل الاتصال العابرة للقارات لتكشف أن الوطن والشهداء والسيادة كانت مفردات ثقيلة في معادلة القوة والمناورة السياسية.
لم يكن الصدام العسكري في بنزرت وليد صدفة عابرة أو حماس وطني مفاجئ بل سبقته اختلاجات سوسيو اقتصادية دافئة بلغت حد الغليان في مطلع عام 1961 إذ كانت تونس ترزح تحت وطأة ضائقة اقتصادية خانقة عمقها جفاف قاس ومواسم حصاد بائسة تركت الأرياف والمدن تعج بالجياع والمتململين من سياسات النظام الوليد.
في تلك اللحظات الحرجة كان الرئيس الحبيب بورقيبة بحاجة إلى صدمة وطنية كبرى تعيد ترتيب الأولويات الداخلية وتوجه السخط الاجتماعي المتصاعد نحو عدو خارجي ملموس فكانت قاعدة بنزرت العسكرية هي المخرج المثالي والراية التي يمكن الالتفاف حولها لتجديد الشرعية وامتصاص الغضب الجماهيري.
وفي المقابل لم تكن بنزرت في عقيدة الجنرال شارل ديغول مجرد نقطة ارتكاز بحري عادي بل ركيزة أساسية في الدفاع الاستراتيجي والبرنامج النووي الفرنسي الناشئ الذي دشن تجاربه الأولى في الصحراء الجزائرية عبر تفجير اليربوع
الأزرق في ريجان في فيفري 1960.
صممت بنزرت هندسيا وميكانيكيا لتكون حصنا قادرا على تحمل الهجمات بأسلحة الدمار الشامل وإدارة العمليات البحرية والجوية الكبرى في حوض المتوسط مشكلة مع قاعدة تولون وقاعدة المرسى الكبير في الجزائر مثلثا استراتيجيا يضمن الهيمنة الفرنسية حتى إن رئيس الوزراء الفرنسي جورج بومبيدو وصف المرسى الكبير بأنها جبل طارق الفرنسي ولم يغب حلف شمال الأطلسي عن المشهد البنزرتي إذ كانت القاعدة تضم مركز قيادة وإنصات إلكتروني فريد يرتبط بكبل كواكسيال بحري مباشر مع قاعدة القوة الجوية الاستراتيجية الأمريكية في النواصر بالمغرب لضمان التنسيق الدفاعي ضد أي زحف سوفيتي محتمل.
ورغم أن مرسى الكبير حظيت بتمويل وتطوير مالي تفوق على بنزرت بين عامي 1951 و1955 نظرا لتحصيناتها الصخرية الطبيعية فإن بنزرت ظلت عصب الاتصال والإنصات الأكثر حساسية للأمن القومي الفرنسي.
وجاءت شرارة المواجهة المباشرة عندما شرعت الإدارة الفرنسية للقاعدة في توسيع وتمديد مدرج الطائرات في مطار سيدي أحمد العسكري بمقدار 100 متر دون إذن السلطات التونسية فاعتبره بورقيبة انتهاكا صارخا وتحديا مباشرا أطلق على إثره إنذاره الشهير بضرورة إخلاء القاعدة قبل منتصف ليل 19 جويلية 1961.
تحركت الآلة العسكرية الفرنسية بكامل جبروتها وبتفوق تكتيكي هائل تحت إمرة الأميرال موريس عمان معتمدة على قوات النخبة من المظليين الفائقين في التدريب والمجربين في حرب الجزائر من فيالق المشاة البحرية الثاني والثالث. وفي المقابل أظهر التخطيط العسكري التونسي فجوة عميقة بين طموحات القيادة السياسية والجاهزية الميدانية للجيش الوطني الناشئ الذي واجه نقصا حادا في العتاد والتدريب والاتصال.
وضعت تونس في الجبهة قوات عسكرية محدودة قوامها 12 كتيبة مشاة كانت ثلاث كتائب منها ملتزمة بمهمة حفظ السلام في الكونغو وتوزع الباقون على محاور بنزرت ومنزل بورقيبة وتونس وضم الفوج المدرع المختلط التونسي
450 فردا فقط مدعومين بخمس دبابات خفيفة من طراز إم
24 وخمسة مدافع هوبيتزر إم 8 و14 عربة مدرعة و
22 ناقلة نصف مجنزرة لحماية المعابر ومحاور الطرق.
أما مجموعة المدفعية فكانت تحت قيادة الرائد البجاوي وتضم 950 فردا بـ 12 مدفعا عيار 105 مم طراز إتش إم2
وأربعة مدافع عيار 105 مم طراز إل إف إتش و16 قطعة مضادة للدروع عيار 17 رطلا لحصار المطار والقاعدة
وفي ظل هذا الهيكل العسكري الهش أقدمت السلطة السياسية على خطوة مأساوية بتعبئة نحو 6,000 شاب من متطوعي خلايا الشبيبة الدستورية التابعة للحزب الحاكم وتم إرسالهم إلى الجبهات في بنزرت ومنزل بورقيبة دون أي تدريب عسكري حقيقي ولم يتلق سوى 1,000 متطوع منهم بنادق خفيفة بينما وجه الباقون لحفر خنادق بدائية حول سياج مطار سيدي أحمد وقاعدة البشيرية لشل حركة الآليات والدبابات الفرنسية وهو ما اعتبره الخبراء العسكريون لاحقا بمثابة انتحار جماعي وزج بصدور عارية أمام نيران الطيران والمدفعية الثقيلة.
مع انقضاء مهلة الإنذار التونسي في منتصف ليل 19 جويلية 1961 انطلقت الشرارة الأولى عندما أطلقت مدفعية الهاون التونسية أولى قذائفها على مطار سيدي أحمد العسكري ونجحت في تدمير طائرة نقل عسكرية فرنسية من طراز نور أطلس وإلحاق أضرار بطائرات رابضة على المدارج موقعة قتيلين و23 جريحا في صفوف الفرنسيين غير أن الرد الفرنسي جاء صاعقا ومعدا بدقة مسبقا تحت اسم عملية العربة القصيرة والتي اعتمدت على الإنزال الجوي المكثف. ففي ظهيرة يوم 20 جويلية أقلعت طائرات النقل الفرنسية من قواعدها في البليدة وسيدي فرج بالجزائر لتلقي بآلاف المظليين مباشرة فوق مطار سيدي أحمد وقرب القنال والجويلت تحت غطاء ناري كثيف وفرته مقاتلات الميسترال والكورساير التابعة لسلاح الجو والبحرية الفرنسية.
ورغم المقاومة الشرسة والكمائن التي نصبتها فصائل من الحرس الوطني والجيش التونسي فإن تفوق التدريب والغطاء الجوي الفرنسي حسم الموقف سريعا وخرج المظليون لتطهير محيط القاعدة وتمددوا نحو وسط مدينة بنزرت لتتحول المواجهات إلى حرب شوارع دموية.
وفي قطاع منزل بورقيبة وسيدي عبد الله واجه المظليون واللجنيون مقاومة عنيفة حول ثكنات الجيش والأرسنال العسكري إلا أن الهجمات الفرنسية نجحت في تفتيت الدفاعات وتطويق الوحدات وعزلها تماما.
وارتبطت هذه المعارك ببطولات فردية ومآس حفرت في الذاكرة الشعبية حيث برز اسم الرائد محمد بن حميدة البجاوي قائد سلاح المدفعية الذي تسلل إلى بنزرت خفية مرتديا ملابس مدنية زرقاء بسيطة هربا من الحصار وقبيل انطلاقه قال لوالدته في كلمات لخصت مرارة الموقف العسكري إن سي الباهي الأدغم لم يفهمه وأرسله إلى الموت المحتوم ورغم ذلك قاد رجاله ببسالة فائقة في ساحة الشهداء بالمدينة حتى سقط شهيدا بنيران المظليين.
كما تسجل الذاكرة سقوط المناضلة الشابة حبيبة الجبالية جراء القصف الجوي على مسيرة نسائية تضامنية لتكون أولى الشهيدات .
ومع انهيار الدفاعات وسقوط ما يقرب من 70 بالمئة من المدينة تحت السيطرة الفرنسية تم التوصل لوقف إطلاق النار في 23 جويلية 1961 بتدخل وضغط دبلوماسي أمريكي ودولي مكثف.
خلف الانكسار العسكري المروع وراءه ملفا شائكا يتصل بالفارق الشاسع في إحصاء الخسائر البشرية وهو ما يعكس محاولات السلطة السياسية للتقليل من حجم الكارثة البشرية تفاديا لردود الفعل الشعبية الغاضبة فالبيانات الرسمية التي نقشت لاحقا على نصب مقبرة الشهداء ببنزرت حصرت الضحايا في حدود 630 شهيدا و1,555 جريحا ومع ذلك كشفت السجلات الطبية المستقلة وتحقيقات المؤرخين عن حصيلة دموية أثقل بكثير حيث تراوحت التقديرات بين 2,000 قتيل وفق تحليلات معاصرة و4,000 قتيل استنادا لأبحاث المؤرخ التونسي محمد لزهر الغربي الذي عزا هذا الرقم الهائل إلى دفن مئات المتطوعين المدنيين على عجل في مقابر جماعية دون تسجيل هوياتهم خلال الأيام الأولى للقتال وتحت وطأة القصف المستمر.
بينما ذهبت هيئة الحقيقة والكرامة التونسية إلى تحديد عدد الضحايا بـ 5,000 شهيد مستندة إلى أرشيف وتقارير العقيد البشير التركي مدير المخابرات التونسية الأسبق في عهد بورقيبة في حين حدد كتاب عبد المجيد شاكر الصادر عام 2011 عدد القتلى بـ 1,301 قتيلا مغفلا ملف المفقودين وشهد خلطا في التوثيق الجغرافي.
وسكتت الرواية الرسمية تماما عن ملف المفقودين الذين قدر تقرير للأمم المتحدة عددهم بنحو 1,000 مفقود تلاشت آثارهم دون تسجيل أسمائهم في السجلات الرسمية.
وعقب وقف إطلاق النار جرت عملية تبادل جزئية للأسرى في منطقة منزل جميل حيث بادل التونسيون 218 أسيرا فرنسيا مقابل استعادة 780 أسيرا تونسيا من بينهم 419 عسكريا و361 مدنيا قبض عليهم وهم يحملون السلاح.
لم يكن قرار خوض معركة بنزرت بالنسبة لبورقيبة عملا عسكريا مجردا بل تكتيكا جيوسياسيا شديد الدقة والجرأة لانتزاع شرعية دولية وإقليمية حاسمة.
ففي تلك الفترة كانت الأنظار تتجه صوب العاصمة اليوغوسلافية بلغراد التي استضافت المؤتمر الأول لحركة عدم الانحياز في سبتمبر 1961 وكان بورقيبة يواجه هجمات دعائية شعواء وعزلة نسبية في المحيط العربي الثوري ولا سيما من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان ينظر إليه كحليف مقرب للغرب وصنيعة للاستعمار بسبب بقاء قاعدة بنزرت البحرية فوق أراضي بلاده المستقلة.
ومن ثم أراد بورقيبة بدم معركة بنزرت إثبات راديكاليته الثورية وقطع الطريق أمام حملات التشويه الإقليمية وتداخل هذا التوجه مع محاولاته المستمرة لرسم الحدود التونسية الجزائرية الغنية بالنفط في الصحراء قبل أن تنال الجزائر استقلالها حيث كان يسعى لفرض واقع إقليمي جديد على طاولة المفاوضات مع ديغول.
ورغم تيقنه من أن كفة الصدام العسكري تميل بوضوح لفرنسا فإنه راهن بذكاء على تكتيك التدويل عبر الاصطدام الدموي إذ علم أن الوحشية المفرطة التي سيبديها جنود المظليين الفرنسيين أمام المدنيين العزل ستضع ديغول في عزلة أخلاقية ودبلوماسية خانقة أمام الأمم المتحدة والرأي العام الغربي وهو ما أدى في النهاية إلى تصويت الجمعية العامة لصالح الانسحاب الفرنسي وتمهيد الطريق للجلاء الكامل.
ولا يمكن عزل توقيت معركة بنزرت عن مسار الصراع الدامي على السلطة بين الحبيب بورقيبة والأمين العام السابق للحزب الحر الدستوري الزعيم صالح بن يوسف فقد كان التيار اليوسفي يمثل معارضة راديكالية مسلحة تتهم بورقيبة بالخيانة وبيع السيادة عبر توقيع اتفاقيات الاستقلال الداخلي المنقوصة عام 1955 والتي سمحت ببقاء الجيوش الفرنسية في بنزرت والجنوب ووظف بن يوسف من منفاه في القاهرة إذاعة صوت العرب لشن حرب معنوية وسياسية قاسية ضد بورقيبة متهما إياه بالتواطؤ مع فرنسا ضد الثورة الجزائرية. وجاءت معركة بنزرت لتمثل أداة استراتيجية لبورقيبة لسحب البساط بالكامل من تحت أقدام اليوسفيين من خلال تقديم نفسه في ثوب المحرر الفعلي الذي يقود المعركة الميدانية بنفسه ضد فرنسا.
وفي غمرة الانشغال التام للشعب التونسي بتداعيات بنزرت وجراحها النازفة جرت فصول تصفية صالح بن يوسف في ألمانيا الغربية في 12 أوت 1961.
وتشير السجلات الجنائية الألمانية والسويسرية إلى أن عملية الاستدراج تمت بنجاح بتنسيق قاده حميدة بن تربوط ابن أخت بن يوسف الذي حجز الغرفة في نزل بمدينة فيسبادن وهاتف خاله لإقناعه بوجود مبعوثين قادمين من تونس يحملون تفاصيل غاية في الأهمية والخطورة حول مسار معركة بنزرت وسبل تنسيق جهود المقاومة والمصالحة وعند وصول بن يوسف للغرفة تم تصفيته غدرا بإطلاق الرصاص عليه من الخلف من قبل عملاء الاستخبارات التونسية بقيادة البشير زرق العيون والقاتل المباشر عبد الله الورداني ولم تكشف التحقيقات الألمانية والسويسرية هوية الجناة الحقيقيين حينها جراء ضغوط جيوسياسية دولية وتدخل مباشر من سفير تونس في موسكو أحمد المستيري وسفير تونس في بون نجيب بوزيري الذي وجه تهديدا صريحا للسلطات الألمانية الغربية بأن تونس ستعترف رسميا بألمانيا الشرقية الشيوعية وتفتح سفارة لها في برلين إذا ما واصل الادعاء العام الألماني توجيه الاتهامات لنظام بورقيبة مما دفع الجانب الألماني والأمريكي لإغلاق الملف والتستر على الجريمة.
خلف الانكسار العسكري المروع في بنزرت والعدد الهائل للضحايا مرارة بالغة في نفوس الضباط الشبان وعناصر المقاومة المسلحة السابقة الذين شعروا بأن تضحياتهم تم استغلالها كأوراق مناورة سياسية لا قيمة لها لدى النظام. وأدى هذا الغليان المكتوم داخل صفوف الجيش التونسي الناشئ والحرس الوطني إلى ولادة أول محاولة انقلابية مسلحة لإطاحة نظام بورقيبة والتي عرفت تاريخيا بمؤامرة
ديسمبر 1962.
ففي سبتمبر 1961 أي مباشرة عقب المعركة وتصفية بن يوسف بدأت النواة العسكرية والأمنية للانقلاب تتشكل بقيادة مقاومين وعسكريين بارزين مثل الأزهر الشريطي وحبيب حنيني وساسي بويحي والضباط حبيب برقية وعبد الصادق بن نصر.
وأكد الباجي قائد السبسي الذي كان يشغل منصب مدير الأمن الوطني لاحقا أن مؤامرة 1962 كانت ارتدادا مباشرا وغضبة عسكرية تفجرت في أعقاب أحداث بنزرت وكان نجاحها كفيلا بالعصف بأركان النظام البورقيبي الناشئ.
وعند اكتشاف المؤامرة في 18 ديسمبر 1962 شن النظام حملة قمع واسعة النطاق أفضت إلى محاكمات عسكرية استثنائية انتهت بإعدام 11 من المتآمرين شنقا في جانفي 1963 ومن أبرز من صدرت بحقهم أحكام الإعدام رميا بالرصاص وتصفية شبكاتهم الأزهر الشريطي وحبيب حنيني وحبيب برقية والمقاوم عبد العزيز العكرمي في حين حكم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة على ساسي بويحي وبالأشغال الشاقة لمدة 20 سنة على العسكري علي بن بيشير بجاوي.
كما تم حظر الحزب الشيوعي التونسي وتعليق الصحف المعارضة وتعيين الباجي قائد السبسي مديرا للأمن الوطني بدلا من إدريس قيقة لإعادة ترتيب المنظومة الأمنية وقمع أي نفس ديمقراطي أو معارض داخل مفاصل الدولة وطالت الملاحقات رموزا وطنية ناصرت المقاومة مثل المناضل علي بن سالم علي كشوك الذي واجه السجن والتعذيب لسنوات في زنازين سجن برج الرومي الرهيب الذي شيده الفرنسيون عام 1932 وحولته الأنظمة التونسية المتعاقبة لمعتقل للمعارضين السياسيين.
بقيت كواليس معركة بنزرت حبيسة التكتم الرسمي لعدة عقود حتى فتحت هيئة الحقيقة والكرامة التونسية في عام 2014 باب التحقيقات الشاملة في انتهاكات حقوق الإنسان الممتدة من جويلية 1955 إلى ديسمبر 2013 واستقبلت الهيئة ما يزيد عن 650 شكوى ودعوى قانونية تتعلق تحديدا بالانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال أحداث بنزرت.
وتمكنت الهيئة من الوصول إلى وثائق ومراسلات عسكرية فرنسية سرية كشفت بالدليل القاطع عن انتهاك باريس الصارخ لاتفاقيات جنيف والعهود الدولية للحروب وأثبتت تلك الوثائق تورط قوات المظليين واللجيون في ارتكاب جرائم حرب ممنهجة شملت عمليات تصفية ميدانية فورية لمدنيين وأسرى تونسيين بعد تجريدهم من السلاح واستخدام القصف الجوي العشوائي وغير المتناسب على المنشآت الطبية والأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين العزل. وبناء على هذه المعطيات الدامغة رفعت رئيسة الهيئة سهام بن سدرين مذكرة تفاهم رسمية إلى قصر الإليزيه في جويلية 2019 تحمل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية والمادية والأخلاقية عن عدوان جويلية 1961مطالبة باعتذار رسمي علني للمستعمرة السابقة وتعويض مالي يقدر بـ 200 ألف دينار تونسي لكل عائلة من عائلات الشهداء والضحايا.
غير أن السلطات الفرنسية أبدت ممانعة دبلوماسية شديدة وصمتا حذرا تجاه هذه المطالب الرسمية وترجع هذه الممانعة إلى مخاوف فرنسية عميقة من أن إقرارها بالمسؤولية والتعويض في تونس سيفتح عليها أبوابا قانونية لا يمكن إغلاقها ومطالبات مماثلة من بقية مستعمراتها السابقة في إفريقيا وعلى رأسها الجزائر التي تطالب بملفات ثقيلة تتعلق بجرائم التعذيب والتجارب النووية في الصحراء.
ستظل بنزرت شاهدا على أن الدم حين يمتزج بالسياسة يضيع الحساب وتتعدد القراءات ويبقى الوطن متأرجحا بين قداسة الشهادة ومرارة اللعبة الاستعمارية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال