بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من رباط الحفصيين إلى قانون اللون: سيدي بوسعيد كدولة جمالية موازية

2026-04-13 61 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من رباط الحفصيين إلى قانون اللون: سيدي بوسعيد كدولة جمالية موازية
حين نلج محراب سيدي بوسعيد لا نلج مجرد قرية سياحية تتأنق لعدسات الغرباء بل نحن نقتحم الخزنة المركزية للذاكرة المتوسطية في أكثر تجلياتها صرامة وغموضاً .
هذا الجبل الذي يرتفع 126 متراً فوق سطح البحر ليس نتوءاً جغرافيا عابراً بل هو رادار روحي وعسكري بدأ تشكله منذ أن كانت قرطاج سيدة البحار وصولاً إلى اللحظة التي قرر فيها الشيخ أبو سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي المولود في باجة القديمة عام 1156 م أن يحول هذا المرتفع من حصن للمراقبة العسكرية إلى منارة للمراقبة الروحية.
المسكوت عنه في تاريخ هذا الجبل المسمى قديماً جبل المنار أو رأس قرطاج هو تلك التوأمة الغريبة بين السيف والسبحة وبين الرباط كفعل عسكري والخلوة كفعل صوفي حيث كان المريدون في القرن 12 والقرن 13 الميلادي هم أنفسهم حراس السواحل الذين يرقبون الأفق تحسباً لغارات القراصنة الصليبيين أو الأساطيل القادمة من جنوة وبيزا .
ولذلك فإن تسمية الولي برايس الأبحار لم تكن مجرد شطحة صوفية بل كانت رتبة عسكرية فعلية في نظام الدفاع الحفصي حيث كان الشيخ الذي توفي عام 1231 م يدير من قمته ما يمكن تسميته بالأمن القومي الروحي لتونس.
وإذا ما غصنا في أسرار هذا التكوين سنجد أن سيدي بوسعيد لم تكن يوماً ملكاً لمواطنيها بقدر ما كانت ملكاً لهذا التحالف بين البحر والسماء وبين السلطة الصوفية والسلطة السياسية التي رأت في هذا الجبل حائط صد أيديولوجي ومادي في آن واحد .
ومع رحيل الشيخ الباجي بدأت النواة الأولى للقرية تتشكل حول ضريحه لتصبح في العصر الحديث مختبراً لأكبر عملية هندسة جمالية شهدها العالم العربي حين وطأت قدما البارون رودولف ديرلانجي ترابها في عام 1909 م وهو التاريخ الذي يعتبره المؤرخون الانفجار العظيم الثاني في عمر القرية.

هذا البارون الذي ولد في لندن عام 1872 لعائلة بنكية يهودية ألمانية الأصل لم يأت ليعمر بل جاء ليصنع لنفسه فردوساً مفقوداً بعيداً عن صخب الصناعة الأوروبية وأمراضها التي نهشت صدره (داء السل) .
كان ديرلانجي يمتلك بصيرة استشراقية حادة مكنته من قراءة الشفرة الوراثية للمكان فقرر بناء قصره النجمة الزهراء بين عامي 1912 و 1922 ليكون هذا القصر هو الدستور البصري للقرية بأكملها ومن الأسرار التي تكتنزها جدران هذا القصر أنه لم يبن بحجارة صماء بل بني بأيديولوجيا الجمال.

استجلب ديرلانجي أمهر الحرفيين من فاس المغربية ومن القاهرة ومن القيروان ليعيد إنتاج العمارة الأندلسية في لحظة كانت فيها العمارة العالمية تنجرف نحو الإسمنت البارد .

من هنا ندرك أن مرسوم 6 أوت 1915 الذي وقعه الناصر باي
لم يكن مجرد إجراء إداري لحماية البيئة بل كان صرخة سيادية في وجه الاستعمار الفرنسي الذي كان يريد تحويل ضواحي تونس إلى نسخ مشوهة من مرسيليا أو نيس.

فرض ذلك المرسوم الذي يعتبر أول قانون لحماية الذوق العام في التاريخ الحديث منعاً باتاً لأي بناء لا يتبع النمط المعماري التقليدي وحصر الألوان في الأبيض والزرق كفعل مقاومة بصرية تحفظ للقرية كينونتها أمام الزحف الإسمنتي وهذا ما يفسر سر بقاء سيدي بوسعيد أيقونة عالمية
تتجاوز الزمن.
غير أن هذا الجمال الصارم لم يخل من ضريبة اجتماعية باهظة ففي عمق التحولات السوسيولوجية التي شهدتها القرية خلال القرن 20 نجد أن هذا التقنين الجمالي أدى إلى تهجير طبقي صامت حيث وجد السكان الأصليون من الحرفيين الصغار والمريدين أنفسهم عاجزين عن الوفاء بمتطلبات الصيانة المكلفة التي يفرضها قانون البارون فبدأت الأسر العريقة تبيع بيوتها تباعاً للنخبة الفرنكوفونية وللدبلوماسيين الأجانب مما أدى إلى فقدان القرية لنبضها الصوفي الشعبي لصالح أناقة باردة.
وهذا هو الجانب المظلم من سدنة الجمال حين يتحول القانون الجمالي إلى أداة إقصاء اجتماعي .
وبالانتقال إلى الجانب الفني نجد أن سيدي بوسعيد كانت هي الرحم الذي ولد فيه الفن الحديث ففي أفريل من عام 1914 زار القرية الثلاثي الشهير بول كلي وأغسطس ماكي ولويس مولييه وفي هذه الرحلة التاريخية التي استمرت 14 يوماً فقط حدث الانقلاب اللوني الكبير حيث كتب بول كلي في يومياته أن الضوء في سيدي بوسعيد لم يكن يسقط على الأشياء بل كان ينبعث منها مما دفعه للتخلي عن التمثيل الواقعي والارتماء في أحضان التجريد اللوني.
ولذلك يمكن القول إن الحداثة التشكيلية الأوروبية مدينة لهذا الجبل التونسي بفيض نوره وبساطة أشكاله المكعبة التي نراها اليوم في متاحف باريس وبرلين ونيويورك.
لكننا اليوم ونحن نقف في منتصف عام 2026 نجد أنفسنا أمام لحظة الحقيقة الجيولوجية التي تهدد هذا التاريخ برمته فالهضبة التي تمتد على مساحة 170 هكتاراً لم تعد تلك الصخرة الصماء التي لا تتزحزح بل هي كائن حي يئن تحت وطأة التغيرات المناخية والضغط البشري الكثيف .
في جانفي من عام 2026 شهدت القرية سلسلة من التصدعات الخطيرة في محيط المنارة وقرب قصر النجمة الزهراء نتيجة تشبع التربة بمياه أمطار قياسية وتآكل الجرف الساحلي بفعل ملوحة البحر وهو ما استدعى جلسة عمل وزارية طارئة في تونس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر مشروع ضخم لحماية الهضبة من الانزلاق بميزانية ضخمة رصدت لتثبيت التربة وتدعيم الأسس التاريخية .
وهذا يكشف لنا أن الصراع في سيدي بوسعيد انتقل من صراع مع القبح المعماري إلى صراع مع الجاذبية ومع الطبيعة التي تريد استعادة ما منحته للإنسان .
سيدي بوسعيد هي قصة صراع الإنسان مع الفناء عبر بوابة الفن فمن خلوة الشيخ الباجي التي كانت تطرد الأرواح الشريرة إلى قصر ديرلانجي الذي كان يطرد الموسيقى الهابطة مرورا بمرسوم الباي الذي طرد القبح العمراني.
نحن أمام دولة الجمال التي ترفض السقوط والمسكوت عنه أيضاً هو أن هذه القرية كانت دائماً ملاذاً للمعارضة الفكرية ففي مقاهيها الشهيرة مثل مقهى العالية الذي بني في القرن 19 نجد أن التاريخ لم يكتب بمداد العلماء فحسب بل بدخان الشيشة وهمسات المثقفين والسياسيين الذين كانوا يخططون لمستقبل تونس بعيداً عن أعين الرقابة .
سيدي بوسعيد هي الأكاديمية المفتوحة التي تدرسنا أن الهوية ليست تراثاً نضعه في المتحف بل هي قانون يومي نعيشه في لون الباب وشكل النافذة وارتفاع الشرفة ولذلك فإن الحفاظ عليها في عام 2026 وما بعدها يتطلب أكثر من مجرد ترميم للجدران بل يتطلب ترميماً للعلاقة بين الإنسان والمجال فالسائح الذي يزور القرية اليوم يجب أن يدرك أنه يطأ أرضاً مقدسة بالتاريخ ومحصنة بالتشريع وليست مجرد خلفية لالتقاط الصور العابرة.
إنها القرية التي علمت العالم أن الأقل هو الأكثر وأن البياض ليس غياباً للون بل هو اجتماع لكل الألوان في حضرة الضوء المطلق وهذا هو السر الأكبر الذي تركه لنا البارون ديرلانجي حين حول الموسيقى العربية إلى تدوين علمي وحول العمارة إلى فلسفة بقاء فمن يقرأ مجلداته 6 عن الموسيقى العربية التي اكتملت عام 1932 سيفهم أن سيدي بوسعيد هي مقام موسيقي كبير لا يشذ عنه إلا من غابت عنه البصيرة.

هذا الجبل الذي كان مناراً للسفن أصبح مناراً للأفكار فبين التاريخ العسكري الحفصي والروحانية الصوفية الباجية والجمالية البارونية التشريعية تظل سيدي بوسعيد هي الأرخبيل الذي لا يغرق في بحر النسيان بل يظل عائماً فوق موج الزمان كأجمل تجل للعبقرية التونسية في تطويع المادة لخدمة الروح وفي تحويل القانون إلى قصيدة حب خالدة تروى للأجيال وتدرس في كبريات جامعات الهندسة والفكر حول العالم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال