تقديم: حين تصبح الأرقام بوابة لقراءة ما لا يُرى
تُعدّ الإحصائيات التربوية من أهم الأدوات التي تسمح بفهم التحولات العميقة التي تشهدها المنظومات التعليمية، غير أن قيمتها التحليلية لا تكمن في بعدها الوصفي فحسب، بل في قدرتها على كشف ما يتجاوز الظاهر نحو البنى الخفية التي تنظّم السياسات العمومية. فالأرقام ليست محايدة؛ بل هي نتاج اختيارات مؤسساتية تعكس تصور الدولة لدور التعليم، ولموقع المدرسة ضمن أولوياتها التنموية، ولمكانة الموارد البشرية في هندسة المستقبل الاجتماعي (Pierre Bourdieu, 1989؛ Raymond Boudon, 1973).
في هذا السياق، يكتسي تراجع طاقة استيعاب مسلك علوم التربية في تونس دلالة تتجاوز مجرد إعادة ضبط للمقاعد الجامعية. فهو لا يتعلق بتعديل تقني في العرض التكويني، بل بإشارة سوسيولوجية إلى تحولات أعمق في مسارات إعداد المعلمين، وفي قدرة المنظومة على تجديد نفسها عبر الأجيال. ومن هنا يمكن فهم هذه التحولات بوصفها ما يمكن تسميته بـ”الثقوب الدودية التربوية”: انقطاعات غير مرئية بين السياسات المعلنة ومآلاتها الفعلية، وبين منطق التكوين وحاجيات المدرسة، وبين التخطيط القصير المدى ومتطلبات الزمن التربوي الطويل.
وتجدر الإشارة إلى أنّ جزءًا معتبرًا من الموجّهين إلى هذا المسلك لا يختارونه انطلاقًا من رغبة مهنية صريحة في حمل الرسالة التربوية، بل بوصفه خيارًا براغماتيًا يهدف إلى تقليص مسار الاندماج في سوق الشغل في سياق اجتماعي واقتصادي مأزوم وغير مستقر.
وهذا التحول في منطق الاختيار يُنتج منذ البداية فجوة بين التكوين والانتظارات المهنية، بما ينعكس لاحقًا على طبيعة الانخراط في المهنة وعلى مستوى الالتزام البيداغوجي داخل الفضاء المدرسي.
إن المدرسة، باعتبارها مؤسسة لإنتاج الاستمرارية الاجتماعية، لا تُدار بمنطق السنة الجامعية أو الميزانية السنوية، بل بمنطق الأجيال. ولذلك فإن أي اختلال في قنوات تكوين المعلمين لا يظهر أثره فورًا، بل يتسلل تدريجيًا عبر الزمن، محدثًا فراغات بنيوية في التأطير والتعلم. ومن هذا المنظور، يسعى هذا المقال إلى قراءة مؤشرات تراجع طاقة الاستيعاب بوصفها علامات على تشكل هذه “الثقوب الدودية” داخل الجسد التربوي، وما يترتب عنها من تحولات في مستقبل المدرسة التونسية.
1. الأرقام ليست محايدة — الثقوب الدودية كفجوات في قراءة السياسات
قد تبدو الأرقام المتعلقة بطاقة استيعاب مسلك علوم التربية، للوهلة الأولى، معطيات تقنية تخص التوجيه الجامعي وإدارة العرض التكويني. غير أن التحليل السوسيولوجي يدعونا إلى تجاوز هذه القراءة السطحية، باعتبار أن الإحصاء يعكس دائمًا شكلًا من أشكال “التفكير المؤسسي” الذي يحدد ما يُعتبر أولوية وما يُقصى إلى الهامش (Pierre Bourdieu, 1989).
ومن هذا المنظور، فإن تراجع طاقة الاستيعاب لا يمكن فهمه كحدث إداري معزول، بل كأثر لثقوب دودية داخل مسار السياسات التربوية: نقاط انقطاع بين الخطاب الرسمي حول إصلاح التعليم وبين أدواته الفعلية. فبينما تُرفع شعارات جودة المدرسة وضرورة تحسين التكوين، تكشف المؤشرات الكمية عن مسار مغاير يعيد ترتيب الأولويات بطريقة قد لا تنسجم مع متطلبات المنظومة.
إن هذا التناقض يكشف مفارقة بنيوية: فكلما ازداد الخطاب حول مركزية التعليم، كلما تقلص فعليًا الاستثمار في أحد أهم مداخله، أي تكوين المعلمين.
ويترتب عن ذلك أثر مباشر على مخرجات المنظومة التربوية، يتمثل في تراجع قدرة المدرسة على إنتاج تعلم متكافئ وذي جودة مستقرة عبر الزمن، إذ يصبح التفاوت بين الجهات والمؤسسات نتيجة بنيوية لا ظرفية.
وهنا لا يعود السؤال: كم انخفض عدد المقاعد؟ بل: كيف تُنتج المنظومة هذه الفجوة بين القول والفعل؟ وكيف تتشكل هذه “الثقوب الدودية” التي تسمح بمرور الزمن دون أن تُصحح الاختلالات البنيوية؟
2. بين ترشيد الإنفاق والاستثمار في الرأسمال البشري — اقتصاد يولّد ثقوبًا دودية
لا يمكن فهم تقلص طاقة استيعاب مسلك علوم التربية دون العودة إلى التحولات العميقة في نمط تدبير الشأن العمومي، حيث أصبحت السياسات العمومية تخضع تدريجيًا لمنطق النجاعة المالية وترشيد النفقات (Christopher Hood, 1991؛ Stephen J. Ball, 2012).
غير أن هذا المنطق، حين يُطبق على المدرسة، يولّد ثقوبًا دودية بين الزمن المالي القصير والزمن التربوي الطويل. فالتقليص في التكوين قد يحقق توازنًا ظرفيًا، لكنه يخلق فجوات مستقبلية في الموارد البشرية يصعب سدها لاحقًا.
فالمدرسة لا تنتج نتائج فورية، بل تصنع الإنسان عبر الزمن (James S. Coleman, 1966؛ UNESCO, 2024).
وتنعكس هذه الفجوة مباشرة على مخرجات المنظومة من خلال:
- تراجع جودة التعلمات الأساسية داخل الأقسام نتيجة نقص التأطير المتخصص.
- ارتفاع نسب الاكتظاظ وما يرافقه من ضعف في المتابعة الفردية للمتعلمين.
- تفاوت متزايد في الأداء المدرسي بين المؤسسات المركزية والهامشية.
- تراجع القدرة التراكمية للمدرسة على إنتاج رأس مال بشري مستقر
ومن ثم فإن أي تخطيط لا يأخذ البعد الاستراتيجي الطويل يتحول إلى بنية مثقوبة: تكوين لا يوازي حاجيات التشغيل، وانتداب لا ينسجم مع التحولات الديمغرافية، ورؤية قصيرة المدى تصطدم بطبيعة المدرسة كمنظومة زمنها طويل.
3. من الثقوب الدودية إلى تفكك الاستمرارية المدرسية:
إن استمرار تقلص طاقة استيعاب مسلك علوم التربية لا يؤدي فقط إلى نقص عددي في المعلمين، بل إلى إعادة تشكيل تدريجي لبنية المدرسة نفسها. فالتربية تقوم على الاستمرارية، وأي انقطاع في سلسلة التكوين ينتج اختلالات تتراكم بصمت.
فعلى المستوى الكمي، تتسع الفجوة بين العرض والطلب على المدرسين. وعلى المستوى الكيفي، تتأثر عملية الانتقاء والتكوين، بما ينعكس على الممارسة البيداغوجية داخل القسم.
وعلى مستوى المخرجات، يظهر ذلك في:
- انخفاض مستوى التحكم في الكفايات الأساسية لدى المتعلمين
ضعف العدالة التربوية نتيجة تفاوت الموارد البشرية بين المؤسسات.
- تراجع فعالية المدرسة في الحد من إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية (Bourdieu, 1970).
أما على المستوى البنيوي الأعمق، فتتشكل “ثقوب دودية اجتماعية” داخل المدرسة نفسها: تفاوت جهوي في جودة التعليم، تفاوت في فرص التعلم، وتراجع تدريجي لمبدأ تكافؤ الفرص.
4. التهميش المتدرج وإعادة تشكيل مداخل المهنة:
في هذا السياق، يمكن قراءة بعض التحولات لا كإجراءات معزولة، بل كامتداد لهذه الثقوب البنيوية، حيث تتقاطع السياسات التربوية مع إعادة تشكيل مداخل مهنة التدريس.
فقد برزت ممارسات تشغيلية تقوم على:
- انتداب ظرفي أو تعاقدي لأشخاص دون خبرة بيداغوجية كافية عبر آليات التعاقد أو النيابات.
- اختلالات في معايير الانتقاء وتداخل بين المحددات الإدارية والعلاقات الاجتماعية.
- تسوية وضعيات انتداب عبر منطق أولوية النيابة على حساب مسارات تكوين معيارية.
ولا تُفهم هذه الظواهر كاتهام مباشر، بل كمؤشرات على ضغط بنيوي بين ضعف التخطيط وتزايد الحاجة إلى التأطير.
وينتج عن ذلك أثر مباشر على مخرجات المنظومة يتمثل في إعادة إنتاج حلقة من التدني التدريجي في جودة التدريس، حيث يصبح أداء المعلم مرتبطًا بظروف التوظيف أكثر من ارتباطه بمسار تكوين مهني مستقر.
وهنا تتعمق وظيفة “الثقوب الدودية”: إذ لم تعد فقط بين التكوين والسياسة، بل داخل آليات التشغيل نفسها، حيث لا يخضع الانتقال إلى المهنة لمنطق الكفاءة وحده، بل لتداخل معقد بين الحاجة والظرفية.
خاتمة: المدرسة بين الزمن التربوي والثقوب الدودية للسياسات
إن قراءة تراجع طاقة استيعاب مسلك علوم التربية من خلال مفهوم “الثقوب الدودية” تكشف أن المشكلة ليست في الأرقام، بل في المسارات غير المرئية التي تربط بين السياسات ونتائجها.
فكل انقطاع في التكوين هو ثقب دودي صغير يعبر منه المستقبل دون أن يُرصد في الحاضر.
وتتجلى خطورة ذلك في أن مخرجات المنظومة التربوية لا تتدهور دفعة واحدة، بل بشكل تراكمي بطيء يصعب ملاحظته في الزمن القصير، لكنه يُنتج في النهاية مدرسة أقل قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية ووظائف الإدماج.
وهنا تطرح أسئلة جوهرية:
كيف يمكن للمدرسة أن تحافظ على استمراريتها في ظل هذه الانقطاعات؟ وهل يمكن التوفيق بين منطق الترشيد المالي ومنطق الاستثمار التربوي الطويل؟ وإلى أي مدى يمكن للمدرسة التونسية أن تصمد دون أن تفقد وظيفتها الاجتماعية؟
هذا المقال منشور على منصة Zenodo ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:
https://doi.org/10.5281/zenodo.21206280
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre. La noblesse d’tat. 1989.
2. Boudon, Raymond. L’inégalité des chances. 1973.
3. Hood, Christopher. A Public Management for All Seasons? 1991.
4. Ball, Stephen J. Global Education Inc. 2012.
5. Becker, Gary. Human Capital. 1964.
6. Coleman, James S. Equality of Educational Opportunity. 1966.
7. Durkheim, mile. ducation et sociologie. 1922.
8. Dubet, François. Le déclin de l’institution. 2002.
9. UNESCO. Global Education Monitoring Report. 2024.
10. OCDE. Regards sur l’éducation. 2023.
الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية: مقاربة سوسيولوجية لتراجع طاقة الاستيعاب واستشراف مستقبل المدرسة
2026-07-05
62 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال