إن ما نكابده اليوم في عواصم الخراب والمدن المنسية ليس مجرد عجز إداري أو نقص في الموارد بل هو الانهيار الشامل لمفهوم المواطنة القائدة في زمن تسيدت فيه الرداءة وانتصرت فيه الغوغاء على حساب العقل الاستراتيجي
إذ لا يمكن لعاقل أن يتصور بناء دولة محلية صلبة في حين أن مفاتيح مدننا تُسلم عبر صناديق اقتراع تحركها عواطف القبيلة ونزوات العشيرة واصطفافات الدم التي لم تنتج عبر التاريخ إلا الفشل والتبعية.
ولهذا فإنني أعلنها صراحة وبلا مواربة أن الوقت قد حان لفرض ديمقراطية الكفاءة عبر شهادة الاستحقاق التي يجب أن تكون بمثابة العبور الإلزامي والمقدس لكل من تسول له نفسه الاقتراب من الشأن العام.
وهي شهادة لا تُمنح كمنحة اجتماعية بل تُنتزع انتزاعاً عبر مسار منهجي يبدأ بفرض عتبة علمية لا تنازل عنها فالحصول على شهادة الإجازة أو الماجستير هو الحد الأدنى من الحصانة المعرفية التي تضمن لنا أن من يدير ميزانية بلدية أو يخطط لعمران مدينة يمتلك الأدوات الذهنية لتفكيك النصوص القانونية وفهم تعقيدات الاقتصاد الكلي والجزئي. لأن زمن الأمية المقنعة التي تلبس عباءة الوجاهة الاجتماعية يجب أن ينتهي إلى غير رجعة .
فالمؤسسة البلدية في فكرنا الاستراتيجي هي
حكومة مصغرة ومن لا يملك المؤهل العلمي لإدارة نفسه لا يمكن أن يُؤتمن على إدارة مصائر الآلاف.
ثم إننا ننتقل من سلطة الورق إلى سلطة الميدان
بفرض شرط العمل المدني التطوعي الذي لا يقل عن ثلاث سنوات، فمن لم يعرق في خنادق الجمعيات ولم يقدم حلولاً عملية لمشاكل بيئية أو اجتماعية دون انتظار أجر هو في الحقيقة مرتزق سياسي يبحث عن الكرسي لتسمين نفوذه لا لخدمة شعبه.
وهذا المسار المدني هو الاختبار الحقيقي للذكاء العاطفي والقدرة على القيادة الجماعية قبل الوصول إلى السلطة فالدولة لا تحتاج إلى موظفين كبار بل إلى مناضلين تنمويين صقلتهم التجارب الميدانية وعرفوا وجع الناس قبل أن يطالبوا بأصواتهم .
ولإحكام خناق العلم على رقبة الجهل يأتي الامتحان الكتابي والشفاهي كمقصلة معرفية لا ترحم حيث يُجبر المترشح على الوقوف أمام لجنة من القضاة والخبراء والجبابرة في القانون الإداري والمالية العمومية ليثبت بالبرهان القاطع أنه يفقه في مجلة الجماعات المحلية والصفقات العمومية ما لا يفقهه العوام، فمن يعجز عن شرح ميكانيزمات الموازنة البلدية
أو يفشل في رسم مخطط استراتيجي لمدينة ذكية ومستدامة، طط يجب أن يُطرد من سباق الترشح فوراً وبقوة القانون لأننا بصدد هندسة عقد أهداف مرقم وتوقيتي يحول الوعود الانتخابية الهلامية إلى التزامات قانونية موثقة.
فمن يقدم برنامجاً لتطوير النسيج الحضري أو رقمنة الخدمات يجب أن يضع جدولاً زمنياً دقيقاً ومؤشرات أداء قابلة للقياس بحيث تتحول هذه الالتزامات إلى سيف معلق فوق رأسه، فإذا ما مرت سنتان من عهدته دون تحقيق الحد الأدنى من هذه الأهداف تُسحب منه شهادة الاستحقاق ويُسقط من منصبه كفاشل تنموي ليعود إلى منزله ويترك المكان لمن يمتلك القدرة على الفعل لا مجرد الموهبة في الكلام والخطابة الزائفة التي دمرت بلداننا لعقود طويلة.
وفي هذا السياق الذي لا يعترف بالدبلوماسية اللغوية الباهتة فإننا نضرب بيد من حديد على عصب القبلية الذي حول الانتخابات إلى مجرد إحصاء لعدد الرؤوس في كل عشيرة. ولأننا ندرك أن الدم أقوى من العقل في مجتمعاتنا التقليدية فقد صغنا مادة قانونية جراحية تمنع التغول الأسري داخل المجلس البلدي الواحد حيث لا يجوز قانوناً ولا أخلاقاً أن يجتمع الأب وابنه أو الأخ وأخوه أو الزوج وزوجته على طاولة قرار واحدة فهذا ليس مجلساً بلدياً بل هو
ديوان عائلي يشرعن الفساد ويؤصل للمحسوبية
بل إننا نمنع حتى وصول الأقارب إلى مراكز القرار الإداري في البلدية طيلة عهدة قريبهم المنتخب لنقطع الطريق على المقاولات العائلية التي تنهب الصفقات العمومية تحت جنح الولاءات الشخصية.
وهذا التفكيك القانوني للقبيلة يهدف بالأساس إلى إجبار العائلات الكبيرة على اختيار نخبتها الحقيقية وتدفع بها إلى محرقة الامتحان والاستحقاق بدلاً من الدفع بأي شخص لمجرد أنه يحمل لقباً عائلياً معيناً.
ثم نأتي إلى بيت الداء وهو التهرب الجبائي لنضع شرطاً راديكاليًا يربط بين المواطنة المالية و الحق السياسي، إذ لا يحق لأي مواطن أن يطرح نفسه قائداً لمنطقة وهو مدين لها بمليم واحد فالمترشح الذي لا يدفع ضرائبه البلدية أو يرتكب مخالفات بناء فجة أو يتعدى على الرصيف العام هو في نظرنا مجرم مدني لا يستحق شرف التمثيل .
ويجب عليه أولاً أن يخضع لعملية تطهير مالي شاملة سواء بدفع ديونه كاملة أو الدخول في صلح بلدي بجدولة زمنية صارمة تعكس جديته في الامتثال للقانون.
لأن من يسرق مدينته عبر التهرب الجبائي لن يتوانى عن سرقتها عبر التلاعب بالصفقات العمومية .
وهذا الربط العضوي بين الذمة المالية والنظافة القانونية هو الذي سيعيد للمؤسسة البلدية هيبتها ويحولها من
بيت للتسول من الدولة المركزية إلى مؤسسة ذات سيادة مالية وقدرة ذاتية على التمويل.
إننا نصنع اليوم ثورة حقيقية في مفهوم التمثيل ثورة تضع المعرفة فوق الجهل والقانون فوق القبيلة والبرنامج فوق الشخص والالتزام المالي فوق الانتهازية السياسية ومن يرى في هذه الشروط قسوة أو إقصاءً فليعلم أن
إقصاء الفاشلين هو الضمانة الوحيدة لنجاح الشعوب
وأن الديمقراطية التي لا تحميها الكفاءة هي مجرد فوضى منظمة تؤدي في النهاية إلى انتحار الدول والمجتمعات في مستنقعات الرداءة والضياع.
الأستاذ عماد عيساوي
شهادة الاستحقاق للحكم المحلي
2026-02-10
292 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
3
صفاقس
أعتقد جازما أن إصلاح التربية و التعليم هو حجر أساس كل إنجاز إقتصادي إجتماعي أو سياسي وأن مشوار الإصلاح يمتد على ثلاثين سنة على أقل تقدير. وأعتقد أيضا أن كل ثورة راديكالية ناسفة لكل ما سبق ليست مضمونة العواقب ومحفوفة بالمخاطر.
مساء الفل
اتفق معك في مبدأ وجوب تظيق الخناق على الجهل كمبدا عام
لكن في المسؤولية السياسية الشهادة العلمية ليست ظامن للكفائة
لو اردنا ان نلتقى على ارضية وسطى بما اننا متفقون على المبدأ
فانا اقترح توفير تكوين اداري مفتوح للعموم يجمع بين اساسيات المعارف القانونية و الفنية للترشح لاي منصب بدأ من العمدة الى اعلى هرم في السلطة
و كل درجة او مستوى في التكوين تفتح امكانية للترشح لمستوى معين في المسؤولية السياسية
طبعا مع وجوب اداء الخدمة العسكرية
اتفق معك في مبدأ وجوب تظيق الخناق على الجهل كمبدا عام
لكن في المسؤولية السياسية الشهادة العلمية ليست ظامن للكفائة
لو اردنا ان نلتقى على ارضية وسطى بما اننا متفقون على المبدأ
فانا اقترح توفير تكوين اداري مفتوح للعموم يجمع بين اساسيات المعارف القانونية و الفنية للترشح لاي منصب بدأ من العمدة الى اعلى هرم في السلطة
و كل درجة او مستوى في التكوين تفتح امكانية للترشح لمستوى معين في المسؤولية السياسية
طبعا مع وجوب اداء الخدمة العسكرية
مقترح مهمّ لكن...
يثير هذا المقال نقاشًا ضروريّا حول أعطاب التّجربة البلديّة، ويدعو بوضوح إلى كسر منطق الشّعبويّة والولاءات الضّيّقة لصالح معايير أكثر عقلانيّة في التّرشح وتحمّل المسؤوليّة. هذا الطّرح، في جوهره، يفتح بابًا مهمّا للتّفكير الجماعيّ في سُبل الاِرتقاء بأداء العمل البلديّ وترشيد ممارسة السّلطة المحلّيّة.
في المقابل، قد يكون من المفيد التّوقف عند مسألة العلاقة بين الكفاءة والشّرعيّة. فبينما تمثّل الكفاءة عنصرًا أساسيّا في نجاح أيّ تجربة تسيير، تظلّ الشّرعيّة السّياسيّة مرتبطة باِختيار المواطنين. جعل الكفاءة شرطًا سابقًا على هذا الاِختيار قد يطرح إشكالًا، خاصّة إذا أُسند تحديدها إلى لجان أو معايير قابلة للاِختلاف والتّأويل، بما قد يفتح المجال لتحوّل هذه الآليّات، في غياب ضمانات مؤسّسيّة قويّة، إلى أدوات إقصاء أو إلى سلطة تقييم متغوّلة تقيّد التّعدد والحقّ في المشاركة بدل تنظيمه.
كما أنّ التّركيز على المؤهّل الأكاديميّ والاِمتحانات، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يستدعي نقاشًا أوسع حول تكافؤ الفرص وإمكانيّة إقصاء فاعلين راكموا خبرة ميدانيّة معتبرة خارج المسار الجامعيّ. أما آليّات سحب الثّقة المرتبطة بعدم تحقيق الأهداف، فهي فكرة مهمّة، لكنّها تحتاج إلى تحديد دقيق للمسؤوليّات حتّى لا تتحوّل المحاسبة إلى عقاب على اِختلالات بنيويّة أو عراقيل خارجة عن إرادة المنتخب.
لعلّ تطوير هذا المشروع يمرّ عبر الحفاظ على الشّرعيّة الشّعبيّة كقاعدة، مع تعزيز الكفاءة بآليّات مرافقة بعد الاِنتخاب، مثل التّكوين الإجباريّ، والرّقابة المستقلّة، ومؤشّرات الأداء الواضحة، بما يحقّق التّوازن بين النّجاعة واِحترام الإرادة الشّعبيّة.
في المقابل، قد يكون من المفيد التّوقف عند مسألة العلاقة بين الكفاءة والشّرعيّة. فبينما تمثّل الكفاءة عنصرًا أساسيّا في نجاح أيّ تجربة تسيير، تظلّ الشّرعيّة السّياسيّة مرتبطة باِختيار المواطنين. جعل الكفاءة شرطًا سابقًا على هذا الاِختيار قد يطرح إشكالًا، خاصّة إذا أُسند تحديدها إلى لجان أو معايير قابلة للاِختلاف والتّأويل، بما قد يفتح المجال لتحوّل هذه الآليّات، في غياب ضمانات مؤسّسيّة قويّة، إلى أدوات إقصاء أو إلى سلطة تقييم متغوّلة تقيّد التّعدد والحقّ في المشاركة بدل تنظيمه.
كما أنّ التّركيز على المؤهّل الأكاديميّ والاِمتحانات، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يستدعي نقاشًا أوسع حول تكافؤ الفرص وإمكانيّة إقصاء فاعلين راكموا خبرة ميدانيّة معتبرة خارج المسار الجامعيّ. أما آليّات سحب الثّقة المرتبطة بعدم تحقيق الأهداف، فهي فكرة مهمّة، لكنّها تحتاج إلى تحديد دقيق للمسؤوليّات حتّى لا تتحوّل المحاسبة إلى عقاب على اِختلالات بنيويّة أو عراقيل خارجة عن إرادة المنتخب.
لعلّ تطوير هذا المشروع يمرّ عبر الحفاظ على الشّرعيّة الشّعبيّة كقاعدة، مع تعزيز الكفاءة بآليّات مرافقة بعد الاِنتخاب، مثل التّكوين الإجباريّ، والرّقابة المستقلّة، ومؤشّرات الأداء الواضحة، بما يحقّق التّوازن بين النّجاعة واِحترام الإرادة الشّعبيّة.
تعليق على مقال