بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الدليل السياحي ... القلعة الحصينة للهوية الوطنية وحارس السردية الحضارية

2026-06-14 54 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين تسقط الدولة في غيبوبة الرداءة البيروقراطية وتتحول مكاتب القرار السياحي إلى غرف معتمة لإدارة التخلف المنظم يصبح الحديث عن النهضة الاقتصادية مجرد تهريج مكشوف واستبلاه مفضوح لشعب بأكمله.
الهبة الاحتجاجية العارمة التي يقودها الاتحاد الوطني للمرشدين السياحيين اليوم ليست مجرد مناوشة نقابية على هامش موسم عابر بل هي معركة كسر عظام وجودية صدمت جدران الصمت وفضحت العبث الهيكلي الشامل الذي ينهش جسد القطاع السياحي التونسي المنهك أصلاً.
الدليل السياحي في هذا البلد ليس أجيراً يبيع الكلام أو خادماً يعبر بالوفود بل هو القلعة الحصينة للهوية الوطنية وحارس السردية الحضارية على خطوط التماس الأولى مع العالم وحين تستهدف هذه القلعة بالتركيع والإهانة والتهميش فإننا لا نكتفي بضرب جودة المنتج السياحي بل نمارس خيانة موثقة للذاكرة وتخريباً متعمداً لعناصر القوة الناعمة للدولة التونسية.
إنها قمة الصلف والعمى الاستراتيجي أن يُساق قطاع حيوي وتنافسي بقوانين متكلسة ومحنطة تعود إلى سنة ثلاث وسبعين من القرن الماضي وكأن عقارب الزمن تجمدت في مخيلة الديناصورات البيروقراطية التي تدير اللعبة بعقلية العصر الحجري.
إن رفض المقترح التشاركي المتكامل لتحيين القانون الأساسي والالتفاف عليه لفرض نسخة مسخ ومشوهة عبر دهاليز برلمانية مريبة هو جريمة تشريعية مكتملة الأركان تعكس عقلية الطغيان الإداري وإقصاء كفاءات الميدان بشكل سافر من مجالس التخطيط والتطوير.
كيف تجرؤ عقول مسكونة بغبار المكاتب على صياغة مستقبل الوجهة التونسية وهي تتعمد غلق الأبواب في وجه الطرف المحوري الوحيد الذي يحتك بالواقع الميداني يومياً في غياب تام ومخزٍ لأبسط قواعد الحوكمة الرشيدة والمقاربة التشاركية.
هذا التدمير الممنهج ينتقل من خنق التشريع إلى التجويع المالي المذل فحين تتجرأ مصالح الديوان الوطني للسياحة على استغلال الأدلاء لشهور طويلة في مرافقة الوفود الرسمية وشخصيات الدولة ثم تتركهم يواجهون المقصلة الاقتصادية بتأخير مستحقاتهم لسنة كاملة فنحن لسنا أمام إدارة سياحية بل أمام منظومة سخرة تفتقر للمسؤولية الأخلاقية والقانونية.
ولم يكفهم هذا الحصار المالي والمهني بل واصلوا حربهم الرجعية برفض التكوين المستمر لرفع التنافسية وتطوير المهارات وتوجوا هذه المهزلة بسقطة إعلامية دنيئة وموثقة لموظفة تابعة للوزارة نعتت فرسان النخبة الوطنية بالجهل في تصريح مخزٍ مر دون محاسبة أو ردع مما يؤكد التواطؤ الضمني لسياسة الإشراف في كسر كرامة الدليل التونسي وإهانة كفاءته أمام الملأ.
والأخطر من ذلك كله في فقه الأمن القومي الاقتصادي هو هذا التواطؤ المخزي الذي جعل مواقعنا الأثرية الخالدة في قرطاج وسيدي بوسعيد والمدينة العتيقة مستباحة بشكل كلي لجحافل الدخلاء والأجانب منتحلي الصفة الذين يعبثون بالتاريخ ويزورون الحقائق ويستنزفون العملة الصعبة وسط غياب مريب وكامل لأجهزة المراقبة والشرطة السياحية وكأن هناك ضوءاً أخضر لتدمير الهوية والسيادة الوطنية على الأرض.
وحين ينضاف إلى هذا السقوط المريع حرمان الأدلاء التونسيين من تنظيم مؤتمرهم العالمي وتفويت فرصة دبلوماسية كونية لتمثيل تونس ندرك تماماً أننا لسنا أمام سوء تسيير بل أمام تصفية عظمى للقطاع.
إن البلاغ الأخير الذي أعلن انطلاق الاحتجاجات والمقاطعة على مدار الموسم هو إعلان حرب شرعية لاسترداد الشرف المهني المهدور وعلى سلطة الإشراف ورئاسة الحكومة أن تفهم فوراً وقبل فوات الأوان أن زمن التهديدات والعهود الزائفة قد ولى وأن الإصرار على العناد والصلف البيروقراطي لن يجني منه البلد سوى موسم سياحي متفحم وجنازة رسمية لقطاع كان يوماً رئة تونس الاقتصادية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال