بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أمة تبيع عقلها: كيف أصبح العربي عبداً لأوهام جلاده

2026-03-17 82 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أمة تبيع عقلها: كيف أصبح العربي عبداً لأوهام جلاده
إننا نعيش اليوم لحظة الانكشاف الكبرى
لحظة سقوط الأقنعة عن الوجوه المومياء التي سكنت قصورنا وعقولنا لعقود حيث يتحول الإنسان العربي من مواطن في دولة وطنية كان من المفترض أن تكون درعه وسيفه إلى لاجئ أيديولوجي يطرق أبواب التاريخ الفارسي لا بحثاً عن فقه أو مذهب بل بحثاً عن فحولة استراتيجية افتقدها في أنظمته المخصية سياسياً.
ما تراه اليوم من هتاف لحيدر الكرار في أزقة القاهرة المنهكة أو في مقاهي تونس والرباط ليس عودة للوعي الفاطمي الذي اندثر تحت سنابك خيول صلاح الدين الأيوبي بل هو صرخة احتجاج أنتروبولوجية ضد واقع اليتم القومي الذي يعيشه العربي منذ سقوط بغداد في 2003 ومن ثم انتحار الأحلام في الربيع العربي المزعوم.
العقل العربي المعاصر المصاب بفقر الدم الجيوسياسي لم يعد قادراً على قراءة الخريطة إلا من خلال عدسة العاطفة المتقدة التي تخلط بين الصواريخ الباليستية والكرامات الغيبية وهذا هو الفخ الذي نصبته طهران بذكاء فارسي عريق.
استطاعت أن تحول المظلومية العربية إلى وقود لمحركاتها التوسعية موهمةً الجماهير المليونية في مصر ودول المغرب العربي بأن الطريق إلى القدس لا يمر عبر العواصم العربية المترهلة بل عبر الولي الفقيه الذي يجيد اللعب على أوتار الجرح السني المفتوح بينما الحقيقة الصادمة أننا أمام احتلال رقمي للمخيال الجمعي يتجاوز في خطورته احتلال الأرض لأن الأرض يمكن استردادها بالسلاح
أما العقول المستلبة التي أصبحت ترى في طهران قبلتها السياسية وفي الخليج عدوها القومي فهي عقول دخلت مرحلة الموت السريري بانتظار إعلان الوفاة الرسمية للهوية العروبية.
التاريخ لا يرحم الضعفاء الذين يستبدلون خرائطهم بالتمائم وما يحدث اليوم هو ترييف للسياسة وتحويل الصراع الجيواستراتيجي بين واشنطن وطهران وتل أبيب إلى ملحمة تراجيدية يستذكر فيها السني في شمال أفريقيا مجد علي بن أبي طالب ليعوض بؤسه الحالي متناسياً أن الدولة الصفوية في القرن السادس عشر لم تقم على حب آل البيت بقدر ما قامت على نصل السيف الفارسي الذي ذبح السنية في الهضبة الإيرانية ليصنع هوية قومية متصادمة مع المحيط العثماني .
واليوم تعيد إيران إنتاج نفس الفيلم التاريخي لكن بتقنيات نيتفليكس ودراما يوسف الصديق و المختار الثقفي التي تغلغلت في بيوت البسطاء كحقن تخدير أيديولوجي فبات العربي الذي لا يجد ثمن رغيف الخبز يهلل لصواريخ خيبر
و فتاح وكأنها منجنيق السماء الذي سيحطم أغلاله
بينما هي في الواقع أدوات لتثبيت الحزام الفارسي الذي يطوق المنطقة من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد وصنعاء ليتحول العربي في النهاية إلى مجرد كومبارس في دراما كونية تخرجها طهران وتدفع ثمنها الشعوب العربية من سيادتها ودمائها ومستقبل أبنائها.
إن الهجوم الشرس والشماتة المقززة التي يبديها البعض في مصر ودول المغرب تجاه دول الخليج واتهامهم بالعمالة للمعسكر الأمريكي الصهيوني هو انعكاس لحقد طبقي جيوسياسي تغذيه الماكينة الإعلامية الإيرانية
حيث يتم تصوير الخليج كصراف آلي لليانكي الأمريكي بينما تُصوّر إيران كقلعة المقاومة الوحيدة
وهي سردية كاذبة تتجاهل أن طهران نفسها مارست أقسى أنواع البراغماتية القذرة حين تعاونت مع الشيطان الأكبر في أفغانستان وفي تدمير العراق .
لكن العقل العربي العاطفي لا يريد حقائق بل يريد أساطير ينام على وسادتها ليهرب من جحيم واقعه في عملية انتحار جماعي للهوية السنية التي يتم تصويرها اليوم بفعل التخاذل الرسمي على أنها عقيدة هشة أو لادينية
بينما هي في الحقيقة عقيدة الدولة التي جردتها الأنظمة من أنيابها وتركتها لقمة سائغة للمشاريع العابرة للحدود.
إننا أمام حالة من السيولة الاستراتيجية التي حطمت جدران المختبرات السياسية حيث أصبح المواطن في المغرب العربي يخشى على أمن طهران أكثر من خشائه على أمن جاره
أو حتى سيادة وطنه وهذا هو قمة الاستلاب الهوياتي الذي لم تشهده المنطقة حتى في أحلك عصور الانحطاط
ففي العهد الفاطمي كان هناك صراع بين مشروعين للدولة أما اليوم فنحن أمام تفكيك للدولة لصالح الميليشيا ولصالح الفوضى المقدسة التي تبشر بها إيران مستغلة غياب المركز العربي القادر على صناعة الحلم.
مصر المثقلة بجراحها الاقتصادية ودول المغرب الغارقة في صراعاتها البينية تركت الفراغ للرياح الشرقية التي تحمل معها فيروس التشيع السياسي الذي لا يطلب منك الصلاة خلف الفقيه بل يطلب منك الولاء المطلق لمشروعه التوسعي تحت مسمى المقاومة.
الخطورة تكمن في أن هذا الجيل الجديد الذي لم يقرأ من التاريخ إلا ما تبثه منصات التيك توك وقنوات المحور
أصبح يرى في الخليج عدواً وجودياً لأنه يمتلك الثروة ويرى في إيران مخلصاً لأنها تمتلك الرصاص متناسياً أن الرصاص الإيراني لم يطلق يوماً لتحرير إنسان عربي بل لإخضاعه وتحويله إلى مجرد رقم في معادلة النفوذ الإيراني .
وما نراه في بغداد وبيروت وصنعاء من خراب معماري وبشري هو الماركة المسجلة لهذا النفوذ الذي يصفق له اليوم الغوغاء في عواصمنا في مشهد سريالي يثبت أننا أمة تجيد صناعة جلاديها وتغني لهم تحت سياط الهزيمة.
لذا، فإن الحاجة اليوم لم تعد ترفاً فكرياً بل هي حرب استرداد للوعي القومي تتطلب بناء مراكز دراسات ومنصات إعلامية انتحارية في صراحتها لا تجامل ولا تداهن
بل تشرّح الجثة العربية لتكشف عن أورام التبعية التي زرعها الإعلام الموجه.
فلا بد من خطاب يعيد الاعتبار للدولة الوطنية كقدس أقداس ويفضح تجار الدين و سماسرة المقاومة الذين يبيعون الأوهام للجماهير الجائعة.
المعركة الحقيقية ليست بين طهران وتل أبيب بل هي معركة على روح الإنسان العربي الذي يتم غسيل دماغه يومياً ليتحول إلى حشد شعبي عابر للحدود يكره وطنه ويقدس جلاده.
إننا بحاجة إلى صدمة كهربائية إعلامية تخرجنا من دهاليز العصور الوسطى وصراعاتها المذهبية لتقذف بنا في أتون القرن الحادي والعشرين حيث السيادة لا تُبنى بالبكاء على القبور بل ببناء القوة الرقمية والاستقلال الغذائي والتحالفات البراغماتية التي لا تنظر إلى مذهب الحليف بل إلى حجم منفعته.
العربي اليوم مطالب بأن يستفيق من غيبوبة الرمز ويدرك أن صواريخ إيران هي لحماية إيران وأن دماء العرب هي القرابين التي تُقدم على مذبح الطموح القومي الفارسي وحين يدرك المواطن في مصر والمغرب هذه الحقيقة المرة سيتوقف عن سبّ إخوته في الخليج وسيبدأ في بناء درعه القومي الخاص بعيداً عن أوهام المرشد وعن سراب الولي الفقيه في صرخة مدوية تعيد للعرب مكانتهم كفاعلين في التاريخ لا مجرد ضحايا تتقاذفهم أمواج الأيديولوجيات الغريبة ولتذهب الدبلوماسية إلى الجحيم حين يكون الوطن والوجود والكرامة في مهب الريح.
إن المقال الذي بين أيديكم هو وثيقة إدانة لهذا الزمن الرديء وصرخة في وادٍ غير ذي زرع لعلها توقظ ما تبقى من شرف في العقل العربي المستلب.
لا خطوط حمراء بعد اليوم حين يتعلق الأمر بكيان الأمة
ولا قفازات حريرية حين نتعامل مع فيروس التبعية الذي ينخر في عظامنا فالتاريخ لا يكتبه إلا القادرون على قول لا في وجه العواصف الأيديولوجية والقادرون على رؤية الحقيقة العارية خلف أستار الزيف الإعلامي
وإن غداً لناظره قريب لمن يمتلك البصيرة لا لمجرد البصر الذي تعطلت وظائفه بفعل شاشات التضليل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال