بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

القفص الحديدي للشهادة الجامعية: حين يصبح التعليم وعدًا مكسورًا

2026-05-20 40 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: انهيار المعنى الرمزي للشهادة الجامعية

لم تعد الشهادة الجامعية في تونس تُقدَّم باعتبارها أداة للترقّي الاجتماعي وبناء الاستقرار المهني، بل تحوّلت تدريجيًا إلى حالة انتظار طويلة ومفتوحة على القلق والهشاشة واللايقين. فبعد سنوات من الدراسة والتعب والنجاح، يجد آلاف الخرّيجين أنفسهم داخل طوابير البطالة أو في مسارات انتداب متأخرة ومُرهِقة، حيث يصبح الحصول على وظيفة أشبه بمعركة استنزاف نفسي وزمني أكثر منه استحقاقًا طبيعيًا لمسار تعليمي.

المؤلم في هذه التحوّلات ليس فقط غياب فرص الشغل، بل انهيار المعنى الرمزي للشهادة نفسها؛ إذ لم تعد الجامعة تضمن الاندماج الاجتماعي كما كان يُعتقد، بل أصبحت أحيانًا فضاءً لإنتاج الانتظار المؤجّل والقلق الوجودي والشعور بالخيانة الاجتماعية. ففي بلد يعاني اختلالًا في توزيع الثروة وضعفًا في امتصاص البطالة، يشعر كثير من أصحاب الشهائد العليا أنّهم عوقبوا بدل أن يُكافؤوا، وكأنّ سنوات الدراسة الطويلة تحوّلت إلى عبء إضافي لا إلى جسر نحو الكرامة والاستقرار. وهنا لا يتعلق الأمر بأزمة فردية تخصّ بعض العاطلين، بل بتحوّل أعمق يمسّ علاقة الدولة بالتعليم، وعلاقة المجتمع بفكرة الاستحقاق والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعلنا أمام ما يمكن تسميته فعلًا: “القفص الحديدي للشهادة الجامعية”.

1. الشهادة الجامعية من أفق للتحرّر إلى أداة لتعليق الحياة: من وعد الصعود الاجتماعي إلى الانتظار المؤجّل

ارتبط التعليم تاريخيًا بفكرة الصعود الاجتماعي والتحرّر من الهشاشة الاقتصادية، حيث كانت الشهادة الجامعية تمثّل وعدًا ضمنيًا بحياة أكثر استقرارًا واعترافًا اجتماعيًا. غير أنّ هذا الوعد بدأ يتآكل تدريجيًا في تونس مع تضخّم أعداد الخرّيجين وعجز الاقتصاد عن استيعابهم داخل سوق الشغل. فتحوّل التعليم من مشروع لبناء المستقبل إلى مرحلة طويلة من الانتظار المعلّق، حيث يخرج الشاب من الجامعة ليجد نفسه في فراغ مهني قد يمتد سنوات.

ولم يرتبط هذا التحوّل فقط بضعف التشغيل، بل أيضًا بتضخّم القيمة الرمزية للشهادة نفسها مقابل تراجع قيمتها الفعلية داخل الواقع الاقتصادي. فمع التوسّع الكبير في التعليم العالي دون إصلاح اقتصادي موازٍ، أصبحت الجامعة تُنتج أعدادًا متزايدة من الخرّيجين في سوق عاجز عن استيعابهم، ما خلق فجوة متنامية بين التكوين الأكاديمي وحاجات الاقتصاد الفعلية. وهكذا تحوّلت الشهادة تدريجيًا، في بعض الحالات، من أداة للتميّز الاجتماعي إلى وثيقة انتظار جماعي مؤجّل.

ويفسّر عالم الاجتماع ماكس فيبر (Max Weber, 1922)، هذا النوع من التحوّلات عبر مفهوم “القفص الحديدي”، أي تلك المنظومات البيروقراطية التي تُخضع الإنسان لمنطق إداري جامد يفقد داخله المعنى والحرية. فالشاب المتخرّج اليوم لا يعيش فقط أزمة بطالة، بل يعيش أيضًا داخل منظومة إدارية واجتماعية تجعل مستقبله رهين الملفات والمناظرات والانتظار الطويل، حتى يصبح الزمن نفسه جزءًا من العقوبة الاجتماعية.

2. البطالة الجامعية وتمزيق معنى الاستحقاق: العنف الرمزي وتفكك العلاقة بين الجهد والاعتراف

حين يدرس الفرد سنوات طويلة ويؤمن بأن الاجتهاد سيقوده إلى الاستقرار، ثم يكتشف أن الشهادة لا تكفي لضمان الحد الأدنى من الكرامة المهنية، يبدأ الشعور العميق بانهيار فكرة “الاستحقاق”. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بندرة الوظائف، بل بتفكك الرابط الأخلاقي بين الجهد والنتيجة، بين التعب والاعتراف الاجتماعي.

ويظهر هذا الانهيار بوضوح في تلك الصور اليومية المؤلمة داخل المجتمع التونسي: أربعينيّ يعود إلى طاولة الامتحان لاجتياز “الكاباس” بعد سنوات طويلة من الانتظار، بينما يراقبه داخل القاعة معلّم في الثانية والعشرين من عمره دخل الوظيفة قبله. ليست المأساة هنا في فارق السنّ، بل في الشعور العميق بأن الزمن المهني اختلّ، وأنّ الشهادة فقدت قدرتها على ضمان الحد الأدنى من العدالة الرمزية.

وتزداد حدّة هذا الشعور حين يرى أصحاب الشهائد العليا انتدابات واسعة داخل الوظيفة العمومية في ظلّ سياسات لا تعتمد دائمًا معايير واضحة للكفاءة والتكوين أو تكافؤ الفرص، في مقابل دكاترة وخريجي جامعات يعيشون سنوات طويلة من التعطيل والانتظار. وهنا يشعر كثيرون بأن الدولة لم تعد تُكافئ الجهد والمعرفة بالقدر الكافي، بل أصبحت تُنتج أشكالًا جديدة من اللامساواة والتمييز الرمزي بين مواطنيها.

كما يتضاعف الإحساس بالظلم عندما يُفتح باب الانتداب أحيانًا عبر مسارات ظرفية وغير متكافئة، مثل انتداب من قاموا بنيابات عرضية في التعليم، قد لا تتجاوز في بعض الحالات أيامًا معدودة، ليجدوا أنفسهم لاحقًا داخل الوظيفة العمومية بصفة قارة. في المقابل، يوجد من لم يتمكن أصلًا من القيام بهذه النيابات، إمّا بسبب تبخيسها سابقًا باعتبارها فرصًا هشة وغير مستقرة، أو بسبب تفاوت إمكانيات النفاذ إلى الفرص تبعًا لرأس المال الاجتماعي والشبكات العلائقية غير المتكافئة. وهكذا لا يعود الانتداب قائمًا دائمًا على معيار الكفاءة أو الاستحقاق، بل على تفاوت الفرص وإمكانية النفاذ إلى الشبكات غير الرسمية.

ويزداد هذا الشعور تعقيدًا مع ما يرافق بعض المناظرات أحيانًا من تراجع في الثقة في تكافؤ شروط التقييم لدى جزء من الرأي العام، نتيجة تداول نقاشات اجتماعية وإعلامية حول بعض الثغرات التنظيمية أو محدودية الرقابة داخل بعض مراكز الاختبارات. في المقابل، يُقصى آخرون بسبب شرط السنّ أو بسبب تعثر بسيط داخل مسار طويل من الاجتهاد، فيتحوّل الامتحان من أداة لتحقيق العدالة إلى مصدر إضافي للشعور بالإهانة والعبث.

وفي المقابل، يجد أصحاب الشهائد العليا أنفسهم عاطلين عن العمل، بينما يتمّ أحيانًا ترسيم أصحاب مستويات تعليمية محدودة داخل بعض الإدارات في إطار سياسات اجتماعية ترقيعية. غير أنّ الإشكال الحقيقي لا ينبغي أن يتحوّل إلى احتقار لفئات اجتماعية هشّة، لأن كثيرًا من هؤلاء أيضًا ضحايا منظومة اقتصادية مرتبكة، بل يتمثّل أساسًا في غياب رؤية عادلة تنظّم العلاقة بين الكفاءة وفرص العمل وتوزيع الثروة داخل المجتمع.

في هذا السياق، يتحوّل الانتظار الطويل إلى شكل من أشكال العنف الرمزي، وهو ما تحدّث عنه عالم الاجتماع بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1998)، حين بيّن كيف يمكن للمؤسسات أن تُنتج أشكالًا خفيّة من الهيمنة عبر إعادة إنتاج اللامساواة داخل المجتمع. فحين يشعر خرّيج الجامعة بأن سنوات تعبه لم تعد تملك قيمة فعلية داخل الواقع، تتولّد لديه مشاعر الاغتراب وفقدان الثقة في الدولة وفي المدرسة وحتى في ذاته.

3. الدولة الريعية وتعطيل الزمن المهني: الوظيفة العمومية كأفق اجتماعي وحيد

تكشف أزمة البطالة الجامعية أيضًا عن خلل أعمق في طبيعة الدولة نفسها، خاصة عندما تتحوّل الوظيفة العمومية إلى الأفق الوحيد للنجاح الاجتماعي. فبدل أن تُنتج الدولة اقتصادًا قادرًا على خلق فرص متنوعة، يصبح الانتداب الإداري هو الحلم الجماعي الأخير، وتتحوّل المناظرات إلى بوابات ضيقة يتكدّس أمامها آلاف المنتظرين.

هذا الوضع يُنتج ما يمكن تسميته “تعطيل الزمن المهني”، حيث يظلّ الشاب عالقًا بين الدراسة والوظيفة لسنوات طويلة، فتتأخر مشاريع الحياة والاستقلال والزواج والاستقرار النفسي.

وقد أشار الفيلسوف إدغار موران (Edgar Morin, 1999)، إلى أنّ الأزمات الحديثة لا تكون اقتصادية فقط، بل هي أيضًا أزمات معنى وتعقيد وفقدان قدرة الأنظمة على فهم الإنسان في شموليته. ومن هنا تصبح البطالة الجامعية أزمة حضارية تمسّ صورة الإنسان عن ذاته ومستقبله، لا مجرد مشكلة تشغيل تقنيّة.

4. من القلق الاقتصادي إلى الاغتراب الوجودي: فقدان المعنى والانتماء لدى خرّيجي الجامعة

لا يعيش خرّيج الجامعة العاطل عن العمل أزمة دخل فقط، بل يعيش أيضًا أزمة اعتراف وانتماء. فالمجتمع الذي كان يربط النجاح بالدراسة بدأ يُرسل رسائل متناقضة: ادرس لتنجح، ثم اكتشف لاحقًا أن النجاح نفسه قد يصبح مؤجّلًا أو مستحيلًا. وهنا يتحوّل التعليم من أداة للاندماج إلى تجربة اغتراب نفسي واجتماعي.

ويقترب هذا الوضع من تحليل الفيلسوف هربرت ماركوز (Herbert Marcuse, 1964)، الذي رأى أن المجتمعات الحديثة قد تدفع الإنسان إلى العيش داخل منظومات تُفرغه من المعنى رغم مظهرها العقلاني والتنظيمي. فالعاطل عن العمل لا يفقد فقط فرصة مهنية، بل يفقد تدريجيًا شعوره بالقيمة والجدوى، خاصة حين يرى عمره يتقدّم بينما تظلّ حياته معلّقة داخل انتظار لا ينتهي.

خاتمة: أزمة التعليم بوصفها أزمة ثقة وعدالة اجتماعية

إنّ أخطر ما تكشفه أزمة الشهادة الجامعية في تونس ليس فقط ارتفاع نسب البطالة، بل انهيار الثقة في فكرة التعليم نفسها بوصفها طريقًا للكرامة والعدالة الاجتماعية. فحين يتحوّل النجاح الدراسي إلى وعد مكسور، وحين تصبح الجامعة فضاءً لإنتاج الانتظار بدل إنتاج المستقبل، فإن المجتمع يدخل تدريجيًا في أزمة معنى عميقة تمسّ شبابه ومؤسساته وأفقه الجماعي.

فأيّ معنى يبقى للشهادة الجامعية حين يرى أصحابها أنّ الجهد العلمي لم يعد معيارًا حاسمًا في الانتداب؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بقيمة الدراسة إذا كان بعضهم يُقصى بسبب السنّ أو غياب إمكانيات النفاذ المتكافئ إلى الفرص والعلاقات الاجتماعية المؤثرة، بينما تُفتح الأبواب لآخرين عبر مسارات استثنائية أو غير شفافة؟ وهل يمكن لدولة تُربك علاقة المواطن بالعدالة والاستحقاق أن تحافظ فعلًا على ثقة شبابها ومستقبلها؟

المراجع:

1. Max Weber, conomie et société, 1922.

2. Pierre Bourdieu, La domination masculine, 1998.

3. Edgar Morin, La Tête bien faite, 1999.

4. Herbert Marcuse, L’Homme unidimensionnel, 1964.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال