بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحرية المبذرة ( الجزء الثاني مظاهر تبذير الحرية )

2025-12-04 359 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
مظاهر تبذير الحرية

مقدمة: الحرية بين الحق والعبث

الحرية، في جوهرها، ليست مجرد قدرة على الفعل أو الانفلات من القيود، بل هي صيرورة مستمرة للوعي الإنساني، تجمع بين الحق والوعي والمسؤولية. هي فضاء داخلي وخارجي، فردي وجماعي، تنظمه المعرفة والقيم، وتوجهه الأخلاق والالتزامات الاجتماعية. لكن حين تُمارس الحرية بلا وعي أو إطار مؤسسي، تتحول إلى حرية مبذّرة، تصبح عبئًا على الفرد والمجتمع، وقوة مضادة لنفسها، تكسر الروابط وتُضعف المؤسسات وتفرغ الفضاء العام من المعنى

الحرية المبذّرة ليست مجرد نزوة فردية، بل ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية وفكرية. يمكن ملاحظتها في المجتمعات التي شهدت صعودًا سريعًا لمفهوم الحرية دون مرافقه تأصيل معرفي أو أخلاقي. إنها حين تُفهم خطأ تصبح مبررًا للفوضى، ذريعة للهروب من الالتزام، وأداة لتبرير الصراعات بين المؤسسات أو داخل الجماعات

الهدف من هذا الفصل هو تحليل مظاهر الحرية المبذّرة عبر أربع دوائر مترابطة: السياسة، المجتمع، الثقافة والإعلام، والقيم الدينية والأخلاقية، مع تقديم أمثلة واقعية ملموسة وربطها بالتأمل الفلسفي والفكر الاجتماعي. هذا التحليل لا يقتصر على وصف الانحرافات، بل يهدف إلى فهم كيفية تحويل الحرية من قوة للبناء إلى أداة للهدم، واستكشاف السبيل لإعادة تعريفها ضمن ثلاثية الحق والوعي والمسؤولية

. الفوضى الحزبية والشعبوية: الحرية المبذّرة في السياسة

تتبدّى الحرية المبذّرة سياسيًا في انفجار حزبي بلا مضمون، حيث تتحول المنافسة على السلطة إلى صراع مصلحي محض، ويغلب الخطاب الشعوري على الخطاب البرامجي. تُستغل الشعارات الثورية لتبرير تقويض المؤسسات، فتتراجع هيبة الدولة ويختفي المشروع الوطني الموحد

أمثلة واقعية

تونس بعد الثورة 2011: تأسيس عشرات الأحزاب الجديدة، معظمها أحزاب كرتونية تكتفي بالخطاب الشعبي العاطفي، فيما انخرطت بعض الأحزاب المهيكلة في الشعبوية نفسها، مغيبة التخطيط الإستراتيجي والبرنامج الواقعي.

غياب مشروع اقتصادي واجتماعي ملموس، ورفض واسع للأجسام الوسيطة: أحزاب، نقابات، ومنظمات مجتمع مدني، لعدم قدرتها على أداء دورها الوطني


تحليل فلسفي وسوسيولوجي

فلسفيًا: سوء فهم الحرية السياسية بوصفها تنظيمًا للسلطة لا إلغاء لها

سوسيولوجيًا: تآكل الثقة بالدولة، ونمو "رأسمال فوضوي" يكافئ الضجيج على حساب البناء


. الفردية المطلقة وانهيار الانضباط الجمعي: الحرية المبذّرة في المجتمع

اجتماعيًا، تتحول الحرية المبذّرة إلى رفض كل أشكال السلطة المعنوية، بما فيها الوالدية والتعليمية والعرفية، وينمو النزعة الفردانية المطلقة التي تضع "أنا أولًا" فوق أي اعتبار للمصلحة الجماعية. هذا التحلل يؤدي إلى شرذمة العلاقات، تراجع التضامن، وانفلات المؤسسات المدنية

أمثلة واقعية

تونس: استخدام الاتحاد العام التونسي للشغل الاحتجاجات كأداة ضغط سياسي، وتحويل المطالب إلى ابتزاز سياسي يعرقل سير المؤسسات

بعض الجمعيات الشبابية تجاوزت حدود الحوار التنظيمي، وركّزت على مصالح فردية على حساب الصالح العام


تحليل فلسفي وسوسيولوجي

فلسفيًا: غياب التوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية يؤدي إلى تحلل المجتمع

سوسيولوجيًا: الحرية المطلقة بلا ضوابط تهدد استقرار المجتمع وتفكك النسيج الاجتماعي

. الكمّ على حساب العمق: الحرية المبذّرة في الثقافة والإعلام

في المجال الثقافي والإعلامي، تتحول الحرية المبذّرة إلى هيمنة الكمّ على العمق، فتنتشر الآراء السطحية، ويُساوى الجهل بالعلم باسم الحق في التعبير. تصبح المنصات الإعلامية والثقافية أدوات لصناعة النزاعات وتمرير رسائل مسمومة، بما في ذلك بعض أشكال الفعل الثقافي المثير للجدل

أمثلة واقعية

وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تونس بعد الثورة: انتشار محتوى يثير الجدل، وتحويل النقاش العام إلى مسرح للسخرية والانفعال، مع فقدان الحيادية في بعض القنوات الإعلامية التي صارت طرفًا سياسيًا.


تحليل فلسفي

تتحول الحرية إلى استعراض للذات بدل البحث عن المعنى

يسود منطق السوق على حساب القيم الثقافية: ما يُتداول بكثرة يُعتبر أكثر صحة، وما يُشاهَد أكثر يُعدّ أكثر صدقًا

. انفلات من المسؤولية الأخلاقية: الحرية المبذّرة في المجال الديني والقيمي

الحرية المبذّرة دينيًا تتحول إلى نقد سطحي للتراث ومهاجمة الدين بوصفه قيدًا، مع انتشار التوجهات العدوانية والإلحادية. أصبح القاسي والداني يدلي بدلوه في المسائل الدينية، وشارك تجار السياسة في تأسيس مفاهيم مثل "الإسلام التونسي"، وكأن للإسلام في تونس خصوصية منفصلة عن جوهره

تحليل فلسفي وفكري

الفصل بين الحرية والقيم الأخلاقية يؤدي إلى العدمية، واستبدال القيود الظاهرة بقيود داخلية أشد قسوة

الحرية بلا وعي ديني أو أخلاقي تتحول إلى عبء نفسي وفكري، وتجعل الفرد والمجتمع عرضة للضياع المعنوي

خاتمة: الحرية التي تُدمّر ذاتها

تجمع مظاهر الحرية المبذّرة خيطًا ناظمًا: حين تُمارس خارج الوعي والمسؤولية، تصبح قوة مضادة لنفسها؛ تسدّ الأفق بدل فتحه، وتقيد بدل تحريره. الحرية المبذّرة ليست مجرد خلل فردي، بل عرض حضاري شامل، يستدعي إعادة تعريف مفهوم الحرية ضمن ثلاثية مترابطة

الحق – الوعي – المسؤولية

إن إدراك هذا المثلث الفلسفي هو السبيل لجعل الحرية قوة للبناء والتقدم، لا أداة للفوضى والهدم، وتحويل المجتمع من فضاء انفلات وانعزالية إلى مجتمع واعٍ قادر على التوازن بين الفرد والجماعة، وبين التعبير والالتزام، وبين الاستقلالية والمسؤولية

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال