كنت ذات يوم علي موعد مع أستاذي في مرحلة الدراسات العليا بألمانيا، وحال جلوسي بادرني بالسؤال إن كنت قد شاهدت المباراة بكرة القدم بين منتخب ألمانيا وبلجيكا ؟ فقلت له لا، ولكني شاهدتها بالتلفاز في غرفتي بالفندق، فقال لي وما هو الشيئ الذي أثار انتباهك بصفة خاصة ؟
والأساتذة في أسألتهم الجانبية المحيرة أحياناً كأنهم يريدون اختبار الطالب في أنتباهه ودقة ملاحظته، فقلت له لم يثر انتباهي شيئ محدد، المباراة كانت جميلة عموماً. قال لي لا ...كان هناك شيئ يثير القرف، ألم تلاحظ كيف كان بعض الجمهور يهتف بعدوانية وشراسة ...ألمانيا ...ألمانيا ...ألمانيا ... فقلت له هذا ليس بغريب جداً فالجمهور يشجع فريقه طبعاً. قال ولكن لاعبو الفريق البلجيكي أيضاً كانوا شباب لطفاء وقد تدربوا ويلعبون ويطمحون بالفوز، وهذا من حقهم أيضاً، الجمهور يجب أن يشجع اللعب الجميل النظيف، وأنا شخصياً كنت أشجع الفريق البلجيكي، ومباريات الرياضة ينبغي أن تؤدي إلى تعميق المحبة لا لإذكاء التنافس الشرس، وإلا لماذا الرياضة، أهي لإشعال عداوات أم لتأسيس صداقات، اليوم كان الأساتذة في الجامعة منزعجين من تصرف بعض الجمهور، وهذه مشكلة تربوية علينا أن نتدارسها. كان هذا الدرس من أبلغ الدروس التي تلقيتها في حياتي، ولن أنساه ما حييت. تحية لأستاذي.
والعبرة هنا هي : هل نستطيع أن نقيم أحكاما موضوعية بعيدة عن العواطف ...؟ التعليم يتطلب تحرير العقل من الكوابح، ترى كم من الكوابح في حياتنا تقيد فكرنا وبصيرتنا بسلاسل حديدية، قائمة مرهقة وطويلة جداً، من الممنوع، والعيب، وممنوعات أخرى تضيفها العلاقات الأسرية والعشائرية / الاقطاعية، والاعتماد على المعطيات العلمية الغير مقبولة غالباً من الغرف السوداء المظلمة، وإلا مالفائدة أن تتعلم العلم بالمدرسة، وتعود لتعانق الخرافات وتمارسها في البيت وفي المقهي والشارع طول العمر، يجب على المعلم أن يكون قائداً فكرياً واجتماعياً، ويجب أن تصبح المدرسة المدرسة مؤسسة تعلم التلاميذ التفكير قبل بدء الحديث، كيف ذلك ونحن لدينا كم هائل من الحقائق المسلم بها دون تفكير ونقاش، الفرد الأوربي يصل إلى القناعة (غالباً) بعد تفكير عميق، لذلك فقناعاته بالاشياء راسخة لا تتزعزع بسهولة، لذلك فمهمة المعلم ، القائد التربوي عسيرة وليست سهلة، فهو يسبح غالباً ضد التيار في بحر متلاطم الأمواج.
يجب تعليم الأولاد بحيث أن يكون لكل تقديره وحكمه الخاص، لتكون له شخصيته الخاصة. أبقوا الطلاب على الشارع العام (المبلط) فإذا نزل عن المبلط تأخذه الطرق والنياسم تارة هنا وتارة هناك ... علموا أولادنا المشاركات، لنصنع مجتمعاً موحداً، أكثر من العام فهو أمر خاص، فليختص منه من يريد بينه وبين نفسه. يجب أن يعلم المعلمون أن كلما زادت المعلومات أزداد عمق الطالب وعمق تحليله، وبالتالي الصلابة في موقفه، وكلما ضيقت أفاقه، ضعف إدراكه وهزلت شخصيته.. وإذا كان من الصعب معرفة كل شيئ، لكن من الضروري امتلاك الشخصية القادرة على اتخاذ القرارات والحكم، وأزعم أن تدريب وصقل مثل هذه الشخصية مكانها في المدرسة قبل أن تكون في البيت ...!
يعتقد إنسان ما أنه حر، ولكنه في الواقع مصادر بصفة شبه تامة وكاملة، فهناك غالباً من يفكر بدلاً عنه، ويقرر ما يجب أن يأكل ويشرب، وماذا يكتب ويقرأ وكيف يفكر، وكل هذا يجري دون استئذان وبفضاضة، وللأسف أن البشر اعتادوا هذا الاستلاب التام، بل والأسوء أن بعضهم يجد في هذا تلذذاً وأستمتاعاً. والأمر قد يتحول إلى قناعة بأن هذا هو الأفضل، كما يجد بعض العصابيين(المرضى النفسيين) المتعة في الأنصياع والطاعة لمن يلحق به الألم والأذى والإهانة، وهؤلاء مرضى نفسيين يستحقون العلاج (مازوكي) (masochism)
معلم المدرسة مهنة شاقة، ولابد لمن يمارسها أن يتلقى تعليما عالياً، وكلما تراجعت أعمار التلاميذ، تزداد صعوبة التعليم، لذلك معلموا ومعلمات الروضة ينبغي أن يكونوا خريجي كليات، وفوق ذلك تلقوا دورات خاصة بعلم التربية (pédagogy)، فالطفل هو عالم كامل يسعى في كل لحظة لأكتشاف جديد، فكل ما يراه هو جديد بالنسبة له، كما أنه ينظر بإمعان لكل الأحداث التي تدور حوله، ويحاول تفسيرها ... ويحفظها، والدليل أننا نتذكر أحداث خاطفة مرت علينا ونحن صغار جداً، وهناك الكثير مما نشاهد ونعيش يرقد في الذاكرة، قد لا نستطيع تذكر تفاصيلها، ولكنها موجودة وفاعلة ..! قد يستطيع طبيب نفسي استخراجها، وهناك من الأطباء النفسانيين من يستخدم التنويم المغناطيسي، ليدع من يعالجه يروي له تفاصيل مذهلة ...!
أختتم مقالتي .... بمقولة من ميتولوجيا العرب قالها عنتر بن شداد يوم طلب منه أن ينهض للقتال والدفاع عن قومه، قال وقل يستطيع القتال والنزال من يداه مقيدتان ...؟ فقيل له يومها : " كر وأنت حر " واليوم أطرح الأمر بصورة مقاربة : خل يستطيع التفكير والإبداع من فكره مقيد ..؟ وما حققناه من منجزات كانت في عصور فيها شيئ من الحرية، ولكن منذ أن حل الظلام الدامس والغي العقل انتهى عصر الإبداع يا للأسف ..!
المشكلات الاجتماعية والتربوية غالباً ما تتسم بجذورها العميقة، لذلك حين البحث بهذه المشكلات ولا سيما المشكلة المستفحلة " القتل العشوائي / Amok " لا تبحث في مفردات غير مهمة، أبحث عن جذر المشكلة، لا تبحث من أين حصل على السلاح، فكر لماذا أختار السلاح ولماذا يقتل معلمته وزملاؤه ..؟
" لابد من إبداء ملاحظة حزينة: كان أخي ورفيقي الاستاذ صباح المصرف سيدلي بمداخلة مهمة، فهو من التربويين البارزين في العراق، رحمة الله على روحه الطاهرة الشريفة ".
تعليق على مقال