بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جمهورية الظل وكارتيل الأرستقراطية: وسيلة بن عمار وهندسة النهب المقدس بين مخدع الزعيم ومقصلة الجنرال

2026-02-25 130 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جمهورية الظل وكارتيل الأرستقراطية: وسيلة بن عمار وهندسة النهب المقدس بين مخدع الزعيم ومقصلة الجنرال
إن التاريخ التونسي المعاصر حين ننزع عنه مساحيق التجميل الدستورية ونخرجه من مدافن التأريخ الرسمي المستقيل لا يبدو سوى مسرحية إغريقية كُتبت فصولها بدم الكواليس وعرق المؤامرات التي طُبخت في الأقبية المظلمة لقصر قرطاج حيث لم تكن الدولة سوى غنيمة يتنازعها المركز الأرستقراطي القادم من المركاض و الهامش الطموح الزاحف من السواحل والقرى.
وفي قلب هذا الإعصار السوسيولوجي والجيوسياسي تبرز وسيلة بن عمار ليس كزوجة لزعيم هرم بل كإمبراطورة ظل استطاعت بعبقرية شيطانية أن تُعيد إنتاج نظام البايات بعباءة جمهورية محولةً السيادة الوطنية إلى وكالة تجارية حصرية لعائلتها وطبقتها.
منذ ذلك اللقاء المصيري في حمام الأنف عام 1943 أدركت وسيلة بذكائها العقادي الحاد أن الحبيب بورقيبة ليس سوى حصان طروادة الذي سيعبر به أعيان العاصمة (البلدية) إلى قلب السلطة لترويض ذلك الزعيم القروي الذي كان يهدد بقلب الطاولة الطبقية فكانت هي العقل البارد الذي يدير الجنون الكاريزمي لبورقيبة وهي التي نصبت نفسها المهندس الأكبر لعملية تجريف الفكر الاشتراكي الوطني عبر ذبح تجربة أحمد بن صالح عام 1969 لا حباً في الليبرالية بل لإفساح المجال أمام شقيقها المنذر بن عمار ليؤسس إقطاعية الرخص والوكالات التي حولت تونس من دولة منتجة إلى دكان كبير يبيع الفتات لفرنسا وإيطاليا ويقتات على العمولات لتصبح الدولة في عهدها مجرد مركز شرطة يحمي مصالح الكومبرادور المالي المتخفي خلف صالونات سيدي بوسعيد الراقية.
هذه الماجدة التي مارست السياسة بعقلية الداية و الجاسوس معاً لم تكتفِ بالسيطرة على الداخل بل مدّت خيوط عنكبوتها لتلعب شطرنجاً إقليمياً محفوفاً بالمخاطر فاستضافت ياسر عرفات عام 1982 لا من باب القومية الرومانسية بل لتجعل من تونس بورصة سياسية عالمية ترفع من ثمن مبيعاتها في سوق النفوذ الدولي وهي التي كانت تتلاعب بمعمر القذافي تارة بالترهيب وتارة بالإغراء وأجهضت وحدة جربة لأنها أدركت بوعيها الطبقي أن العقيد سيمزق نسيج الأرستقراطية الحضرية بصواعقه الجماهيرية فكانت وسيلة هي وزيرة الخارجية الفعلية التي تستقبل السفن وتنسق مع المخابرات الدولية بينما كان الوزراء في القصبة مجرد دمى في مسرح العرائس الذي تديره أجهزة التنصت التي زرعتها في كل زاوية من زوايا القصر محولةً الجمهورية إلى دولة موازية لا يمر فيها قرار دون
خاتم الماجدة وهو الأمر الذي خلق فراغاً سيادياً مريعاً جعل الدولة رهينة المزاج البيولوجي لامرأة رأت في تونس ملكية خاصة ورثتها عن والدها محمد بن عمار لكن مكر التاريخ كشف عورة الأساطير و جعل من نهاية هذه الإمبراطورية فضيحة وجودية بامتياز حين دخلت سعيدة ساسي على الخط لتعلن بداية حرب الحريم في أبشع صورها السوسيولوجية حيث تصادمت أرستقراطية العاصمة مع قرابة الدم الريفية وانتقل مركز الثقل من الصالون إلى
غرفة النوم و حقن الأدوية لتبدأ فصول الانقلاب الطبي الذي لم يكن في الحقيقة سوى نتيجة حتمية لتعفن السلطة الأبوية التي أكلت نفسها من الداخل.
سقوط وسيلة بن عمار بقرار طلاق للضرر في 1986لم يكن مجرد انفصال زوجي بل كان إعداماً سياسيا لطبقة بأكملها حيث استخدم بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية كخنجر مسموم ليطعن بها رفيقة دربه في لحظة خرف سياسي و نرجسية متورمة فاتحاً الباب للغول الأمني زين العابدين بن علي الذي كان يراقب من ثقب الباب انهيار دولة النساء ليجهز على دولة الزعيم ليكون يوم 7 نوفمبر 1987 هو الخاتمة المنطقية لجمهورية بُنيت على التجسس والولاءات العائلية واقتصاد الريع .
وسيلة التي طردت من القصر إلى منفاها الباريسي تركت خلفها دولة منخورة بالفساد المالي الذي أسس له شقيقها المنذر وجهازاً أمنياً تعلم فنون التنصت في مدرستها ليطبقه لاحقاً على الشعب بأكمله وما موتها الصامت في 1999 ووصيتها بالدفن في الجلاز بعيداً عن ضريح المنستير إلا الصرخة الأخيرة للأنا الأرستقراطية التي رفضت الانحناء حتى في القبر أمام الرعاع السياسيين الذين ورثوا عرشها ليبقى إرث الوسيلية وشمة عار في جبين تاريخ لم يُكتب بعد وتذكيراً بأن القصور التي تُحكم بالحب والحديد والصفقات المالية تنتهي دائماً تحت أحذية العسكر أو في سلال مهملات التاريخ بينما يظل الشعب هو الضحية الكبرى لسيادة مغدورة بيعت في صالونات الماجدة وقُبض ثمنها في حسابات المنذرية العابرة للقارات في مشهد سوسيولوجي مقزز يثبت أن الحداثة البورقيبية لم تكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها وحشاً بطريركياً نهش أحلام التونسيين في دولة المؤسسات والقانون.
وسيلة بن عمار لم تكن ضحية بل كانت الجزار الأنيق الذي ذبح الجمهورية على مذبح المصالح الطبقية وما نحن فيه اليوم من شتات اقتصادي وانسداد سياسي هو مجرد صدى لتلك الهمسات التي كانت تطلقها في أذن بورقيبة وهي تزرع أجهزة التنصت في مخدعه .
المال القذر الذي أدارته المنظومة الوسيلية يقتضي منا أولاً أن نكفن أسطورة بورقيبة الزاهد الذي مات ولا يملك غير قبره لنكشف عن البنية التحتية لحكم لم يكن يرى في الدولة سوى وكالة تجارية كبرى حيث تحول شقيق الماجدة المنذر بن عمار إلى المقاول الأوحد للجمهورية والوسيط الإلزامي بين السيادة الوطنية وبين عمالقة الرأسمالية الكومبرادورية في باريس وروما فلم تكن تلك الثروات التي تضخمت في حسابات آل بن عمار مجرد عمولات عابرة بل كانت نتاج عملية هندسة مالية شيطانية قامت على خصخصة
القرار السيادي وتحويل الرخصة الإدارية إلى صك ملكية إقطاعي يوزع على الأتباع والموالين لضمان ولاء الصالونات لعرش الماجدة.
لم يكن المنذر بن عمار مجرد رجل أعمال بل كان بتشريحي لشخصية الوسيط يمتلك عبقرية الطفيلي الذي يقتات على عجز الدولة عن الإنتاج ليغرقها في ثقافة الاستيراد والحصريات محولاً الاقتصاد التونسي إلى رهينة في يد حفنة من العائلات البلدية التي رأت في الاستقلال مجرد انتقال للحق في النهب من المعمر الفرنسي إلى الأرستقراطي الوطني وهنا نكشف أن الثورة البورقيبية التي ادعت تحرير المسحوقين قد انتهت في جيوب المنذر بن عمار الذي كان يهرب العملة الصعبة عبر طائرات الخطوط التونسية التي كانت تعامل كملكيات خاصة لتستقر في العقارات الفاخرة في الشانزليزيه وحسابات الأوفشور في سويسرا في أكبر عملية سطو بيولوجي على مقدرات شعب كان يظن أنه يبني دولة المؤسسات.
هذا المال القذر لم يكن ينفصل عن الجوسسة السياسية التي مارستها وسيلة داخل القصر بل كان هو الوقود الذي يغذي شبكة المخبرين والوزراء المرتشين الذين كانوا يقبضون ثمن ولائهم للماجدة من خزائن شقيقها وهو ما يفسر لماذا كانت وسيلة تستميت في الدفاع عن نمط استهلاكي فرنسي وتعرقل أي محاولة للتصنيع الوطني الحقيقي لأن المصنع يعني استقلالاً طبقياً بينما الوكالة التجارية تعني استمرار التبعية لبيت بن عمار وهو الملف الذي ظل مسكوتاً عنه في الأرشيفات الرسمية لأن يد المنظومة كانت طويلة بما يكفي لإحراق الوثائق أو شراء الذمم حتى جاءت لحظة السقوط الدرامي لتكشف أن الدولة العميقة التي أسستها وسيلة لم تكن سوى كارتيل مالي متستّر بالشرعية التاريخية وحين أطيح بها لم يكن بن علي سوى الوريث الانقلابي الذي طور تقنيات النهب من أسلوب "الصالونات الأرستقراطي إلى أسلوب المافيا الأمنية الفجّ مستفيداً من الثقوب التي تركتها وسيلة وشقيقها في جدار النزاهة الوطنية
فكانت تلك الطائرات التي كانت تهرب الأموال في الثمانينات هي ذاتها التي مهدت الطريق لعائلات العهد الجديد لتمزيق ما تبقى من لحم الوطن لتظل الوسيلية هي الخطيئة الأصلية التي حولت حلم الجمهورية إلى كابوس ريعي يطارد التونسيين في لقمة عيشهم حتى اللحظة وتؤكد أن قرطاج في ذلك العهد لم يكن يسكنها زعيم ملهم فحسب بل كان يحرسها مصرفي غامض يمسك بمفاتيح الخزائن المنهوبة ويهمس في أذن التاريخ بأن السلطة بلا مال هي انتحار والمال بلا سلطة هو مصادرة لتبقى ثروة آل بن عمار هي اللغز المالي الذي يفسر لماذا بقيت تونس دولة غنية يسكنها شعب فقير ولماذا انتهى المجاهد الأكبر وحيداً بينما كانت أموال الماجدة تؤمن مستقبل السلالة في عواصم الضباب والأنوار بعيداً عن تراب الجلاز الذي ادعت وسيلة الانتماء إليه في وصيتها الأخيرة كنوع من التمويه السوسيولوجي الأخير.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال