هذا عنوان لمقال افتراضي جداً، لموضوعة افتراضية جداً، ولكنها محاولة إقامة مقاربة فيما كان، وفيما يمكن أن يكون، والأفضل الذي كان يمكن أن يكون ...
أبتداء، لست مع أو ضد أن تتولى حركة دينية قيادة إيران أو غير إيران، إلا بقدر ما ستحرز مكتسبات، أو ما سترتكب من أخطاء ستنتشر إلى دول الجوار والأقليم كالبثور. والقيادة الدينية الإيرانية عملت على إنضاج كافة التطورات اللاحقة منذ الدقيقة التي وضع فيها قائد الثورة قدميه في أرض مطار طهران عائداً من فرنسا بطائرة" أير فرانس" وبحماية وفرتها له الطائرات المقاتلة الأمريكية من قاعدة انجرليك Incirlik / جنوب تركيا. وحتى نهاية عهد أوباما الثاني، ومعظم فترة ولاية الرئيس بايدن، كان التنسيق يدور على نحو مرض، والتخالف بين ملالي طهران والإدارة الأمريكية كان يدار بطريقة مرضية، إلا أن الخلافات مع قطب التحالف الثلاثي الآخر (إسرائيل) بدأت تطفو بعد عام 2006، ولم تقلب الولايات المتحدة ظهر المجن لنظام الملالي إلا بعد ولاية الرئيس ترامب.
ومع ذلك لم يتحول الخلاف مع الولايات المتحدة إلى خلاف جوهري، لحد اندلاع معارك (حرب مارس / 2026)، وعلمياً، هناك فرق كبير بين الخلاف، وتباين المواقف، ووجهات النظر، وهذه لا تفسد التحالفات، إلا أن التناقض الجوهري بدرجته التناحرية، قد يقود إلى الصراع المسلح (الحرب)وهي درجة لم يبلغها بعد تناقض ملالي طهران مع الولايات المتحدة. ولكن قيادة الملالي بغباءهم يقودون العربة (إيران )صوب الهاوية.
وكانت الاستخبارات العسكرية الأمريكية قد أوفدت (جنرال بأربعة نجوم) الفريق أول طيار روبرت ارنست هويزر Robert Ernest Huyser قائد القوات الجوية الأمريكية في أوربا، لكي يتأكد بنفسه ويشرف على منع ضباط الجيش الإيراني من القيام بحركة عسكرية تقمع الثورة وتدعم نظام الشاه. ومن ثم فقد أبلغ الجنرال الأمريكي الشاه نفسه بأن الولايات المتحدة ليست في وارد الدفاع عن نظامه، وإن اختار مغادرة البلاد، فذلك هو أفضل الخيارات. رغم أن السفير الامريكي في طهران كان يري، وكذلك وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، ضرورة إنقاذ نظام الشاه. (*)
لكن ما جرى بعد الإطاحة بنظام الشاه، لم يكن مختلف عليه جذرياً أو جوهرياً، ربما كانت هناك بعض الخلافات في التفاصيل الدقيقة، بما في ذلك إعدام جنرالات الشاة الذين كانوا ينسقون مع الاستخبارات العسكرية الأمريكية، حتى حادثة احتلال السفارة الأمريكية لم تسيئ كثيراً لصورة الموقف، فحفنة من طلاب غاضبون، لا يعرقل دوراً ومكانة كبيرة في الخطط الاستراتيجية، فالخلافات الصغيرة لا تغضب أمريكا، بل تعتبره أمراً معقولاً ومقبولاً يمكن أن يحدث حتى في أقوى التحالفات.
الخطأ الأول وهو الأكبر : الذي أرتكبه نظام الملالي(بتقديري)، هو قبولها أن يكونوا رأس رمح في مشروع صاغته دوائر الولايات المتحدة ، الأمنية والعسكرية، موجه للنهوض العربي، وهذه مهمة قديمة/ جديدة للدولة الإيرانية والجديد تماماً تمثل بإقحام نظام الملالي أنفسهم بعمائمهم وعبائاتهم في الخطوط المتقاطعة المعقدة في الوطن العربي، فقد وضعوا انفسهم في الخندق المتقدم المعادي للأمة العربية، ولأميركا في ذلك أهداف وغايات. وهذا ما سيجر عليها تناقضات فرعية لاحقة .
والخطأ الثاني : كانت حين أعلنت طهران نظام ولاية الفقيه، وهي شرعياً بدعة دينية غريبة حتى في المذهب الشيعي الإثناعشري(نظام الدولة الرسمي)، وكان هذا يعني مباشرة وبوضوح تام، إثارة الصراعات المذهبية في ساحات الوطن العربي، وحربا لها أهداف معلنة وسرية وصراعات لا تتوقف في ساحات عديدةـ وحيثما تمكنت من ذلك، فكان أن حققت بعد حصول النظام على " كارت بلانش / بطاقة بيضاء" للتدخل، وأن تزعزع الأوضاع في العراق وسورية ولبنان، واليمن، ومحاولات فاشلة في أكثر من قطر عربي. وكان هذا خطأها المميت الثاني. وكان ذلك هدفاً أمريكياً.
وكانت الولايات المتحدة قد حرصت أن تزن مواقفها بميزان حساس جداً خلال الحرب العراقية / الإيرانية التي أستغرقت ثمان سنوات كاملة، سجلت فيها تدخلات واضحة عديدة لصالح إيران (أبرزها فضيحة إيران كونترا)، تدخلات سياسية وعسكرية كانت تبقي إيران في جاهزية قتالية لمواصلة الحرب من حيث المعلومات الاستخبارية، وحث أصدقاء الولايات المتحدة (ومنهم إسرائيل بالطبع) على تقديم صفقات أسلحة لإيران، ولم تكف عن محاولاتها إلا بعد أن أدركت الولايات المتحدة بالتأكيد فشل أداء جيش الملالي، وانهياره المحتم، ونشاط المعارضة الإيرانية كان ينبأ بأن بأنهيار النظام قد يؤدي لسقوطه، فأوعزت لنظام الملالي بإيقاف الحرب، وتولت بنفسها المهمة.
الخطأ الثالث : وتمثل في فشل إيران في تحقيق أهداف حرب الثمان سنوات(إسقاط العراق) المدخل للخطأ الثالث، هو فشل التحالف الثلاثي (أميركا، إيران، إسرائيل) الذي كانت أسسه قد وضعت، على أساس أن الانتصار العراقي المرموق، سيقود لنهضة في الوطن العربي، وجرى تفعيل الخطط السياسية/ العسكرية، بعدم السماح لنهوض عربي، كقاعدة أساسية، وإسقاط النظام في العراق. دون اكتراث ما قد ينجم عن ذلك من خلل بالتوازنات الحساسة في الشرق الأوسط، لم تكن كامل الدول الغربية الرئيسية توافق عليه، فالخطط الاستراتيجية الشاملة كانت الولايات المتحدة تهتم بها، تعني بالوضع الدولي في أعقاب الحرب البارد وأتفاقية مالطا دسسمبر/ 1989 وكان إسقاط النظام العراقي إحدى بنودها. وافقت روسيا غورباتشوف عليها، وبريطانيا / تاتشر، وعارضتها فرنسا/ ميتران، وألمانيا / شرويدر.
والخطأ الرابع : حين قبلت إيران أن تلعب دور ملقط جمر في أفغانستان، ثم في العراق، فحين أنجزت الولايات المتحدة ومعها(33 دولة) في إسقاط النظام الوطني، ووضع العراق تحت البند السابع يتيح لدول تمتلك القوة أحتلال وإدارة دول مستقلة، والبند السابع لم يكن موجوداً في نظام الانتداب / عصبة الأمم، إيران دخلت بعد الاحتلال بقواتها المسلحة وشبه المسلحة للعراق، فهي بذلك لم تكن موافقة عليه فحسب، بل ومشاركة فيه في دور ثانوي كمساعد للولايات المتحة. وهذا هو الخطأ الرايع. (**)
الخطأ الخامس : يتمثل بتحويل البرنامج السلمي في استخدام الطاقة النووية الإيرانية إلى اغراض إنتاج الأسلحة النووية. فشاه إيران المخلوع حين أقام المنشاءات النووية بمساعدة الاتحاد السوفيتي، فعل ذلك بعد ضوء أخضر وموافقة الأمريكيين الذين كانوا ضامنين لعدم تحوله للأغراض الحربية، وتأكيداً على ذلك، وقعت إيران على معاهدة جنيف/ 1970 للحد من أنتشار الأسلحة النووية. إلى جانب دول كثيرة
Treaty on the Non-Proliferation of Nuclear Weapons) واختصاراً NPT)
ولكنها تحولت لصناعة السلاح النووي وهذا مثبت من خلال تجأوزها لدرجة تخصيب اليورانيوم، وبكميات كبيرة لصناعة العديد من القنابل النووية. ولم تتمكن إيران من إقناع خبراء منطمة الطاقة الذرية أن هذا المستوى المرتفع من إنتاج اليورانيوم المخصب هو مجرد للأعراض السلمية.
ومما عزز هواجس المنظمة، وبالتالي الولايات المتحدة، والمخاوف بدرجة مصيرية لدى إسرائيل، حليفها القديم في التحالف الثلاثي، والتي فعلت الكثير من أجل مساعدة طهران خلال حرب السنوات الثمان. وتعتبر امتلاك إيران للسلاح النووي أمرا ماساً بدرجة خطرة لأمنها، والولايات المتحدة إن تفضل حل هذه الإشكالية بين الحلفاء بالتفاوض، وبالنسبة للولايات المتحدة، تعتبر أمتلاك إيران للسلاح النووي ليس خطراً بدرجة التهديد المؤكد، فهناك قوى كثيرة في العالم معادية للولايات المتحدة ولكامل المعسكر الغربي : روسيا، الصين، كوريا، ولكن الولايات المتحدة تتفهم مخاوف إيران لكون الخطر قريب أولاً، وتوفر السلاح الناقل (الصواريخ البالستية) ثانياً، وأن إيران دولة غير موثوقة ثالثاً، وأن ملالي يكون بأيديهم سلاح نووي، دولة ليس فيها نظام حكم واضح ومفهوم، مسألة لا يمكن أن تكون مقبولة، ومن هنا يلاحظ ميل أميركا للتفاوض والحلول الدبلوماسية في عهد الرؤساء الأمريكان وليس ترامب لوحده.
إيران بالغت بالمناورة، والمطاولة، والمراوغة، وفعلت ما يجوز وما لا يجوز لعدم التوصل لنهاية وخاتمة مقبولة، تحت شعار " اللعب على الوقت " ولكن لكل لعب نهاية، وقد أحتملوا اللعب مع إيران عقود طويلة، الامر الذي دفعهم للأقتناع بأنها تخفي أمراً جللاً لا تريد الافصاح عنه. وأخفت موادها النووية تحت أتفاق الجبال، وهذه ليست مشكلة للولايات المتحدة إن شاؤوا الوصول إليها، وحين تندلع الحرب تتقلص مساحة العمل الدبلوماسي، ومع كل ضربة قوية تمثل تجاوزاً للحدود الدبلوماسية وإبعاداً النوايا الحسنة.. وتقرباً للنزاع من درجاته الحادة.
بالعودة إلى عنوان المقالة، الاخطاء الخمسة الرئيسية بالتدريج، الخطأ الأول يقود للخطأ الثاني، والثاني للثالث، والثالث للرابع والرابع للخامس، بعد وضع الملالي أنفسم في إشكالات غير ضرورية، صار محتماً عليهم طرق باب الإشكالية الخامسة، بعد شعروا أن لا أحد يريد التعامل معهم، وأن دولتهم مهددة بالزوال والتفتت، وأن السلاح النووي قد يحميهم .. وفاتهم أن السلاح النووي ليس للأستخدام، بل هو للردع، وأن السلاح وحده لا يحمي الدول وحتى السلاح النووي/ فهذه روسيا اضطرت إلى تفككيك الدولة السوفيتية وعدها أكثر من 1200 رأس نووي، وأن دولاً عديدة في العالم تراجعت عن المشروع النووي، لأنه باهض التكاليف، وإدامة المشاريع والاسلحة واليورانيوم المخصب، مكلف مالياً، والأفضل لو تصرف هذه الأموال على التنمية والمشاريع الاستثمارية ...
لو كنت محل القيادة الإيرانية لتجنبت هذا المسار من خطوته الأولى ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كتب الجنرال (الفريق أول الطيار) ارنست هويزر Robert Ernest Huyser فيما بعد مذكراته وهي بعنوان : An Ihren Hnden klebt Blut/ أياديكم مضرجة بالدماء،
صدرت مترجمة للعربية ، د. ضرغام الدباغ، دار ضفاف، الدوحة، الأمارات العربية، الطبعة الأولى عام2015
(**) نظام لأنتداب الفئة أ / Mandate System Category A.) مع الفارق أن نظام الانتداب لم يكن ليطال دولاً مستقلة ذات سيادة.
لو كنت مكان القيادة الإيرانية
2026-04-26
10 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال