بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سيدي تاتا: أركيولوجيا الصمت والانذهال في الجيولوجيا الروحية التونسية

2026-04-22 414 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سيدي تاتا: أركيولوجيا الصمت والانذهال في الجيولوجيا الروحية التونسية
إننا حين ننقب في جيولوجيا الروح التونسية لا نصطدم فقط بالرواسب التاريخية المتعاقبة بل نجد أنفسنا أمام
ثقوب سوداء في الذاكرة الشعبية تسكنها شخصيات ملغزة تعيد صياغة مفهومنا عن الهوية والقداسة.
شخصية سيدي تاتا ليست مجرد خرافة تلوكها الألسن في سهرات الشتاء أو حكاية منسية في زوايا النسيان بل هي كيان أركيولوجي حي يختزل في مسامه تقاطعات الموروث الأمازيغي البدئي مع تجليات التصوف الإسلامي مشكلاً حالة من الجنون المقدس التي تتحدى صرامة العقل الاجتماعي.

محاولة تفكيك هذه الشخصية هي رحلة في الحفر الفيلولوجي والأنثروبولوجي تبدأ من اللسان لتنتهي في أعماق السوسيولوجيا التونسية حيث يختلط المرئي باللامرئي والواقعي بالأسطوري في مشهد سريالي يعبر عن كيفية تعامل الوعي الجمعي مع سيرة الاختلاف والتحول.

تبدأ الرحلة من العتبة اللغوية حيث يسلمنا اللفظ أمازيغي الأصل تاتا إلى دلالات عميقة ترتبط بكيان الحرباء ذلك الكائن الذي يمثل في المتخيل الشعبي أم البوية رمز التلون والسيولة الوجودية. لكن البحث يتجاوز التسمية البسيطة ليدخل في تعقيدات مصطلح الهسكنتات تلك اللفظة التي تبدو كأنها شفرة من لغة بائدة فالعنصر هس يحيلنا إلى ذلك الفتى اليافع أو الكائن الجني بينما تربطه الكاف التشبيهية بأنتات المشتقة من الحرباء.
نحن هنا لسنا أمام مجرد اسم بل أمام تركيب ميثولوجي يحيل على الفتى المرتبط بالحرباء أو جني التحول وهو ما يضع سيدي تاتا في مرتبة الولي البدئي الذي يسكن تضاريس الزمان قبل أن تبدأ الجغرافيا بتصنيف الأديان والمذاهب وكأنه صرخة من بقايا قبائل العمالقة أو السكان الأوائل الذين عمروا هذه الأرض قبل التاريخ المكتوب.

تأخذنا الأسطورة إلى تخوم الريف التونسي حيث تتشكل مأساة فتى مسكون بفضول معرفي حارق، فتى كان يسأل عن العلة وبنت العلة في مجتمع لا يقبل إلا الأجوبة الجاهزة واليقينيات المريحة.
هذا الانسحاب من عالم البشر نحو عالم الطبيعة لم يكن هروباً بل كان قطيعة وجودية تجلت في لحظة الانذهال أمام صخرة صماء تسكنها حرباء تتلون مع الضوء.
هنا تحول سيدي تاتا من كائن اجتماعي إلى مرآة كونية تسمر أمام التحول اللوني ليدخل في حالة من العشق البصري أو التنويم المغناطيسي الكامل لدرجة أن الزمن الاجتماعي توقف عنده تماماً.
المجتمع الذي لا يفهم الصمت الطويل إلا بوصفه بلاهة أطلق عليه لقب بهلول لكنه في الحقيقة كان يمارس نوعاً من الزهد الراديكالي الذي حول جموده إلى رسالة مشفرة فصارت حركاته وسكناته بمثابة الوحي الشعبي الذي يستنبط منه العامة بشائر الخير أو نذر الشؤم.

هذا المسار العكسي للقداسة يختلف جذرياً عن قداسة الفقهاء أو المجاهدين فسيدي تاتا نال ولايته بالصمت المطلق والاستغراق في الآخر الطبيعي مما جعل منه وسيطاً غيبياً رغماً عنه.
وعندما ننتقل من جغرافيا الخلاء إلى زحام المدينة العتيقة في تونس نجد أن الأسطورة تكتسي لبوساً آخر فتتحول إلى سيرة درويش مديني يجوب الأسواق ووريث لثروة طائلة فضل أن ينفقها في دروب الوجد الشعبي.
سيدي تاتا المديني الذي استعادته الذاكرة الشفهية في القرن العشرين يمثل نموذج المجاذيب الذين يحظون بحماية اجتماعية خاصة لأنهم يذكرون المدينة بطفولتها الضائعة وبراءتها التي لم تلوثها حسابات المادة.
بين سيدي تاتا الأسطوري الرابض فوق صخرته في البراري وسيدي تاتا التاريخي الذي يسكن أزقة باب سويقة نجد الخيط الرابط ذاته: التحدي الصامت لمنطق العقل الجمعي.

تمتد الجغرافيا المقدسة لهذه الشخصية من أعالي أم العرايس بقفصة حيث تتداخل الحكايات مع القلتات الجبلية والعيون التي تبتلع العرسان وصولاً إلى جوار سيدي محرز سلطان المدينة.
هذا التمدد المكاني يمنح الظاهرة بعداً أنثروبولوجياً يؤكد أن سيدي تاتا هو الوجه الآخر للهوية التونسية التي لا تمارس الإقصاء ضد المختلف بل تستوعبه داخل مؤسسة البهللة
أو الولاية.
كلمة بهلول في الدارجة التونسية ليست شتيمة طبية بل هي اعتراف بصفاء السريرة وقدرة الشخص على ملامسة الحقيقة دون وسائط عقلية. وتتجلى عبقرية المخيال الشعبي في تحويل الحرباء من مجرد حيوان إلى رمز للتحول الثقافي والتجلي الإلهي فالحرباء هي المحفز الذي نقل الفتى من عالم الإنسان المثقل بالأسئلة إلى عالم الغيب المثقل بالأجوبة الصامتة.

الأثر اللغوي المعاصر الذي تركه سيدي تاتا في عبارات التحذير من الخداع مثل قول التونسي «ما تعملنيش سيدي تاتا» يكشف كيف تحولت الأسطورة من حدث قدسي إلى أداة نقدية واعية.
صار سيدي تاتا هو المقياس الذي نزن به صدق النوايا وتلون المواقف وكأن الوعي الشعبي أراد أن يقول إننا لسنا بسطاء لدرجة الانبهار بكل لون يتغير أمامنا.
في نهاية المطاف يظهر سيدي تاتا كتوأم روحي لشخصية جحا فبينما يستخدم جحا الحيلة والسخرية لتعرية النفاق يستخدم سيدي تاتا الصمت والذهول للاتصال بالحقائق الكبرى.
إنه تذكير أبدي بأن الحقيقة ليست دائماً في صخب الكلام بل قد تسكن في ذلك الصمت الطويل أمام صخرة الوجود وأن من نراه بهلولاً قد يكون هو الوحيد الذي استطاع رؤية ألوان الحقيقة كاملة في عالم يصر على الرؤية بلون واحد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال