بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علوم التربية: من الوعد العلمي إلى هيمنة الخطاب البيداغوجي قراءات في أركيولوجيا الخطاب التربوي

2026-03-28 28 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في عالم التعليم الحديث، تتشابك التحديات وتتعدد الممارسات داخل الأقسام، ما يجعل المدرسة فضاءً مزدوجًا: مساحة للمعرفة وأرضًا للتجريب البيداغوجي. علوم التربية دخلت هذا الفضاء بوعد فهم التعلم ودعم العملية التعليمية، لكنها شهدت تحولات جعلت من الخطاب البيداغوجي أداة قوية تؤثر على الممارسة اليومية للمعلمين والمتعلمين على حد سواء. هذا المقال يقدم قراءة أركيولوجية لمسار علوم التربية، من الوعد العلمي إلى هيمنة الخطاب البيداغوجي.

علوم التربية: من الوعد العلمي إلى هيمنة الخطاب البيداغوجي
قراءات في أركيولوجيا الخطاب التربوي

لم تدخل علوم التربية إلى المدرسة بوصفها سلطة، بل بوصفها وعدًا. وعدٌ بفهم الظاهرة التعليمية فهمًا علميًا، وتفسير ما يحدث داخل الفصول الدراسية بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو الخبرة الحدسية. فقد بدا في لحظة تاريخية معينة أن المدرسة، مثل غيرها من المؤسسات الاجتماعية، يمكن أن تصبح موضوعًا للعلم: تُحلَّل بنيتها، تُدرس ممارساتها، وتُفهم آليات التعلم فيها عبر أدوات منهجية دقيقة. غير أنّ المسار الذي سلكته هذه العلوم لم يبقَ دائمًا في حدود التفسير والتحليل؛ إذ تحوّل تدريجيًا من مشروع معرفي لفهم المدرسة إلى خطاب معياري يسعى إلى توجيهها وإعادة تشكيلها. من هنا تبرز الحاجة إلى قراءة أركيولوجية للخطاب التربوي تكشف كيف انتقل هذا الحقل من الوعد العلمي إلى هيمنة الخطاب البيداغوجي.

1. نشأة علوم التربية: حلم العلمية وفهم الظاهرة التربوية

في بدايات تشكلها، ظهرت علوم التربية باعتبارها محاولة لإخضاع التربية للتحليل العلمي. فقد سعت إلى الاستفادة من علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة لفهم التعلم وبنية المدرسة والعلاقات التربوية داخلها. كان الهدف آنذاك تفسير الظاهرة التربوية لا إصدار الأحكام عليها؛ أي بناء معرفة تفسيرية تساعد على فهم ما يحدث في الفصول الدراسية وفي المؤسسات التعليمية.
وقد ارتبط هذا الطموح العلمي بتطور علم النفس التربوي وأبحاث التعلم. فقد حاول جون بياجيه تفسير تطور التفكير لدى الطفل عبر مراحل معرفية محددة (Piaget, 1970)، في حين ركز ليف فيغوتسكي على البعد الاجتماعي للتعلم وعلى دور التفاعل في بناء المعرفة (Vygotsky, 1934/1997). وفي الوقت نفسه، أسهم علماء الاجتماع في فهم المدرسة كمؤسسة اجتماعية تخضع لمنطق المجتمع وبنياته، حيث اعتبر إميل دوركايم أن التربية عملية اجتماعية تهدف إلى إعادة إنتاج القيم الجماعية داخل الأجيال الجديدة (Durkheim, 1922).
في هذه المرحلة، كانت علوم التربية أقرب إلى مشروع علمي تفسيري يهدف إلى فهم المدرسة، لا إلى فرض نماذج جاهزة عليها. كانت المدرسة موضوعًا للدراسة، لا موضوعًا للإدارة الخطابية.

2. التحول من المعرفة التفسيرية إلى الخطاب المعياري:

مع مرور الزمن، بدأت علوم التربية تشهد تحولًا تدريجيًا في طبيعة خطابها. فبدل الاكتفاء بتحليل الظواهر التربوية، أخذت هذه العلوم تميل إلى صياغة توصيات معيارية تحدد ما ينبغي أن يكون عليه التعليم. هكذا انتقل الخطاب من مستوى التفسير إلى مستوى التوجيه، ومن تحليل الواقع إلى اقتراح نماذج مثالية للتعلم والتعليم.
وقد رافق هذا التحول توسع الإصلاحات التربوية وظهور نظريات تربوية جديدة تدعو إلى إعادة تنظيم عملية التعلم. فظهرت مفاهيم مثل التعلم النشط، والمقاربة بالكفايات، والمشاريع التعليمية. غير أن انتشار هذه المفاهيم تمّ أحيانًا بطريقة معيارية تجعلها تبدو وصفات عامة قابلة للتطبيق في كل السياقات، وهو ما قد يخلق مسافة بين الخطاب النظري والممارسة الواقعية داخل الفصول.
وقد لاحظ عدد من الباحثين أن الخطاب التربوي يميل أحيانًا إلى إنتاج نماذج مثالية أكثر مما يسعى إلى فهم الواقع المدرسي ذاته، كما أشار إلى ذلك فيليب ميريو (Meirieu, 2001). كما أن بعض الإصلاحات التعليمية تُبنى على تصورات نظرية للتعلم دون أن تراعي دائمًا تعقيد الممارسات اليومية داخل الأقسام، وهو ما بيّنه فيليب بيرينو (Perrenoud, 1994).

3. تضخم الخطاب البيداغوجي:

مع توسع الإصلاحات التعليمية، ازداد حضور الخطاب البيداغوجي داخل المدرسة. فالمعلم لم يعد يُطلب منه فقط تدريس المعرفة، بل أصبح مطالبًا أيضًا بإدارة مجموعة كبيرة من المفاهيم والتقنيات البيداغوجية. ظهرت شبكات تقييم معقدة، ومصطلحات جديدة، ونماذج تخطيط متعددة، حتى بدا أحيانًا أن النشاط البيداغوجي نفسه أصبح غاية في حد ذاته.
وفي قلب هذا التحول، يمكن ملاحظة مشاهد ميدانية تكشف عمق المفارقة: معلمٌ ينشغل أثناء الحصة بملء شبكة تقييم مفصلة وفق مؤشرات دقيقة، بينما يعجز بعض التلاميذ عن استيعاب المفهوم الأساسي للدرس؛ أو تلاميذ يبدون في حالة نشاط دائم عبر أنشطة جماعية وتمارين متنوعة، لكنهم يعجزون لاحقًا عن توظيف ما “تعلموه” في وضعية جديدة. هنا لا يغيب الجهد البيداغوجي، بل يتضخم إلى حد يحجب المعرفة نفسها.
في هذا السياق قد تتحول العملية التعليمية إلى سلسلة من الأنشطة والتنظيمات الشكلية، بينما يتراجع الاهتمام بجوهر المعرفة نفسها. يصبح التلميذ نشيطًا في الظاهر، لكن امتلاكه العميق للمفاهيم قد يظل محدودًا. وهكذا تنشأ فجوة بين الحركية البيداغوجية والتملك المعرفي.
وقد حذّر باولو فريري من خطر اختزال التعليم في إجراءات تقنية أو أنشطة شكلية، مؤكدًا أن التعليم ينبغي أن يكون فعلًا نقديًا يحرر المتعلم ويمكّنه من فهم العالم لا مجرد التكيف معه (Freire, 1974).

4. قراءة أركيولوجية للخطاب التربوي:

لفهم هذا التحول يمكن الاستفادة من منهج تحليل الخطاب الذي طوره ميشال فوكو، والذي يقترح دراسة المعرفة من خلال تتبع تشكل الخطابات والسلطات التي تنتجها (Foucault, 1969). وفق هذا المنظور، لا تُفهم العلوم فقط من خلال مضمونها المعرفي، بل أيضًا من خلال موقعها داخل شبكة السلطة والمعرفة.
انطلاقًا من هذا المنهج يمكن النظر إلى علوم التربية بوصفها حقلًا معرفيًا أنتج خطابًا يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في الممارسة المدرسية. فقد أصبح الخطاب التربوي يحدد ما يعتبر ممارسة جيدة أو غير جيدة، وما ينبغي أن يفعله المعلم داخل القسم، بل وحتى الطريقة التي ينبغي أن يُنظَّم بها التعلم نفسه. بهذا المعنى، لا تعود علوم التربية مجرد معرفة حول المدرسة، بل تتحول إلى سلطة خطابية تشارك في تنظيمها.

5. المدرسة بين المعرفة والخطاب:

هذا التحول يضع المدرسة المعاصرة أمام مفارقة. فمن جهة تسعى الإصلاحات التربوية إلى تحديث التعليم وجعله أكثر انسجامًا مع تطور المعرفة والمجتمع، ومن جهة أخرى قد يؤدي تضخم الخطاب البيداغوجي إلى إرباك الممارسة التعليمية إذا تحوّل إلى شبكة معقدة من المفاهيم والتعليمات.
إن المدرسة في جوهرها فضاء للمعرفة. وكل خطاب تربوي لا يعيد المعرفة إلى مركز العملية التعليمية يظل معرضًا لخطر التحول إلى ممارسة شكلية. فالمعلم يحتاج إلى أدوات بيداغوجية تساعده على التعليم، لا إلى منظومة مفاهيمية تثقل عمله دون أن تعزز الفهم الحقيقي لدى المتعلمين.
وقد أظهرت دراسات سوسيولوجيا التعليم أن المدرسة تظل فضاءً تتقاطع فيه المعرفة مع السلطة والثقافة، وأن فهم هذه العلاقة شرط أساسي لفهم التحولات التي يعرفها النظام التعليمي، كما بيّن ذلك بيير بورديو وجان-كلود باسرون (Bourdieu & Passeron, 1970).

خاتمة:

تكشف القراءة الأركيولوجية لعلوم التربية عن مسار انتقل فيه هذا الحقل من وعد علمي بفهم الظاهرة التربوية إلى خطاب يمتلك قدرة متزايدة على توجيه الممارسة التعليمية. هذا التحول لا يعني فشل علوم التربية، لكنه يطرح سؤالًا أساسيًا: هل ينبغي أن تظل علوم التربية علمًا يفسر المدرسة، أم سلطة تحدد كيفية عملها؟
إن إعادة التفكير في هذا السؤال شرط لاستعادة التوازن داخل المدرسة بين المعرفة والبيداغوجيا. فالبيداغوجيا بدون معرفة تتحول إلى تقنية فارغة، والمعرفة بدون بيداغوجيا قد تبقى بعيدة عن المتعلم.
ومن هنا تظل الأسئلة مفتوحة:
هل يمكن لعلوم التربية أن تعود إلى دورها التفسيري بدل التحول إلى خطاب معياري؟
وهل تستطيع المدرسة أن تحافظ على مركزية المعرفة في زمن تتكاثر فيه الخطابات البيداغوجية؟

ولعل السؤال الأخطر هو:
هل نحن أمام علم يفسر المدرسة، أم أمام خطاب يعيد تشكيلها؟

المراجع:

1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: PUF.

2. Piaget, J. (1970). Psychologie et pédagogie. Paris: Denoël.

3. Vygotsky, L. (1997). Pensée et langage. Paris: La Dispute.

4. Foucault, M. (1969). L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard.

5. Freire, P. (1974). Pédagogie des opprimés. Paris: Maspero.

6. Meirieu, P. (2001). Le choix d’éduquer. Paris: ESF.

7. Perrenoud, P. (1994). Métier d’élève et sens du travail scolaire. Paris: ESF.

8. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: Minuit.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال