بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

السودان: حين تتحوّل الثروة إلى جريمة وتصبح الدولة مجرد شركة نهبٍ بلا سيادة

2026-03-18 38 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
السودان: حين تتحوّل الثروة إلى جريمة وتصبح الدولة مجرد شركة نهبٍ بلا سيادة
السودان ليس دولةً فقيرة كما يُسوَّق له في نشرات البنك الدولي بل دولةٌ غنيةٌ بشكلٍ فاضح إلى درجة أن فقره صار دليلاً جنائياً على الجريمة لا على العجز.
نحن نتكلم عن بلدٍ تزيد مساحته عن 1.8 مليون كيلومتر مربع أي أكبر من فرنسا وألمانيا وإيطاليا مجتمعين ويملك أكثر من 200 مليون فدان صالح للزراعة، ولا يُستغل منها فعليًا إلا أقل من 20% ويمتلك وفق التقديرات الرسمية أكثر
من 40% من الأراضي الزراعية غير المستثمرة في إفريقيا،ويجلس فوق واحد من أكبر مخزونات المياه الجوفية في القارة ويتقاسم النيل بأكثر من 18 مليار متر مكعب سنويًا ومع ذلك يستورد القمح ويستورد الاستقرار ويستورد حتى الخبز السياسي من الخارج.
هذا ليس سوء إدارة فقط بل جريمة جغرافية مكتملة الأركان.
تحت هذا التراب الملعون بالخرائط يعيش ذهبٌ يُقدَّر إنتاجه السنوي بأكثر من 100 طن في بعض السنوات يُهرَّب معظمه خارج النظام الرسمي ويُباع في أسواق دبي وموسكو واسطنبول بأسماء تجارية نظيفة بينما يُستخرج بأيادٍ سودانية دامية وتحت هذا الذهب يرقد اليورانيوم في دارفور وكردفان والكروم في جبال الإنقسنا والنحاس في البحر الأحمر والنفط الذي اكتُشف في هجليج وملوط وبليلة لم يكن مشروع تنمية بل صار مشروع حرب لأن النفط في دولة ضعيفة لا يبني دولة بل يبني ميليشيا.
وحين تقول الشركات الغربية استثمار فهي تعني في السودان تأمين مناجم وحين تقول الصين شراكة فهي تعني عقود طويلة الأمد بلا مساءلة وحين تقول روسيا
تعاون عسكري فهي تعني ذهب مقابل السلاح وحين تقول دول الخليج زراعة فهي تعني شراء الأرض لا بناء الفلاح.
من يراقب خريطة السودان لا يراها كدولة بل كلوحة تحكّم لمصالح متقاطعة.
البحر الأحمر حيث تمر قرابة 12% من تجارة العالم وقرابة 30% من تجارة النفط البحرية صار فجأة مستودع قواعد من جيبوتي إلى إريتريا إلى بورتسودان كأن الشواطئ تحولت إلى مواقف سيارات عسكرية.
الولايات المتحدة تريد الممر و الصين تريد الحزام والطريق و روسيا تريد منفذًا دافئًا على المياه الدافئة والسعودية والإمارات تريدان الغذاء والأمن البحري وإسرائيل تريد تطويق القرن الإفريقي سياسيًا وإيران تريد كسر الطوق وتركيا تريد موطئ قدم عثماني متجدد وكلهم يقولون للسودان نحن أصدقاؤك ثم يفتحون الخريطة لا القلب.

الحرب في السودان ليست شجار جنرالات بل تصفية حسابات بين نماذج سيطرة.
نموذج الجيش الوطني الورقي الذي ورثه من الاستعمار ونموذج الميليشيا الاقتصادية التي صنعتها الأسواق السوداء. والقبائل ليست فاعلاً بل واجهة اجتماعية لحربٍ لا تفهمها تُستدعى إلى الموت باسم الهوية بينما تُدار من غرف شركات السلاح وشركات الأمن الخاصة.
حين تُحرق قرية في دارفور لا يكون السبب تاريخ الرعي والزراعة فقط بل مسار شاحنة ذهب تغيّر أو عقد امتياز استكشافي أُعيد ترسيمه أو ميزان قوة أراد أن يُعاد ضبطه.
السودان اليوم نموذج مدرسي لما يسميه الجيوبوليتيك الدولة الممر لا الدولة القرار هو ممر مياه و ممر معادن
و ممر سلاح و ممر لاجئين و ممر نفوذ وكل من يمرّ يترك أثر حذائه ولا يترك مدرسة ولا مصنعًا.
ولهذا لا يُسمح له أن يستقر لأن الاستقرار يعني دولة والدولة تعني سيادة والسيادة تعني أن الذهب سيُباع باسم الخرطوم لا باسم الشركات لهذا تُدار الحرب بجرعات محسوبة.
لا انتصار ساحق ولا هزيمة نهائية فقط نزيف مستمر يبقي السوق مفتوحة.
السودان يُعاقَب لأنه يجمع ثلاث خطايا في قاموس النظام الدولي و هم كثرة الأرض و كثرة الموارد و وضعف الدولة. هذه التركيبة في عصر الشركات أخطر من القنبلة النووية لأن القنبلة تُدمّر مرة أما الدولة الضعيفة الغنية فتُدمّر يوميًا وبلا ضجيج لهذا تُضخ المساعدات لا لبناء دولة بل لإدارة الفوضى وتُرسل البعثات لا لرسم السيادة بل لرسم خطوط النار
ويُصنع خطاب السلام ليُستعمل كغطاء لتجميد الصراع لا لإنهائه.
ما بعد الحرب لن يكون سودانًا موحّد القرار بل سودان موزع الوظائف.
إقليم للموانئ و إقليم للمناجم و إقليم للمراعي و إقليم للحدود وكل إقليم مرتبط بعقد خارجي أكثر من ارتباطه بالدستور.
سنرى شكلًا جديدًا من الحكم لا اسمه في الكتب ،لا فيدرالية ولا مركزية بل اقتصاد نفوذ حيث تُدار السياسة عبر فواتير وتُدار السيادة عبر تصاريح عبور ويُدار الجيش عبر عقود تدريب وسيبقى المواطن السوداني كعامل منجم في وطنه يستخرج ثروة لا يملك قرارهاويحرس أرضًا لا يحدد مصيرها.

ومع ذلك، ورغم هذا السواد الجغرافي فإن السودان يملك فرصة لا تملكها دول كثيرة في أن يتحول من موقع إلى مشروع بأن يفهم أن معركته ليست بين جنرالين بل بين نموذجين،نموذج الدولة التي تبيع مواردها ونموذج الدولة التي تبني بها سيادتها و أن يدرك أن الذهب لا يبني مستشفى لكن القرار السيادي يفعل وأن الميناء لا يعني شيئًا إن لم يكن سوداني الإرادة وأن النيل لا يحمي دولة بلا عقل سياسي.
التاريخ علّمنا أن كل دولةٍ خرجت من حرب موارد كبرى إما صارت جمهورية شركات أو جمهورية سيادة.
الكونغو اختارت الأولى فصار معدنها أغنى من شعبها والنرويج اختارت الثانية فصار نفطها عقدًا اجتماعيًا لا لعنة. السودان اليوم يقف على هذا المفترق لا بين الحرب والسلام بل بين أن يكون خريطةً تُقرأ أو دولةً تكتب.
السودان ليس لعنةً كونية لأنه فقير بل لأنه غني بلا وعي. وليس مأساة لأنه في إفريقيا بل لأنه في قلب طرق العالم. وليس ضحية لأن الآخرين أشرار فقط بل لأن دولته لم تُخلق بعد كفكرة بل كحدود وحين تُخلق الدولة كفكرة ستصبح الجغرافيا نعمة لا لعنة وسيصير البحر الأحمر بابًا لا فخًا وسيغدو الذهب ذاكرة لا سكينًا.
إن السودان اليوم ليس سؤالًا سياسيًا بل سؤالًا حضاريًا.
هل يمكن لأرضٍ مكسورة أن تصنع عقلًا موحدًا؟
وهل يمكن لدولةٍ استُعملت كمخزن للعالم أن تتحول إلى بيتٍ لشعبها؟
إن الجغرافيا تمتحنه والعالم يراقبه والتاريخ لا ينتظر.
وحين ينجح السودان في هذا الامتحان لن ينتصر على حربه فقط بل على وظيفة وُضعت له منذ قرن في أن يكون مجرد ساحة وحينها فقط لن يكون السودان حين تتحول الجغرافيا إلى لعنة كونية بل حين تتحول اللعنة إلى مشروع دولة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال