بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من جلاء الجيوش إلى استعمار البنى: في نقد سردية الاستقلال وصناعة السيادة

2026-03-11 401 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من جلاء الجيوش إلى استعمار البنى: في نقد سردية الاستقلال وصناعة السيادة
من وكر الهزائم الموشاة بالنيشين ومن فوق أنقاض الاستقلال الكرتوني الذي نرقص على أنغامه كل عام علينا أن نعلنها صريحة بلا مواربة
إن مأساة التاريخ لا تكمن في وقوع الاحتلال بل في السردية التي تُصاغ بعده.
الشعوب العظمى التي نراها اليوم تملك ناصية الكوكب لم تكن يوماً منيعة ضد السقوط.
باريس التي استعمرت القارات سجدت تحت أقدام النازية في 14 يونيو 1940ولندن التي حكمت البحار لا تزال تحمل
في هويتها جينات الغزو النورماندي (1066) الذي غيّر لسانها ودمها وواشنطن رأت نيران البريطانيين تأكل بيتها الأبيض في 1814 وروسيا القيصرية عاشت قرنين كاملين (1240-1480) كملحقة بائسة لإمبراطورية المغول.
لكن الفرق الجوهري الذي هو بمثابة الجين السياسي المتفوق يكمن في أن هؤلاء يملكون سردية الاستحقاق والسيادة الأزلية.
هم يرون الاحتلال حادث سير عارضاً في طريق إمبراطورية لا تموت بينما نحن جعلنا من الاستقلال شهادة ميلاد لدول مخبرية ولدت في دهاليز سايكس بيكو عام 1916. هم يستمدون قوتهم من سردية الأمة المتصلة التي لا يقطع شريانها غازٍ ونحن نقتات على سردية الضحية التي تنتظر من الجلاد أن يمنحها صك الغفران والحرية.
نحن نعيش استقلالاً لغوياً بينما واقعنا غارق في تبعية عضوية. المستعمر حين أدرك أن كلفة الرصاصة أغلى من كلفة الفكرة انسحب بجسده وترك نظامه العصبي داخل أجسادنا.
لقد ترك لنا سردية الوهن التي توهمنا بأننا دول حديثة بينما نحن في الحقيقة مجرد كانتونات وظيفية رُسمت حدودها بمسطرة المستشرقين لتظل في حالة صراع أزلي مع جيرانها مما يضمن تدفق السلاح من مصانع السادة وتدفق الثروات إلى خزائنهم.
الاستقلال الذي نحتفل به لم يكن إلا عملية استبدال للجلد رحل المقيم العام الفرنسي أو المندوب السامي البريطاني وحل محله الوكيل المحلي المهجن ثقافياً وفكرياً الذي يلبس بزة وطنية بقلب استعماري يدير البلاد بعقلية المنجم والمزرعة لحساب المركز في باريس أو واشنطن.
نحن نعيش في سجن كبير جدرانه هي ديون البنك الدولي التي وُقعت في غرف بريتون وودز عام 1944 وحراسه هم النخب التي تتحدث لغتنا لكنها تحلم بلغة المتروبول.
لماذا بقيت التبعية؟
لأننا لم نملك الجرأة على تحطيم السردية التعليمية التي غرسها المحتل فما زلنا نُدرس أبناءنا أن الغرب هو منبع الحضارة الوحيد وأن تاريخنا بدأ فقط عندما وضع الرجل الأبيض قدمه على شواطئنا.
هذه الهزيمة النفسية هي القيد الحقيقي
فالصين التي عانت من قرن الإهانة واحتلال اليابان المرير، لم تحتفل باستقلالها عبر الرقص بل عبر سردية البعث العظيم التي حولت 1.4 مليار إنسان إلى ترسانة إنتاجية هزت عرش الدولار.
أما نحن فقد حصرنا السيادة في العلم والنشيد ونسينا أن السيادة الحقيقية هي السيادة التكنولوجية والغذائية.
الدولة التي لا تأكل مما تزرع ولا تحارب بسلاح تصنعه ولا تُشغل عقولها بكود برمجي محلي هي دولة محتلة عصبياً ورقمياً وإن كانت تملك مقعداً في الأمم المتحدة.
التبعية ليست قدراً جغرافياً بل هي عقم إرادي تمارسه السلطات التي ترى في الارتهان للخارج حماية لعرشها من غضبة الداخل.
الاستقلال الذي لا يتبعه قطع دابر التبعية النقدية والثقافية هو مجرد جلاء عسكري يتبعه احتلال هيكلي.
نحن نعيش في عصر الاستعمار الناعم حيث تُنهب ثرواتنا عبر اتفاقيات تجارية مجحفة وتُصادر قراراتنا عبر هواتف ذكية ترصد أدق تفاصيل حياتنا بينما نظل نحن غارقين في سردية التحرر من المستعمر القديم الذي لم يرحل أصلاً بل غير عنوانه من وزارة المستعمرات إلى صندوق النقد ومنظمات التنمية.
التاريخ لا يحترم الظواهر الصوتية
هو يحترم فقط الأمم التي تملك سردية القوة الشاملة.
وما لم ننتقل من سردية الاستقلال الشكلي إلى سردية السيادة الفعلية التي تبدأ بتأميم العقل وتوطين العلم وكسر طوق التبعية الاقتصادية فسنظل مجرد أرقام مهملة في مذكرات القوى العظمى نحتفل سنوياً بذكرى خروج الجندي الأجنبي بينما نحن في الواقع نتنفس هواءه ونستهلك بضائعه ونفكر بعقله وننتظر أمره في كل منعرج تاريخي.
الاستقلال يا صاحبي يُصنع في المعامل والمختبرات ومزارع القمح أما الاحتفالات فهي مجرد مخدر لنسيان مرارة الحقيقة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال