رغم أنه ما زال من المبكر الحديث، عن الحرب الأمريكية / الإسرائيلية / الإيرانية، فبتقديري، ويتفق كثير من المحللين والمراقبين، أن هناك الكثير من الخفايا والخبايا ما تزال طي الكتمان، تحرص الأطراف الثلاثة على إخفاءها.
كتبت في الأيام الأولى للحرب الأمريكية ــ الاسرائيلية / الإيرانية، جملة في مقالة نشرتها ناقشني بصددها عدد من أصدقائي، " هذه الحرب (الدائرة بين أميركا واسرائيل/ إيران) الغير مقنعة لأطرافها " واليوم دعني أدخل عليها تعديلاً طفيفاً، أنها (الحرب) غير مقنعة لأميركا وإيران، أما إسرائيل فقد شخصت أزمتها في غير مقال وبحث، فهي تملأها الهواجس لذلك تستشعر نهايتها والكثير من ردود أفعالها مبالغ بها، فهي كالاعمي الذي يسير في الظلام، وكل خرخشة يسمعها أو يكاد، يتصورها خطراً معاديا ساحقاً ماحقاً، فيرد بثلاثة ألاف صاروخ، وعشرة ألاف طلقة مدفع، ومليون رصاصة، فالخوف يسكنها وكل ما تفعله هو بدافع الخوف. ومع كل مشكلة تعتقد أن ساعة النهاية قد حلت .
اليوم قرأت مقالة هي في الواقع مقابلة مع مفكر يساري فرنسي، معروف عنه بأنه يؤيد إيران، ويعتبرها بطريقة ما معادية للغرب الرأسمالي(وهذا بالطبع غير صحيح البتة) ولكنه في مقابلة له اليوم لا يخفي دهشته بأن" إيران وإسرائيل كانا على أفضل ما تكون الصداقة والفهم والتفهم لخصوصياتهما في السياسة الخارجية، إلى أن حل في السلطة نتنياهو الذي جلب الكوارث على الشعبين الإسرائيلي والإيراني ".
وشخصياً أمتلك ما يملأ تريلة (شاحنة: قاطرة ومقطورة) من الأدلة المادية والعقلية على تحالفهما الصميمي، العقلي والعاطفي. فلطالما ظل سؤالي لأصدقاء إيران العرب من اليسار واليمين بدون إجابة، والمدهش أن يلتقي في هذا اليسار واليمين : وطالما ناقشت يساريين أوربيين وراهنتهم : " أعطوني برهان واحد وسبب منطقي واحد يحمل إيران على العداء لإسرائيل، أو العداء مع الولايات المتحدة ..؟ ".
وفي حرب الإثنا عشر يوماً شبع العالم ضحكاً من كاريكاتورات الخيار والفقوس الطائر (الخيار) وقد أمتطاه أحد آيات الله العظمى .. أو صاروخ إيراني علق بخطوط الكهرباء ..! أو ساقط على الأرض يلعب به الأطفال .. وإيران وحلفاؤها لم يطلقوا رصاصة واحدة على إيران منذ 1973 .. ولكن بالمقابل كم قتل الفرس من العرب والمسلمين ..؟ وكم خربوا ومارسوا الارهاب وأسسوا الخلايا النائمة والصاحية والغافية .. بقدر لا يعد ولا يحصى من الأضرار .. والكل يعلم أنهم لا يتجرأون على رفع أصبع دون تخويل وتوقيع على بياض ...!
الاطراف المتقاتلة وجدت نفسها في أتون حرب غير مقنعة لنفسها، للأطراف الثلاثة : أمريكا إيران إسرائيل، إذ لا توجد أسباب جوهرية / لا تناقض رئيسي للعداء بين الأطراف الثلاثة:
بين أميركا وإيران : بأستثناء السلاح النووي لا يوجد أدنى سبب، وحتى الخلاف على السلاح النووي هو غير جوهري، فالولايات المتحدة لن تحارب كل من يمتلك السلاح النووي، ولكنها (أميركا) هنا تجاري وتجاملوتبدي التفهم لإسرائيل في هواجسها.
بوسع دبلوماسي بدرجة متوسطة (سكرتير ثاني أو سكرتير أول) على أبعد تقدير، أن يجد حلاً لمشكلة النووي الإيراني، الأمر الذي يثبت حتى للسذج أنهم لا يتصارعون على النووي كسلاح، ولكن على التهديد الذي يمثله النووي، وإيران تريد ثمن هذا التهديد .
بدرجة تخلو من التهذيب الدبلوماسي، يطالب الملالي، بالكثير من التمدد والنفوذ وكأن هذه الأراضي أمامهم خالية من السكان، أو أنهم أتباع لجهة دولية، وفاتهم أن إسرائيل لم تنم ليلة واحدة ملئ جفونها، منذ أن حلت عام 1948 ولحد الآن.
إيران مقتنعة لأبعد مدى، بتحالفها مع أميركا وإسرائيل، ولكن المشكلة عند الفرس(قادة الدولة الإيرانية) هي المبالغة، المبالغة في الحب والكره، وفي السياسة والدين، وعقدة العظمة (Paranoia)المبالغة في كل شيئ حتى في الخيال ..!
إسرائيل كانت الحليف الأعظم لإيران، حتى في زمن تراجع في علاقتها مع أميركا، وكانت إسرائيل مزود رئيس لإيران خلال الحرب العراقية / الإيرانية، بالأسلحة والذخائر، وربما في مسائل أخرى تتعلق بالخبرة والاستخبارات.
أظهرت إيران تصرفات وسلوك يقود إلى زعزعة الثقة لدى إسرائيل، إذ بنت إيران خططها الاستراتيجية على أساس من عداء متجذر للعرب والإسلام، وعلى أساس من هواجس أمنها الداخلي (وحدة الفسيفساء الإيراني) فبلوغ هذا الهدف قدرت أن لابد من السلاح النووي ليعزز وحدة البلاد على الأساس الطائفي(مذهب الإثني عشري) بين أهم مكونيين في إيران : الفرس والآذريين.
وإيران تقدر أنها ستكسب تيار عربي كبير في رفع لفظي لشعار العداء لإسرائيل، وبدا لها أن هذا ممكناً، بل وشيك الحدوث حين قطعت أشواط في المجال النووي، وقطعت أشواط من النجاح في التظاهر (الديكور) بأنها تقود محور الممانعة ومواجهة إسرائيل.
إيران كإسرائيل (كمتشابهات) مليئة بعقد نفسية (كالبارانويا/ داء العظمة المجوفة) وهواجس شرقية ومنها أيضاً سؤالاً يطرخ نفسه، لماذا أختصت إيران دولة الامارات العربية ب 85% من صواريخها ومسيراتها، اكثر مما استهدفت إسرائيل وأميركا ..! واختصت صواريها المطارات والموانئ ...!
وهذا وإن كان لا يثير القلق، إلا أن هواجس إسرائيل الأمنية لا سقف لها، ولا يمكنها التعايش في إجواء غير مطمئنة. ويصعب قبولها في وضع يحمل في ثناياه مخاطر وحتى بنسبة متدنية. وحسابات الأمن في اسرائيل لا تحتمل أنصاف الثقة، وأي أحتمال ولو بدرجة بسيطة، فهو أحتمال هلاك .
إيران / إسرائيل : حسابات استراتيجية
2026-04-11
36 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال