بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الأرشيف الأسود لمستشفى الرازي بمنوبة: تاريخ الضبط الاجتماعي والسياسي وتحولات العقل بين العلاج والاعتقال

2026-04-12 188 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الأرشيف الأسود لمستشفى الرازي بمنوبة: تاريخ الضبط الاجتماعي والسياسي وتحولات العقل بين العلاج والاعتقال
من منوبة حيث تنتهي حدود المدينة ويبدأ
المنفى الجغرافي لا يرتفع مجرد مشفى للأمراض العقلية بل ينتصب صرح من صروح الضبط الاجتماعي الذي شُيّد على أنقاض العقل التونسي الجريح.
هنا لا نتحدث عن تاريخ طبي بالمعنى التقليدي بل عن أرشيف أسود يختزل سردية القمع والاعتقال تحت
عباءة الشفاء.
بدأت الحكاية في تلك اللحظة التي قرر فيها المستعمر الفرنسي منذ فجر الحماية أن الجنون ليس حالة إنسانية تستوجب الرعاية كما كان الحال في مارستان العزافين
أو التكايا الصوفية القديمة بل هو خطر داهم يهدد انضباط الفضاء العام فكان لزاما أن تتحول الرعاية الخيرية إلى عزل مؤسسي فصدر ذلك الأمر العلي في الخامس من فيفري عام
1879 ليخصص أجنحة في المستشفى الصادقي لكنها كانت
مجرد مقدمة لتمهيد الطريق نحو بناء غوانتانامو نفسي في ضواحي العاصمة ففي عام 1911 تجلت بشاعة الازدواجية حين أُنشئ قسم للأعصاب في المستشفى المدني الفرنسي لاستقبال الأسياد وتوفير العلاج لهم بكرامة تليق بأوروبا بينما تُرِك الأهالي يواجهون قدرهم في سراديب تفتقر للحد الأدنى من الآدمية.
فلسفة اختيار منوبة تلك الأرض الفلاحية الشاسعة التي تمتد على اثنين وأربعين هكتاراً لم تكن مجرد صدفة تخطيطية بل كانت تعبيراً عن هندسة الإقصاء حيث يُنفى المريض بعيداً عن المركز ليتحول المشفى من فضاء علاجي إلى
قلعة للاحتجاز تحرسها جدران عالية تعزل غير المرغوب فيهم عن عيون المجتمع.
وخلف هذه الجدران كانت مدرسة الجزائر للطب النفسي بقيادة أنطوان بوروت ترسم ملامح
الباثولوجيا الاستعمارية حيث زعم هؤلاء المنظرون أن المغاربي يمتلك قشرة دماغية بدائية تجعله عدوانياً بالفطرة وهذا ليس مجرد خطأ علمي بل هو جريمة أيديولوجية شُرعنت من خلالها الحماية الفرنسية بوصفها ضرورة بيولوجية لضبط هؤلاء المجانين الذين يرفضون الانصياع لسلطة المستعمر.
تحول الطب هناك إلى أداة سيادة فكان المناضل الوطني يُصنف فوراً كمصاب بالهذيان ليُزج به في أجنحة مظلمة وسيئة التهوية بينما ينعم المرضى الأوروبيون بموجب مرسوم 1920 بكافة حقوقهم الإنسانية في تكريس صارخ لنظام أبارتهايد نفسي لا يفرق بين المرض والمقاومة.

في هذا المشهد القاتم يبرز الدكتور سالم الشاذلي كفارس وحيد في ساحة الوغى ،لم يكن مجرد طبيب نفسي بل كان فدائياً بوزرة بيضاء حاول منذ دخوله المستشفى عام 1934 تفكيك هذه المنظومة العنصرية من داخلها فكشف الأرشيف عما حيك ضده من مؤامرات إدارية قذرة حيث سُرقت وثائقه وفُبركت ضده تقارير طبية ووصل الأمر ب «لوي لو غيان» عام 1948 إلى محاولة سحق صوته التونسي الذي فضح كيف كان الجيش الفرنسي يرسل جزاريه من الدرك المتورطين في جرائم ضد التونسيين ليحصلوا على شهادات طبية تثبت عدم مسؤوليتهم الجنائية لتبرئتهم وهو التوظيف السياسي الذي رفضه الشاذلي بصرامة مؤكداً أن الجلاد لا يمكن أن يكون مجنوناً بالفطرة بل هو مسؤول عن أفعاله مما جعله عدواً مباشراً للجنرالات وللمختبرات الاستعمارية التي كانت تجري تجارب شنيعة على أجساد التونسيين مستخدمةً الصدمات الكهربائية وحقن الكارديازول وغيبوبة الأنسولين لا كعلاجات بل كأدوات ترويض لكسر إرادة التمرد.

ولم تنتهِ المأساة مع بزوغ فجر الاستقلال في عام 1956 فرغم تونسة المستشفى وإطلاق اسم الرازي عليه عام 1960 في محاولة لاسترداد السيادة العلمية وربط الممارسة بجذورها الحضارية إلا أن الدولة الناشئة ورثت بنية تحتية للعنف وفلسفة إدارية صُممت أصلاً للقمع فبقي المستشفى في فترات معينة أداة في يد الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة
لتأديب المعارضين السياسيين تحت غطاء طبي
وهو ما كشفت عنه لاحقاً هيئة الحقيقة والكرامة في تحقيقاتها حول سنوات الجمر بين 1955 و2013 حيث فُتحت ملفات مرعبة عن الاحتجاز القسري لناشطين دُمرت قواهم الإدراكية بجرعات مفرطة من العقاقير ليعاد إنتاج الموت الاجتماعي للمعارض في غرف ضيقة ومظلمة
تماماً كما كان يفعل المستعمر.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال