وما تسمونه بدم بارد إصلاحاً تربوياً ليس في الحقيقة سوى مساحيق تجميل بائسة توضع على وجه جثة أصابها التعفن منذ أدرك الغشاشون أن الطريق إلى سدة التعليم يمر عبر ثقوب الرقابة المهترئة.
الفاجعة الكبرى تبدأ من تلك اللحظة التي تحولت فيها شهادة البكالوريا من صكّ عبور للمتميزين والصفوة إلى سوق عكاظ تُوزع فيه الأعداد بالكيلو وتُنفخ فيه المعدلات كالبالونات الفارغة حيث نرى اليوم جيوشاً ممن نالوا معدلات تتجاوز
الـ 14 من 20 بفضل التواطؤ الصامت أو الغش العابر للحدود يقفزون فوق أكتاف النوابغ ليحجزوا مقاعدهم في معاهد علوم التربية.
إننا أمام جريمة تزوير جيني في هوية الدولة التونسية فالمعلم الذي يتسلل إلى هذا المقدس بكلمة سر مغشوشة ليس إلا لصاً بيداغوجياً سيمارس غداً مهنة الأنبياء بعقلية المرتزقة واضعاً السمّ في عقول أطفالنا لثلاثين سنة قادمة لأن من سرق عدداً في مقتبل العمر لن يتردد في سرقة مستقبل جيل كامل.
إن العدد في تونس اليوم أصبح كذبة وطنية كبرى وورقة نقدية بلا رصيد من الذهب المعرفي و أنا أحذر من أن تحويل سلك التعليم الابتدائي إلى مصبّ لضحايا التضخم المعدلي هو انتحار جماعي مع سبق الإصرار.
انظروا إلى فنلندا تلك الدولة التي لم تبنِ نهضتها بآبار النفط بل بقدسية المعلم حيث لا يدخل سلك التعليم إلا الصفوة الصفوة من أعلى 10% من الخريجين، ولا يكفي الغربال الأكاديمي هناك بل يخضعون لاختبارات سيكولوجية ووطنية واجتماعية تجعل من المعلم ضابطاً في جيش التنوير وانظروا إلى سنغافورة التي لا تعترف بالأرقام الميتة على الورق بل تفرض امتحاناً وطنياً مهنياً صارماً بعد التخرج يكون هو المصفاة الأخيرة التي لا يمر منها إلا من امتلك الأمانة الأخلاقية قبل الكفاية المعرفية.
أما في تونس فقد استبحنا الحمى وسمحنا لخريجي الصدفة بأن يتحكموا في مصير الجمهورية ولذلك فإن الحل لا يكمن في الحوارات الدبلوماسية الباردة أو الجلسات القطاعية العقيمة بل في فرض مقصلة وطنية بيداغوجية فوراً.
على وزارة التربية أن تفرض امتحاناً وطنياً سيادياً لجميع خريجي علوم التربية قبل الانتداب امتحاناً يكسر صنم الـ 14 من 20 ويضع الجميع أمام حقيقة اللوح والطبشور وذكاء الممارسة،امتحان لا يقيس الحفظ الببغائي بل يقيس التوازن النفسي والتمكن اللغوي والصلابة الفكرية ليكون هذا الامتحان هو جدار الصد الذي يسقط أمامه كل من تسلل عبر ثقوب الغش في البكالوريا.
إننا بحاجة إلى فرز بيولوجي للعقول فالمعلم هو الجندي الذي يحمي حدود العقل والجندي الذي يفرّ من زحف المعرفة أو يغش في رماية الفكر لا مكان له في جيش الدولة.
كفوا عن تدليل الفشل وشرعنة الرداءة باسم الشهادات الجامعية فالشهادة هي مجرد ورقة أما المعلم فهو مصير
وإن لم نرفع اليوم سيف الامتحان فوق رؤوس المتسلقين فإننا نوقع على وثيقة استسلام أمام الجهل المنظم وسنجد أنفسنا بعد عقد من الزمن أمام شعب أميّ يحمل شهادات وهي أخطر أنواع الأمية التي عرفها التاريخ البشري.
ارفعوا المقصلة فوق رؤوس المتقاعسين وأعيدوا للتعليم الابتدائي هيبته الإمبريالية فمن هناك تبدأ الدولة الحقيقية ومن هناك تنتهي جمهوريات الرمل التي تبني أحلامها على الوهم والغش الممنهج.
تعليق على مقال