بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحرب بلا حليف أمرها مخيف ايران نموذجا

2026-03-06 15 قراءة مقالات رأي علي الكاش
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المقدمة
قال تعالى في سورة البقرة/ 195((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )).
بلا ادنى شك ان الحرب النفسية ورفع معنويات الجيش لأية دولة يعتبر من الأولويات قبل وبعد الحرب، لذلك دخل علم النفس في مجال الحروب النفسية، وصارت تدرس في جامعات العالم والمؤسسات العسكرية، صحيح ان رفع معنويات الجيش الوطني من جهة، ومحاولة النيل من الجيش المعادي بالحط من شأنه، وبيان نقاط ضعفه هي حالة طبيعية تنتهجها معظم دول العالم، لكن دون الافراط في المبالغة والقدرة الذاتية.
العرض
سبق ان تحدث الرئيس الامريكي ترامب بأن لديه اقوى وافضل الجيوش في العالم، وارقى واكثر الأسلحة تطورا في العالم، وهذه حقيقة لا جدال فيها، فالعالم اليوم هو عالم القطب الواحد، وحتى الدول العظمى المتمثلة بروسيا، فأنها فقدت الكثير من قوتها وهيبتها في حربها مع دولة اضعف منها بكثير لكنها تجاريها في الحرب، اما الصين فهي دولة تنظر في مصالحها، وتلتزم الصمت كحد ادنى، والادانة كحد اقصى في الاحداث الجارية، بما فيها التي تمس الدول الحليفة او القريبة منها، وهناك العديد من الشواهد، وربما الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى افضل واحدث شاهد على كلامنا. بطبيعة الحال لا يمكن ان نقول عنها مواقف ضعيفة، بل هي مواقف مقبولة عندما يتعلق الأمر بمصالحها العليا، علما أن حجم التبادل التجاري والاستثمارات الصينية مع دول الخليج العربي تتجاوز حجم التبادل التجاري مع ايران، علاوة على البعد الجغرافي وهذا ما عبر عنه أستاذ العلوم السياسية (جا إيان تشونغ) في الجامعة الوطنية في سنغافورة أن " إيران شريك قديم للصين، لكنها بعيدة جغرافيا، وليست ذات أهمية وجودية أو حاسمة لبكين". كما ان الصين وروسيا سعيدان باستنزاف الأسلحة الامريكية باعتبارهما خصمين للولايات المتحدة، إضافة الى معرفة المستجدات الامريكية في التقنية الحربية. اما الاتحاد الاوربي، فانه غالبا ما يقف مع الولايات المتحدة، او على اقل تقدير يكتفى بالحياد ومراقبة الأحداث عن كثب.
في حالة الحروب تحاول الدول ان تضم اكبر قدر ممكن من دول العالم الى صفها من خلال التحالفات او التآلف او الضغوط او تقريب وجهات النظر، والعمل على تأليب المشاعر لتقف الدول معها، لتقدم لها المساعدات على اختلاف أنواعها، او على اقل تقدير تحرك عواطف الحكومات والشعوب لصالح قضيتها، بغض النظر عن عدالة قضيتها. للأعلام الدور الأهم في هذا المجال، أي حرب لا يسبقها ماكنة إعلامية متطورة تواكبها اول بأول، لا يمكن ان تنجح في مهمتها، لذا نلاحظ ان الاعلام الأمريكي والاوربي والإسرائيلي يهتمان بهذا الموضوع اهتماما كبيرا، على خلاف معظم بقية دول العالم بما فيهم الصين وروسيا، لذا نلاحظ ان اللوبي الاسرائيلي يهيمن على معظم وسائل الاعلام العالمي، حتى في الولايات المتحدة نفسها، ناهيك عن الدول الاوربية، وهو اعلام يمتلك شيئا من المصداقية.
لو رجعنا الى الحرب العراقية الإيرانية، كان التعاطف الدولي مع العراق، في حين فشلت ايران في استقطاب دول العالم بسبب غطرستها وعنجهيتها، سيما بعد رفضت جميع المساعي الحميدة لوقف الحربـ، واصرت على استمراها لمدة ثماني سنوات على الرغم من ان العراق وافق على ايقافها منذ الشهور الأولى وانسحب الى داخل حدوده، في حين تمادى النظام الإيراني واحتل مناطق داخل العراق ومنها مدينة الفاو. مع هذا لم تستفد ايران من ذلك الدرس حيث يفترض ان تدرسه بهدوء وتروي، وتستفيد منه في التجارب القادمة. في كل دول العالم تقوم الدول المتحاربة بدراسة ما تمخضت عنه الحرب وهي ما تسمى ( الدروس المستنبطة) او المستقاة من الحرب، وتعيد النظر في برامجها التدريبية والتسليحية وخططها الحربية، بما ينسجم والتطورات الجارية في العالم.
في الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل ضد ايران، يمكن ملاحظة النقاط التالية:
أولا: في الوقت التي كانت دول الخليج العربي تضغط على الولايات المتحدة بعدم الهجوم على ايران ونجحت في مسعاها كما بين الرئيس الامريكية بأنه اجل الحرب بسبب ضغوط دول الخليج عليه سيما المملكة العربية السعودية وقطر والامارات، ولعبت سلطنة عمان دور الوسيط النشيط في تقريب وجهات النظر، ولم تنهِ وساطتها لغاية بدأ الحرب. قام النظام الإيراني بالعدوان على تلك الدول بلا أي مبرر، بل قابلها بنكران الجميل.
ثانيا: سبق ان اكدت دول الخليج العربي بأنها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعد العسكرية في منطقة الخليج العربي ولا اجوائها، مما اضطر الولايات المتحدة الى استقدام بارجات وفرقاطات أمريكية وطائرات ارضاع جوي كلفته المليارات من الدولارات، بسبب موقف دول الخليج العربي الثابت، لكن هذا لم يشفع لنلك الدول فقد القت ايران المئات من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة.
ثالثا: لا احد يمكن ان يلوم النظام الإيراني في استهداف القواعد الامريكية لو فعلا شاركت في الحرب، ولو حصل هذا لاعترضت دول الخليج العربي عن استخدامها، ولو افترضنا جدلا ان الولايات المتحدة استخدمتها (وهي لا تحتاجها فعليا) ولم تراعي شروط دول الخليج العربي، فان من حق ايران استهدافها، لكن ايران بدلا من استهداف القواعد الامريكية في الخليج العربي استهدفت الموانئ والمنشئات النفطية والابراج والمدن السياحية والفنادق والمطارات والمؤسسات المدنية في دول الخليج العربي. الاغرب منه تعرض تركيا وأذربيجان الى صواريخ بالستية ومسيرات، لم يبق لإيران أي حليف سيما دول الجوار. وانضمت أوكرانيا الى الولايات المتحدة مؤخرا، قال الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي " إن أوكرانيا تلقت طلبا محددا من الولايات المتحدة للمساعدة في التصدي للطائرات المسيرة في ‌الشرق الأوسط، وانها وافقت على الطلب".
لقد فقد النظام الإيراني صوابه، ربما بسبب صداع الضربات الامريكية الإسرائيلية، وهو يتصرف بطريقة غبية، سيما ان هناك حوالي (40) مليون اذري في ايران. يبدو ان ايران مصرة على انهاء نظام ولاية الفقيه بتخبطها السياسي والعسكري.
رابعا: طريقة شمشون (عليٌ وعلى اعدائي) لا تصح في العلاقات الدولية، وتوسيع رقعة الحرب بحجة زيادة الفوضى في المنطقة مما يشكل حرجا وضغطا على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب لم يأتِ اوكله، بل زاد من الفوضى وسخط الرأي العام العالمي على النظام الإيراني، فقد تمادى النظام الإيراني بالعدوان على اليونان وقبرص وهي من دول حلف الناتو والاتحاد الأوربي، وبنود الاتفاقية (البند الخامس) يشير الى ان أي عدوان على أي من دول الحلف يعني الاعتداء على جميع دول الحلف، ومن حقها ان تشارك في صد العدوان او الهجوم. لذا وافقت بريطانيا وفرنسا على السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في الهجوم على ايران. وهذا دليل واقعي على مستوى الغباء السياسي والعسكري للنظام الإيراني في ان يجر اقدام حلف الناتو الى الحرب ضده، فهو غير قادر على مواجهة دولتين فقط، فكيف اذا انضمت دول الناتو في الحرب ضد النظام الإيراني، وهل يتوقع ان يحقق فائدة من نهجه العدائي؟
خامسا: زيادة في التخبط وعدم ادراك حجم المخاطر قام النظام الإيراني بهجوم بالستي (الصاروخ اليتيم) على تركيا، وتم تفجير الصاروخ في الجو من قبل حلف الناتو، على اعتبار ان تركيا من دول الحلف. لو قامت تركيا بدخول الحرب فهذا يعني تمزيق ايران الى أربعة أشلاء، سيما ان لتركيا مبرر لدخول الحرب على اعتبار ان النظام الإيراني هو والحشد الشعبي العراقي من يحتضن ويمول حزب العمال الكردي المعارض لتركيا. لذا يمكن القول ان النظام الإيراني بات بلا حليف، مجرد ميليشيات إرهابية في لبنان والعراق واليمن هي من تدعمه، ولا قيمة لها من الناحية اللوجستية.
سادسا: تمادى النظام الإيراني في غييه وغبائه ليغلق مضيق هرمز في مخالفة صريحة للقانون الدولي، بل وهدد وبتدمير السفن العابرة للمضيق واحرق عددا منها، ومعلوم ان ما يقارب 80% من النفط العالمي يمر عبر المضيق، ومن المعلوم ان دول الخليج العربي لها خطوط بديلة وموانئ بحرية يمكن ان تصدر النفط عبرها، في حين ان المتضرر الأكبر هو العراق حليف النظام الإيراني، والمتضرر الثاني هما الصين والهند وكلاهما حلفاء للنظام الإيراني، ان ارتفاع أسعار البترول بسبب غلق مضيق هرمز أدى الى ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل كبير، بمعنى ان دول الخليج العربي المتضررة ستعوض النقص الحاصل في كمية التصدير من خلال ارتفاع الأسعار، لكن لا حيلة للعراق، فشاحنات النفط عبر تركيا لا يمكن ان تسد عشر ما تصدره عبر مضيق هرمز، الغريب في الأمر ان العراق ـ حليف ايران الوحيد ـ يعاني من ازمة سيولة والحكومة غير قادرة على صرف الرواتب، فكيف سيكون الحال مع اغلاق المضيق. لا حظ ان اذى ايران انصب على الدول الحليفة لها.( لا بد من التنويه ان احد النواب الولائيين (مصطفى سند) هدد بتفجير نفسه في حال إتمام انشاء خط العقبة لنقل النفط العراقي برا)، وهذه هي النتيجة!
سابعا: مجموع ما اطلقته ايران من صواريخ بالستية (الموجة العشرين) وطائرات مسيرة كانت الحصة الأكبر لدول الخليج العربي، ما يقارب 70% منها سقطت على دول الخليج العربي وليس اسرائيل، سيما الامارات العربية التي تأتي في المرتبة الأولى في صادراتها مع ايران، بما يعني ان العدو الرئيس للنظام الإيراني الدول العربية أولا وإسرائيل ثانيا، وهل من تفسير آخر؟
ثامنا، باستثناء الصاروخ البالستي اليتيم الذي اطلقته ايران على تركيا، لم تستهدف ايران القواعد الامريكية في انجرليك (تركيا) ولا أذربيجان وهما الأقرب لها، مما يولد انطباعا بأن ضعف دول الخليج العربي هو من شجع ايران على ضربها، ولا يمكن تبرير مواجهة العدوان الإيراني ببيانات الشجب والاستنكار والاحتفاظ بحق الرد من قبل دول الخليج العربي، من حقها الرد وهي تمتلك ترسانه سلاح متطورة من شأنها ان تعجل القضاء على النظام الإيراني لو تم استخدامها، ولا نعرف متى وأين سيتم استخدمها؟ ايران هي من تريد توسيع العرب، لذا على دول الخليج العربي ان تحقق رغبتها. هذا وقت حفظ الكرامة واحترام السيادة وليس وقت السلم والتصريحات الفارغة، ويبقى السؤال اليس الخوف والجبن والتردد يجعل الدولة مهانة من قبل الغير؟

الخلاصة
في نقاش مع صديق في جلسة رمضانية، في نقاش حول الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران، قلت: انه لأمر سخيف، ان تقاتل دون حليف، لأنه في اللحظة الحرجة لا احد لاستغاثتك يستجيب. ونحن نشهد الاحداث الجارية والخسائر التي تتحملها ايران، بتنا في حيرة من أمرنا، هل هناك تخطيط عسكري واستراتيجي عند القيادة العسكرية الإيرانية، هل هناك ادراك ووعي للكلفة الباهظة لإعادة تعمير ايران؟ ما ذنب الشعب الإيراني وهو يشاهد ما انفقه النظام من آلاف المليارات تتبخر أمامه؟ اليس من الأجدى ان تستخدم تلك المليارات لإسعاد ورفاهية الشعب الإيراني؟ المنطق والأحداث الجارية تنفي التعقل. بدأت الذخيرة في ايران تنخفض بشكل واضح ففي اليومين الأول والثاني اطلقت ايران على التوالي (294) و(541) طائرة مسيرة، وانخفضت بعدها الى ( 45) طائرة في اليوم الخامس، بمعنى ان القوة الصاروخية لإيران انخفضت بنسبة 90% والطائرات المسيرة بنسبة 83%. ناهيك عن تدمير (300) منصة اطلاق صواريخ، وتدمير (33) قطعة بحرية، وهذا يعني ان كفة الميزان ليس في صالحها، فهي غير قادرة على انتاج الذخائر والطائرات والصواريخ في ظل الحرب والحصار. علاوة على خروج الدفاعات الجوية والقوة البحرية من الخدمة. كما بلغت الخسائر البشرية في ايران ما يقارب الألف، في حين كانت خسائر إسرائيل (11) مواطنا.
ناهيك عن التحولات الداخلية عبر مشاركة الاحواز (وحدات الصقور الاحوازية)، والاكراد (الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني بزعامة مصطفى الهجري) وربما الأذربيين والبلوش في الثورة على النظام، سيما بعد اتصال الرئيس الأمريكي بالسادة مسعود البرزاني وبافل الطالباني ومصطفى الهجري للتنسيق فيما بينهم والتمهيد لحرب برية مع النظام الإيراني.
في الحقيقة كنت انوي الكتابة عن موضوع آخر لا يقل أهمية عن هذا بعنوان (جولة في تصريحات القيادات الإيرانية ضد اسرائيل)، ولكني ارجأته الى الأيام القادمة حسب الأولويات، في انتظار ما تسفر عنه الحرب من نتائج، على قول طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا*** ويأتيك بالأخبار من لم تزود
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له*** بتاتًا ولم تضرب له وقت موعدِ.

علي الكاش

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال