بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عُهر التاريخ وانتحال الأنبياء: كيف ضاجع الخزر أساطير التوراة لينجبوا لقيطاً إمبراطورياً في مخدع الذنب الأوروبي؟

2026-03-04 393 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
عُهر التاريخ وانتحال الأنبياء: كيف ضاجع الخزر أساطير التوراة لينجبوا لقيطاً إمبراطورياً في مخدع الذنب الأوروبي؟
في البدء كانت الفكرة والفكرة لم تكن نبوءة سماوية بقدر ما كانت مخططاً جيو سياسياً وُضع على طاولات الساسة في غرف مغلقة تفوح منها رائحة التبغ والخرائط الاستعمارية القديمة .
حين نتأمل هذا الكيان الذي نطلق عليه إسرائيل لا نجد أنفسنا أمام دولة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة بل أمام وظيفة إمبراطورية أُسندت لشتات بشري جُمع من أصقاع الأرض ليكون حارساً للمصالح الغربية في منطقة هي قلب العالم وعقدة مواصلاته الكبرى.
إن الصهيونية التي انبثقت من رحم المركزية الأوروبية في القرن التاسع عشر لم تكن سوى محاولة يائسة لحل معضلة أوروبية داخلية هي المسألة اليهودية .
تلك المعضلة التي تسببت فيها القوميات الأوروبية الصاعدة التي لم تعد تطيق وجود الآخر في أحشائها فقررت تصدير أزمتها إلى الشرق ليتحول الضحية الأمس في أوروبا إلى جلاد اليوم في فلسطين في مفارقة تاريخية تراجيدية تجعلنا نتساءل عن ماهية العدالة الدولية التي تمنح أرضاً لمن لا يملك لشعب لم يكن يوماً هناك إلا في أساطير غبراء رُفعت لتصبح دستوراً سياسياً ملزماً للعالم أجمع.
هذا الكيان الذي نراه اليوم ليس مجرد تجمع لأمة مستعادة بل هو مختبر جيوسياسي هائل تتصارع فيه الهويات وتتقاطع فيه المصالح.
الغرب الذي يدعم إسرائيل اليوم بكل ثقله العسكري والمالي والدبلوماسي لا يفعل ذلك حباً في شعب الله المختار أو إيماناً بنصوص التوراة بل لأنه يرى فيها حاملة طائرات ثابتة لا تغرق وقاعدة متقدمة لحماية مصالحه في مواجهة طموحات الشرق الصاعدة وشعور الذنب الذي يغمر الضمير الأوروبي تجاه الهولوكوست ليس سوى غطاء أخلاقي هش لإخفاء رغبة دفينة في إبقاء الشرق الأوسط تحت السيطرة الدائمة عبر زرع جسم غريب يمنع أي وحدة عربية أو نهضة إسلامية محتملة وكأن إسرائيل هي القفل الذي يغلق بوابات التاريخ أمام العرب واليد الطويلة التي تضرب كل من تسول له نفسه الخروج عن بيت الطاعة الغربي.
وعندما ننظر إلى العلاقة المعقدة مع الدب الروسي ندرك أننا أمام لعبة شطرنج كبرى تتجاوز العواطف والمواقف المبدئية فروسيا التي ورثت إرث الاتحاد السوفيتي تدرك أن في إسرائيل روسيا صغرى تسكن في أحشائها حيث إن أكثر من مليون مهاجر سوفيتي نقلوا معهم لغتهم وثقافتهم وولاءاتهم المزدوجة مما جعل من إسرائيل جسراً حيوياً لموسكو نحو المتوسط ونحو قلب القرار الغربي وهذا يفسر تلك الشعرة الرقيقة من التفاهم الأمني في الساحة السورية حيث تنسق الطائرات الروسية مع الطائرات الإسرائيلية في رقصة باليه دموية ومحسوبة تحافظ فيها موسكو على دورها كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه بينما تضمن إسرائيل أن أمنها القومي يمر عبر الكرملين بقدر ما يمر عبر البيت الأبيض وهو ما يثبت أن المصالح الإستراتيجية الكبرى لا تعرف الأخلاق ولا تنحاز إلا للقوة الصرفة.
أما المأساة الحقيقية فتكمن في تلك العلاقة غير المفهومة مع المحيط العربي حيث تحول العداء الوجودي إلى سلام بارد ثم إلى تطبيع دافئ يثير الغثيان في نفوس الشعوب التي لا تزال ترى في فلسطين بوصلتها ووجدانها.
العرب الذين خاضوا حروباً كبرى دفاعاً عن كرامتهم وجدوا أنفسهم اليوم رهينة لأنظمة ترى في التحالف مع إسرائيل طوق نجاة لبقائها في السلطة أو وسيلة لمواجهة فزاعات إقليمية مصطنعة مما خلق هوة سحيقة بين الشارع الذي لم ينسَ دماء الشهداء وبين القصور التي تبحث عن أمنها في الاتفاقيات الإبراهيمية التي ليست في جوهرها سوى محاولة لإعادة هندسة المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية نهائياً تحت مسميات الازدهار والتعاون الاقتصادي وكأن الكرامة يمكن مقايضتها بمشاريع الغاز أو تكنولوجيا التجسس.
وفي الداخل الإسرائيلي نجد فسيفساء بشرية متنافرة تكاد تنفجر من الداخل تحت ضغط التناقضات العرقية والثقافية فبينما يسيطر الأشكناز القادمون من برودة أوروبا على مفاصل الدولة والجيش والاقتصاد ويحملون معهم غطرسة المستعمر الذي يرى في نفسه حاملاً لرسالة حضارية
نجد السفاراديم والمزراحيم القادمين من الشرق والبلاد العربية يعيشون حالة من التهميش الثقافي والاجتماعي رغم أنهم يشكلون الوقود البشري للصراع وهناك أيضاً الفلاشا الإثيوبيون الذين جيء بهم في عمليات استخباراتية هوليوودية ليجدوا أنفسهم في أسفل السلم الاجتماعي يعانون من عنصرية بغيضة تثبت أن هذا الكيان الذي يدعي الديمقراطية والوحدة اليهودية ليس سوى نظام أبارتهايد داخلي وخارجي حيث لا تجمع هؤلاء سوى فوبيا الآخر العربي والخوف المستمر من الزوال مما يجعل من إسرائيل مجتمعاً عسكرياً بامتياز يعيش في ثكنة كبيرة وتحت حماية جدران إسمنتية وإلكترونية تعكس عزلته النفسية عن محيطه الطبيعي.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل وهي تلك الفرضية الصادمة التي طرحها آرثر كيستلر في كتابه القبيلة الثالثة عشرة والتي تزلزل الأسس الإيديولوجية التي قامت عليها الحركة الصهيونية.
فإذا كان الأشكناز الذين يشكلون عصب الدولة ونخبتها هم في الحقيقة من نسل الخزر الأتراك المغول الذين اعتنقوا اليهودية في القرن الثامن الميلادي لأسباب سياسية بحتة تتعلق بالتوازن بين الإمبراطورية البيزنطية والخلافة العباسية فإن كل الأساطير حول أرض الميعاد والعودة تصبح مجرد سراب إيديولوجي فهؤلاء ليسوا ساميين أصلاً
ولا تربطهم بفلسطين أي صلة جينية أو تاريخية
بل هم أوروبيون وشرق آسيويون تهودوا ثم قرروا غزو الشرق تحت شعار ديني مزيف.
مما يحول الصراع من صراع على الحق التاريخي إلى صراع استعماري صريح حيث تحاول قبيلة خزرية متنكرة في ثوب توراتي أن تحتل أرضاً لشعب آخر مستغلة ضعف الشرق وتواطؤ الغرب وهذا ما يفسر لماذا تخشى إسرائيل من الدراسات الجينية والأنثروبولوجية التي قد تكشف أن الملك عارٍ وأن النخبة التي تحكم تل أبيب ليس لها في القدس سوى ما يملكه السائح الأجنبي من ذكريات مصطنعة
بينما يظل الفلسطيني هو الوريث الحقيقي والوحيد لهذه الأرض التي تنطق بحجارته وزيتونه وتاريخه الممتد لآلاف السنين.
إننا إزاء كيان قلق يعوض نقصه الوجودي بفائض من القوة العسكرية ويحاول ردم الهوة بين هوياته المتصارعة عبر اختراع أعداء دائمين لكن التاريخ يخبرنا أن الدول التي تقوم على الأساطير وتتغذى على الظلم لا يمكن أن تستمر إلى الأبد حتى لو حمتها كل أساطيل الغرب.
المنطقة العربية رغم انكسارها الحالي تظل جسماً حياً يرفض الأجسام الغريبة وإسرائيل في نهاية المطاف ليست سوى عارض تاريخي في مسيرة الشرق الطويلة، عارض سينتهي حين تكتمل شروط النهضة وتستعيد الشعوب قرارها المسلوب.
حينها فقط سيُغلق ملف القبيلة الثالثة عشرة ليعود التاريخ إلى مجراه الطبيعي وتعود فلسطين لأصحابها ويسقط القناع عن القناع في مشهد ختامي لمأساة بدأت بفكرة استعمارية وانتهت بحتمية جيوسياسية لا مفر منها.
هذا الشرق الذي نعيش فيه ليس مجرد مساحة جغرافية
بل هو وعاء لميتافيزيقيا القوة حيث تتصارع فيه الخرائط وحيث تصبح الحقيقة مجرد وجهة نظر تفرضها الدبابة
ولكن خلف هذه الدبابة هناك أسئلة تنخر عظام الكيان الصهيوني.
أسئلة حول الهوية والجذر والأصل فكيف يمكن لمجتمع هجين جُمع من شتات اليديشية في روسيا ومن حارات المغرب ومن صحارى إثيوبيا أن يصمد أمام رياح التاريخ العاتية؟
إنهم يحاولون صناعة إنسان إسرائيلي جديد لكنهم يصطدمون في كل مرة بجدار الحقيقة فحتى لغتهم العبرية المستحدثة ليست سوى لغة مختبرية جرى إحياؤها في غرف الإنعاش القومي بينما تظل العربية هي لغة الأرض لغة الماء والتراب والنداء مما يجعل الصراع في جوهره صراعاً بين الاصطناع وبين الطبيعة وبين كيان وظيفي وبين أمة وجودية.
ولعل هذا هو السر في ذلك الدعم الغربي المحموم فهم يدركون أن سقوط إسرائيل يعني سقوط آخر قلاع الاستعمار القديم وبداية عهد جديد لا يكون فيه للرجل الأبيض اليد العليا في تقرير مصائرنا.
من هنا تكتسب القضية الفلسطينية بعداً عالمياً فهي ليست مجرد نزاع على حدود بل هي صرخة المظلومين في وجه نظام عالمي بنى شرعيته على كذبة كبرى وعلى أنقاض شعب لم يرتكب جرماً سوى أنه وُجد في طريق الأطماع الكبرى.

لذلك فإن قرائتي لهذا الواقع لا تنطلق من العواطف الساذجة بل من تشريح بارد لموازين القوى ولحركة التاريخ التي لا ترحم الضعفاء.
نحن أمام عدو يمتلك تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين لكنه يفكر بعقلية القرون الوسطى وأمام غرب يدعي الليبرالية لكنه يمارس أبشع أنواع العنصرية حين يتعلق الأمر بأمن ربيبته إسرائيل وأمام أنظمة عربية فقدت بوصلتها وباعت كرامتها في سوق النخاسة الدولية.
ولكن ورغم هذا المشهد القاتم يظل الرهان على تلك القبيلة الثالثة عشرة التي قد تكون مفتاح الانهيار من الداخل
فعندما يدرك الأشكناز أنهم ليسوا أصحاب الأرض وعندما يدرك الشرقيون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وعندما تذوب البروباغندا الدينية أمام الواقع المرير سيبدأ التآكل الذاتي لهذا المشروع الذي وُلد في الخطيئة وسينتهي في مهب الريح.
التاريخ لا يكتبه المنتصرون دائماً بل تكتبه الشعوب التي ترفض الموت والشرق الذي يمر اليوم بمرحلة المخاض العسير سيلفظ في النهاية كل ما هو دخيل ليعود قلباً نابضاً للعالم متحرراً من عقدة النقص ومن قيود الاستعمار المتجدد.

سأكتفي بهذا القدر في هذه اللوحة البانورامية فالموضوع أوسع من أن تحيط به الكلمات ولكنه جهد لمحاولة فهم ما لا يُفهم وتفكيك ما يُراد له أن يظل ملغزاً.
الحقيقة تبدأ من كسر الأصنام وصنم إسرائيل هو الأكبر في عصرنا الحالي وكسره لا يكون بالسلاح وحده بل بالوعي وبالمعرفة وبتفكيك الأساطير التي بُنيت عليها دول وقامت عليها إمبراطوريات والزمن كفيل بأن يرينا عجائب قدرته في تبدل الأحوال.
من كان يصدق أن الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ستتقلص إلى جزيرة باردة ومن كان يصدق أن الاتحاد السوفيتي العظيم سينهار في ليلة وضحاها؟
إسرائيل ليست استثناءً وهي محكومة بنفس القوانين التي حكمت كل القوى التي قامت على الغزو والإحلال وإن غداً لناظره قريب حيث ستشرق شمس الحقيقة على أرض لم تعرف يوماً سوى الصبر والصمود.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال