بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من الدرس_الشاهد إلى الهاكتون البيداغوجي: قراءات سوسيولوجية في مسرحة الفعل التعليمي وإعادة تشكّل المعنى المدرسي

2026-02-27 23 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
قبل أن يبدأ الدرس، يكون كل شيء قد أُعيد ترتيبه بعناية: المقاعد في وضع مختلف، الوسائل جاهزة بكثافة، التلاميذ أكثر انتباهًا من المعتاد، قسم يضم نخبة من التلاميذ، والمدرس في حالة تركيز استثنائية. الجميع يدرك — بصمت — أن ما سيحدث ليس درسًا عاديًا. إنها لحظة يُراد لها أن تُرى، أن تُقيَّم، وأن تُقنع.
غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا يحدث للفعل التعليمي حين يصبح مطالبًا بأن ينجح أمام أعين الملاحظة؟ وهل ما نراه داخل هذه اللحظات المكثفة يعكس حقيقة التعلم اليومي، أم يمثل نسخة مُعاد تشكيلها منه؟
من هنا يبدأ التساؤل حول التحول الصامت الذي تعيشه المدرسة المعاصرة: حين لا يعود التعليم تجربة تُبنى في الزمن اليومي، بل أداءً يُعاد تشكيله ليصمد أمام لحظة الملاحظة.

#من_الدرس_الشاهد_إلى_الهاكتون_البيداغوجي:
#قراءات_سوسيولوجية_في_مسرحة_الفعل_التعليمي_وإعادة #تشكّل_المعنى_المدرسي

1. تقديم إبستمولوجي: حين يتحول التعليم إلى قابلية للعرض

داخل المدرسة المعاصرة، لم يعد التعلم يُقاس بعمق التحولات المعرفية التي يعيشها المتعلم، بل بالقدرة على إظهار التعلم وتمثيله داخل وضعيات قابلة للملاحظة والتقييم. في هذا التحول الهادئ، تتكشف الدروس الشاهدة بوصفها ممارسة بيداغوجية تبدو في ظاهرها أداة للتكوين المهني وتقاسم الخبرة، لكنها في الواقع تعكس انتقالًا عميقًا في معنى الفعل التعليمي.
فالدرس الشاهد لم يعد مجرد لحظة تعلم مشتركة، بل أصبح حدثًا استثنائيًا يُعاد خلاله تنظيم القسم والزمن والتفاعل لإنتاج صورة ناجحة عن التعلم أكثر مما يسمح بفهم تعقيده الحقيقي داخل الحياة المدرسية اليومية.
تتقاطع هذه الملاحظة مع تحليلات بورديو (1979) حول الاعتراف الرمزي في المؤسسات، وتؤكد ما أوضحه غوفمان (1959) بشأن تقديم الذات، بينما يذكّرنا موران (1990) بصعوبة اختزال التعقيد البشري في نماذج تقنية.

لا ينطلق هذا المقال من موقف رافض للدرس الشاهد أو مشكك في أهميته التكوينية، بل من محاولة فهم آثاره الرمزية والتنظيمية داخل الثقافة المهنية المدرسية، حتى يظل أداةً للتكوين وتحسين الممارسة، لا معيارًا خفيًا يعيد تعريف معنى التدريس اليومي أو يخلق مسافة بين التعلم كما يُعاش والتعلم كما يُعرض.

2. منطق الهاكتون داخل التنظيم المدرسي:

التحضيرات المكثفة، التخطيط الدقيق، وتوقع ردود أفعال التلاميذ، كلها تشير إلى محاولة لتقليص مناطق اللايقين والسيطرة على الحدث التعليمي. يتحول الدرس إلى حدث مضبوط يشبه الهاكتون: لحظة تعبئة قصوى للموارد بهدف تحقيق نجاح سريع وقابل للتقويم.
يمكن فهم هذا من خلال ما وصفه ميشال كروزيي (1963) في ديناميات الفعل داخل التنظيمات البيروقراطية، حيث يسعى الفاعلون إلى التحكم المسبق في الوضعيات لضمان النتائج المرجوة.

3. مسرحة الفعل التعليمي وإدارة الانطباع:

داخل الدرس الشاهد، يصبح القسم فضاءً للأداء الاجتماعي. المدرس يقدم نسخة مثالية من الممارسة، والتلاميذ يمثلون أدوار المتعلمين النموذجيين. التعلم لا يُلغى، لكنه يُعاد ترتيبه ليصبح قابلًا للعرض، فتغيب العفوية، ويتراجع الخطأ، ويُختزل التعقيد.
هذه الظاهرة تؤكد ما أشار إليه إرفنغ غوفمان (1959) حول تقديم الذات وفق توقعات الجمهور، حيث يقدّم الفاعل الاجتماعي ما يُتوقع منه بدل ما يحدث فعليًا.

4. الاعتراف الرمزي وإعادة إنتاج المكانة المهنية:

انتشار الدروس الشاهدة يعكس صراعًا على الاعتراف المهني داخل الحقل التربوي. الممارسة تصبح وسيلة لاكتساب الشرعية المهنية، حيث تنتقل قيمة العمل التربوي من الجهد اليومي غير المرئي إلى الأداء الاستثنائي القابل للرصد.
هذا يتوافق مع ما كشفته تحليلات بورديو (1979) حول الرأسمال الرمزي في المؤسسات، الذي يمنح المكانة لمن يلتزم بالمعايير المرئية.

5. التعقيد التربوي واختزاله التقني:

تحويل التعلم إلى نموذج تقني قابل للتكرار يخفي التعقيد الحقيقي للفعل التربوي، فالتفاعلات غير المتوقعة داخل المدرسة لا يمكن اختزالها في خطوات تقنية.
هذه الملاحظة تعكس ما نبّه إليه إدغار موران (1990) من أن الأنظمة الإنسانية المعقدة لا يمكن فهمها عبر تبسيطها.

6. المراقبة الذاتية وإنتاج الامتثال المهني:

الدرس الشاهد يولد مراقبة ذاتية عند المدرس، إذ يكفي احتمال الملاحظة ليعيد تنظيم سلوكه المهني.
هذا يتماشى مع ما أشار إليه ميشال فوكو (1975) حول إنتاج الأفراد لأنفسهم كموضوع للمراقبة في ظل الرقابة الحديثة.

7. المدرسة ومجتمع الفرجة:

ربط قيمة الدرس بقدرته على الإقناع البصري والمؤسساتي يقرّب المدرسة من منطق مجتمع الفرجة. الدرس الناجح في زمن محدود يعزز فكرة أن الجودة التعليمية يمكن اختزالها في لحظة عرض ناجحة.
هذا يتوافق مع تحليلات غي ديبور (1967) حول تحوّل التجربة إلى صورة للعرض.

8. التنظيم المدرسي بين العقلنة وحدود الإصلاح:

الدروس الشاهدة، رغم نواياها التكوينية، قد تعزز ثقافة الأداء بدل ثقافة التعلم، نتيجة تكيف الفاعلين مع ما يُقاس ويُعترف به.
هذا يظهر ما لاحظه ريمون بودون (1973) من أن السياسات الإصلاحية قد تولد آثارًا غير مقصودة داخل الأنظمة التعليمية.

9. إعادة تشكّل المعنى المدرسي:

الانتقال من الدرس الشاهد إلى الهاكتون البيداغوجي يكشف تحولًا أعمق في معنى المدرسة نفسها: فضاء لإنتاج مؤشرات الفعالية وصورها التنظيمية، حيث يصبح الفعل التعليمي ممارسة رمزية لإثبات نجاح النظام أكثر من مساءلة شروط التعلم الواقعية.

10. خاتمة : ما الذي يحدث للمدرسة؟

إذا أصبحت الدروس الشاهدة هاكتونات بيداغوجية تُكثَّف فيها الممارسة لتصبح قابلة للعرض، فإن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا بطريقة تنظيمها، بل بطبيعة المدرسة التي تتشكل عبرها:
هل نحن أمام تطوير للممارسة التربوية أم انتقال صامت نحو مدرسة تُدار بمنطق الأداء؟
هل نقيس التعلم فعلاً أم نقيس القدرة على تمثيله؟
وماذا يبقى من المعنى المدرسي عندما يصبح النجاح حدثًا عابرًا أكثر منه تجربة تعلم مستمرة؟

المراجع:

1. Boudon, R. (1973). L’inégalité des chances. Paris: Armand Colin.

2. Bourdieu, P. (1979). La distinction. Paris: Minuit.

3. Crozier, M. (1963). Le phénomène bureaucratique. Paris: Seuil.

4. Debord, G. (1967). La société du spectacle. Paris: Buchet-Chastel.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.

6. Goffman, E. (1959). The Presentation of Self in Everyday Life. New York: Doubleday.

7. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris: ESF.

8. Perrenoud, P. (1994). Métier d’élève et sens du travail scolaire. Paris: ESF.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال