تقديم: هل المدرسة فضاء تعلّم أم فضاء إنتاج للمعنى الاجتماعي؟
تولد كل نظرية تربوية تقريبًا بوعد إصلاحي واضح: تحسين التعلم، تطوير الكفايات، عقلنة التقويم، تحرير المتعلم من التلقين، وبناء ذات مستقلة قادرة على التفكير. غير أنّ السؤال الأكثر إرباكًا لا يتمثل في كيف نتعلم؟ بل في سؤال أعمق غالبًا ما ظل خارج اهتمام علوم التربية:
لماذا نتعلم داخل شكل مؤسسي محدد اسمه المدرسة؟
فالمدرسة لا تمثل مجرد وسيط لنقل المعرفة، بل مؤسسة اجتماعية حديثة تضطلع بوظيفة أعمق: إنتاج أنماط معينة من الذوات القابلة للاندماج داخل النظام الاجتماعي. إنها فضاء يبدو محايدًا معرفيًا، بينما يعمل في العمق على تنظيم العلاقة بالمعرفة والسلطة والزمن والاعتراف الاجتماعي.
لقد ركزت علوم التربية تاريخيًا على هندسة التعلم: بناء الوضعيات، تنظيم التفاعل، تحديد الأهداف، وقياس المردودية. غير أنها نادرًا ما تساءلت عن الشروط الرمزية التي تجعل التعلم ممكنًا أصلًا. فالمدرسة، كما يبيّن Pierre Bourdieu، فضاء لإنتاج الهابيتوس، أي منظومة الاستعدادات التي تشكل علاقة الفرد بالعالم (Bourdieu & Passeron, 1970)، وهي كذلك — وفق تحليل Michel Foucault — مؤسسة انضباطية تعيد توزيع الأجساد والزمن والكلام داخل اقتصاد السلطة الحديثة (Foucault, 1975).
غير أنّ اختزال المدرسة في الضبط أو إعادة الإنتاج يظل بدوره غير كافٍ؛ إذ تمثل المؤسسة المدرسية أيضًا أحد أهم فضاءات إنتاج الإمكان الاجتماعي والحراك الفردي. ومن هنا يصبح الانتقال من التحليل البيداغوجي إلى التحليل الأنثروبولوجي انتقالًا من سؤال التعلم إلى سؤال المعنى المدرسي ذاته.
فالقسم ليس فقط مكانًا لاكتساب المعرفة، بل طقس عبور اجتماعي يعيد ترتيب المكانات تحت غطاء النجاح المدرسي.
1. السلوكية: التعلم كتكنولوجيا للضبط
قدّمت السلوكية مع John Watson وB. F. Skinner تصورًا للتعلم قائمًا على المثير والاستجابة والتعزيز (Skinner, 1953)، مما سمح بتحويل التعليم إلى عملية قابلة للقياس والتنبؤ.
غير أنّ هذا النجاح التقني رافقه تحول رمزي عميق: أصبح التعلم مرادفًا للامتثال السلوكي. فالنجاح المدرسي يقاس بمدى القدرة على إنتاج الاستجابة المقبولة مؤسسيًا. وهكذا يتحول القسم إلى فضاء ينتج ما يسميه فوكو «الأجساد الطيّعة» القادرة على الأداء داخل النظام أكثر من مساءلته (Foucault, 1975).
السلوكية لم تكن إذن مجرد نظرية تعلم، بل لحظة عقلنة مبكرة للسلطة التربوية.
2. النظرية المعرفية: وهم العقل المحايد
مع Jean Piaget انتقل الاهتمام إلى البنية الذهنية للمتعلم باعتبار المعرفة بناءً نمائيًا تدريجيًا (Piaget, 1952). وقد مثّل ذلك تحررًا من الاختزال السلوكي.
غير أن العقل البياجي قُدّم بوصفه بنية شبه كونية، بينما تكشف القراءة السوسيولوجية أن التعثر المعرفي قد يعكس فجوة بين الثقافة المدرسية والرأسمال الثقافي الأسري. فالمؤسسة تقيس الذكاء عبر رموز لغوية واجتماعية غير متكافئة التوزيع (Bourdieu & Passeron, 1970).
هكذا يتحول القياس المعرفي أحيانًا إلى انتقاء اجتماعي مقنّع بلغة علمية.
3. البنائية الاجتماعية: التفاعل كطقس اعتراف
أعاد Lev Vygotski تعريف التعلم باعتباره عملية اجتماعية تتحقق عبر التفاعل داخل «منطقة النمو القريب» (Vygotski, 1978). غير أن التفاعل المدرسي ليس عفويًا؛ بل يخضع لطقوس دقيقة للاعتراف.
يبين Erving Goffman أن الحياة الاجتماعية تقوم على عرض الذات داخل مسرح منظم (Goffman, 1959)، بينما يرى Victor Turner أن الطقوس تعيد إنتاج البنية الاجتماعية رمزيًا (Turner, 1969).
وبذلك يصبح القسم فضاءً لإنتاج المكانة الاجتماعية بقدر ما هو فضاء لبناء المعرفة.
4. الذكاءات المتعددة: الاعتراف الذي لا يغيّر النظام
طرح Howard Gardner تصورًا تعدديًا للذكاء (Gardner, 1983)، غير أن المدرسة تواصل مكافأة أنماط محددة من النجاح، خاصة الأداء اللغوي والمنطقي.
ينكشف هنا ما يسميه بورديو «العنف الرمزي»، حيث يُفرض نموذج نجاح واحد بوصفه معيارًا طبيعيًا (Bourdieu, 1970). فتظل ديمقراطية الذكاءات اعترافًا نظريًا محدود الأثر البنيوي.
5. التعلم بالاكتشاف وبيداغوجيا المشروع: حرية منظَّمة
دافع Jerome Bruner عن التعلم بالاكتشاف (Bruner, 1961)، وربط John Dewey المعرفة بالتجربة الحية (Dewey, 1938). غير أن استقلالية المتعلم داخل المدرسة تبقى محكومة بزمن رسمي وبرامج معيارية.
تصبح الحرية نفسها موضوع تنظيم مؤسسي، حيث يتحول خطاب التحرر — وفق منطق فوكوي — إلى تقنية حديثة لإدارة الفاعلية داخل نظام مراقبة ناعم.
6. البيداغوجيا الفارقية: إدارة التفاوت
تسعى البيداغوجيا الفارقية إلى مراعاة الاختلافات الفردية، لكنها تعمل داخل نفس تعريف النجاح ونفس نظام التقويم.
إنها تدبّر التفاوت دون مساءلة شروط إنتاجه الاجتماعية، فتتحول العدالة التعليمية إلى معالجة تقنية لا إلى تحول بنيوي.
7. المقاربة بالكفايات والنقل الديداكتيكي: عقلنة الأداء
مع Xavier Roegiers أصبح التعلم يقاس بقدرة التعبئة في وضعيات مركبة (Roegiers, 2001)، بينما أبرز Yves Chevallard أن المعرفة المدرسية نتيجة إعادة تشكيل ديداكتيكي للمعرفة العلمية (Chevallard, 1985).
غير أن ما يُعد معرفة شرعية يعكس دائمًا تصورًا ثقافيًا واجتماعيًا ضمنيًا، مما قد يحول الكفايات إلى اقتصاد للأداء أكثر منه مشروعًا لبناء الفكر النقدي.
8. البيداغوجيا النقدية: مفارقة التحرر المؤسسي
دعا Paulo Freire إلى تعليم تحرري قائم على الوعي النقدي (Freire, 1970). غير أن إدماج المشروع النقدي داخل مؤسسة مركزية يطرح مفارقة بنيوية: كيف يمكن لجهاز يسهم في الاستقرار الاجتماعي أن يحتضن مشروع تغييره؟
تظل المدرسة فضاء توتر دائم بين الضبط والتحرر.
9. المدرسة كطوبوغرافيا متعددة الطبقات
تكشف القراءة الطوبوغرافية أن المدرسة تعمل عبر أربع طبقات متداخلة:
طبقة معرفية: تنظيم التعلم واكتساب المعرفة؛
طبقة تنظيمية: ضبط الزمن والسلوك والانضباط؛
طبقة رمزية: توزيع الاعتراف والشرعية الثقافية؛
طبقة أنثروبولوجية عميقة: إنتاج معنى الانتماء الاجتماعي وصياغة الفرد القابل للاعتراف داخل المجتمع.
تتحرك أغلب الإصلاحات داخل الطبقة الأولى، بينما تستمر الطبقات الأعمق في إعادة إنتاج بنية المؤسسة، وهو ما يفسر محدودية أثر الإصلاحات المتعاقبة، خاصة في سياقات مدرسية — كما في الحالة التونسية — تعرف تواتر الإصلاح دون تحول فعلي في التجربة المدرسية اليومية.
10. نقد النقد: المدرسة بين إعادة الإنتاج وإنتاج الإمكان
غير أن اختزال المدرسة في جهاز إعادة إنتاج فقط يقود إلى حتمية سوسيولوجية مفرطة. فالمدرسة تظل أحد أهم فضاءات الحراك الاجتماعي وإعادة تشكيل المسارات الفردية.
إنها مؤسسة تناقض: تنتج الامتثال وتفتح الإمكان في الآن ذاته. وهذا التوتر هو ما يمنحها قدرتها التاريخية على الاستمرار رغم الأزمات المتكررة.
خاتمة: نحو علوم تربية ما بعد البراءة
تكشف طوبوغرافيا نظريات علوم التربية تعدد المقاربات البيداغوجية، لكنها تطرح أيضًا سؤالًا أعمق ظل مؤجلًا: ليس فقط كيف نحسّن التعلم، بل كيف نحافظ على معنى المدرسة نفسها داخل مجتمع متحوّل.
فالمدرسة ليست مجرد مكان للمعرفة، بل فضاء رمزي ينتج الذوات ويعيد ترتيب الانتماءات الاجتماعية. ومن هنا تنبثق أسئلة ميتافيزيقية جوهرية:
هل التعلم ممكن حقًا خارج إطار المعنى الذي تنتجه المؤسسة؟
إلى أي حدّ تشكل المدرسة الفرد، وإلى أي حدّ تسمح للفرد بأن يشكل العالم؟
هل الإصلاح التربوي تعديل في الأساليب أم مجرد إعادة ترتيب للطبقات الرمزية؟
وإذا غاب المعنى، هل يبقى التعلم طقسًا حضاريًا أم مجرد امتثال فارغ؟
في هذا الأفق تبدأ علوم التربية بعد البراءة: علوم لا تكتفي بتحسين التعلم، بل تسائل العمق الرمزي والتاريخي والثقافي الذي يجعل التعلم ممكنًا ومرغوبًا ومشتركًا.
المراجع:
1. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction.
2. Bruner, J. (1961). The Process of Education.
3. Chevallard, Y. (1985). La transposition didactique.
4. Dewey, J. (1938). Experience and Education.
5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.
6. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés.
7. Gardner, H. (1983). Frames of Mind.
8. Goffman, E. (1959). La mise en scène de la vie quotidienne.
9. Piaget, J. (1952). La naissance de l’intelligence chez l’enfant.
10. Roegiers, X. (2001). Une pédagogie de l’intégration.
11. Skinner, B. F. (1953). Science and Human Behavior.
12. Turner, V. (1969). The Ritual Process.
Vygotski, L. (1978). Mind in Society.
طوبوغرافيا نظريات علوم التربية من هندسة التعلّم إلى أنثروبولوجيا الطقس المدرسي حفر ميكروسوسيولوجي في الطبقات غير المرئية
2026-02-22
51 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال