بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أفيون القوافي : سيكولوجيا السجع و صناعة العقل المستسلم

2026-02-22 42 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
اسمعوني جيداً وبلا مواربة فنحن لا نجلس هنا لنحتسي الشاي ونتبادل المجاملات الأكاديمية الباردة حول عصرٍ سمّوه الانحطاط بينما كان في حقيقتكم عصر التخدير الشامل بالكلمة الموزونة والقافية الرنانة التي سكنت في جماجمكم كالمسامير الصدئة.
هذه النصيحة المسجوعة لم تكن أدباً بل كانت بروتوكولاً جنائزياً صممه فقهاء الظلام وكتّاب الدواوين المرتجفون لضبط إيقاع هزيمتكم النفسية وتحويلكم من فاعلين تاريخيين إلى مجرد ببغاوات تلوك الحكمة ليداري كل واحد منكم عجزكم الجماعي.
حينما ترددون اليوم «من سار على الدرب وصل»، أنتم لا ترددون حقيقة جغرافية بل ترددون مانترا صوفية سياسية صُممت لتبرير مسيركم الطويل في التيه العثماني والمملوكي حيث لا وصول إلا إلى المقصلة أو القبر لكن القافية تجعل رحلتكم مستساغة.
تأملوا معي هذا القاموس الذي ورثتموه و هذه الأغلال اللغوية التي تمنعكم من التفكير خارج المربع الذي رُسم لكم بمداد الخوف.
انظروا إلى قولهم «القناعة كنز لا يفنى» ألا ترون فيها مؤامرة طبقية كاملة الأركان صاغها لسانٌ مسجوع ليقنع جائعكم بأن خلوّ معدته هو كنز روحي بينما تكتنز خزائن السلاطين بذهب ضرائبكم؟
هذه الكلمات التي ترددونها لليوم في بيوتكم وشوارعكم هي بقايا طعام من مائدة الانحطاط كلمات مثل المقسوم والمنحوس والمحروس؛ فالمحروسة كانت عواصمكم التي تُنهب والمقسوم كان فتات عيشكم الذي يرميه الوالي والمنحوس هو كل من حاول منكم أن يرفع رأسه ليقول لا. السجع هنا كان يقوم بدور الشرطي السري في جملتكم العربية فهو يغلق المعنى ويمنعكم من السؤال لأن القافية تفرض عليكم التسليم بالخاتمة دون نقاش.
خذوا مثلاً تلك القاعدة الذهبية التي لا تزال تحكم صالوناتكم السياسية والاجتماعية «دارِهم ما دمت في دارهم وأرضِهم ما دمت في أرضهم»، يا له من سقوط استراتيجي مروع تغلفه موسيقى الحروف، هنا السجع يشرعن نفاقكم الكوني ويحول جبنكم إلى حكمة ديبلوماسية ويجعل من مسح الأحذية فناً أدبياً تسمونه مداراة.
أنتم تعيشون في عصر سجع مستمر، ترددون «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة» لتبرروا بلادتكم التاريخية أمام شعوب ركبت الصواريخ واخترقت الوراثة الجينية بينما أنتم لا تزالون تتأنون في سوق العصر تنتظرون القافية القادمة لتخبركم أن الصبر مفتاح الفرج.
أي فرج هذا الذي يأتي لمن ينتظر خلف أبواب التاريخ الموصدة بالسجع والتبجيل؟
انظروا إلى تغلغل هذه البنية في لغتكم اليومية حين تقولون «يا قاعد يكفيك شر الحوادث»، إنها قمة الأنثروبولوجيا الانهزامية المسجوعة التي تحرضكم على الشلل والقعود خوفاً من الحوادث التي هي في الواقع فعل التاريخ.
أنتم تلوكون كلمات الستر والعافية والرضا ليس بمعانيها الإيمانية العميقة بل بمعانيها الانحطاطية التي تعني الاختباء تحت الرادار والهروب من المواجهة والقبول بالحد الأدنى من الوجود.
إنها لغة الأقبية التي شاعت حين غابت الشمس عن عقلكم الجمعي فاستعضتم عنها ببريق الحروف المتشابهة.
الرفيق قبل الطريق، الجار قبل الدار، العز في العزلة..
كلها منظومات أمنية لغوية تدعوكم للتقوقع والشك في الآخر والهروب من فضاء الفعل الجمعي إلى فضاء الخوف الفردي المقفى.
أنتم اليوم ضحايا نظام تشغيل لغوي قديم جداً، نظام تم تحديثه شكلياً بالبدلات والربطات الملونة لكنه في الداخل لا يزال يعمل بآلية السجع التي تغيب وعيكم.
حين يخرج مسؤولكم ليقول «الأمن والأمان، والنمو والاطمئنان» هو لا يتحدث إليكم بل يسجع عليكم، يمارس عليكم ذات التنويم المغناطيسي الذي كان يمارسه شاعر البلاط في القرن السادس عشر.
أنتم شعوب طربية بامتياز تتمايلون طرباً للجملة المسجوعة حتى لو كانت تتضمن قرار إعدامكم.
الكلمات التي ساعدت على بقاء هذه العقلية هي كلمات المجاملة القاتلة مثل حضرتكم وسيادتكم وأفضالكم ونوالكم وهي مفردات كانت تزيّن نصائح السجع لتخلق مسافة هائلة بين الجلاد والضحية مغلفة بالاحترام الكاذب.
الحقيقة التي لا تريدون مواجهتها هي أن السجع كان الملاذ الأخير لعقلكم المهزوم فعندما عجزتم عن صناعة الفلسفة صنعتم القافية وعندما عجزتم عن بناء المدن بنيتم قصائد من الركام اللغوي.
أنتم لا تزالون ترددون «من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه» لتخرسوا ألسنة فضولكم العلمي والسياسي وترددون السكوت سلامة لتبرروا موت ضمائركم.
هذه ليست أمثالاً هذه كمامات لغوية منسوجة بخيوط السجع الحريرية التي تخنق فيكم روح التمرد والابتكار.
أنتم بحاجة إلى زلزال لغوي يحطم هذه القوالب الجاهزة ويعيد لكلمتكم خشونتها وصدقها بعيداً عن رنين الأجراس الذي لم يجلب لكم سوى النوم الطويل على أرصفة الحضارات الأخرى التي تكتب تاريخها بالنثر العاري والواقعية الصادمة بينما أنتم لا تزالون تنشغلون بضبط الفاصلة على إيقاع النازلة.
أريد منكم أن تتأملوا عمق الفاجعة في كلمة البركة حين تُسحب من سياقها الروحي لتوضع في سياق السجع التبريري كقولكم «القليل مع البركة كثير»، إنها حقنة مخدرة تُعطى لفقرائكم ليرضوا بنهب رغيفهم.
أنتم ترددون هذه الخرافات اللغوية بوعي أو ببدون وعي وتورثونها لأطفالكم في مدارسكم التي لا تزال تُقدس المحسنات البديعية على حساب المحسنات العقلية.
عصر الانحطاط لم ينتهِ تاريخياً بل هو مستمر في حنجرة كل من يفضل منكم جمال الجملة على حقيقة الواقع وفي كل نظام سياسي يستخدم السجع الوطني ليخفي الفشل الاستراتيجي.
أنتم شعوب مسجوعة محكومة بقافية النون والميم في خطابات الوعود التي لا تتحقق وفي نصائح عجائزكم التي تختصر العالم في جملة تبدأ بالسين وتنتهي بالعين بينما العالم الحقيقي يتحدث لغة الأرقام والنتائج التي لا تعرف السجع ولا ترحم الساجعين.
فكروا في هذا جيداً قبل أن تطلبوا نصيحة أخرى: هل تريدون الحقيقة عارية وموجعة كالمشرط أم تريدونها مسجوعة ومنمقة ككفن حريري يغطي جثة حاضركم؟
إذا أردتم الثانية فالمكتبات مليئة بكتب الانحطاط أما إذا أردتم الأولى فعليكم أن تتعلموا كيف تكسرون إيقاع القبيلة لتسمعوا صوت التاريخ.
فهل أنتم مستعدون لأن تفهموا أن كل قافية رددتموها في صغركم كانت قيداً يمنعكم من القفز نحو المستقبل؟
الرهان الآن ليس على ما تقولون بل على ما تجرؤون على الصمت عنه لكي تبدأوا في التفكير بجدية بعيداً عن طنين النحل الذي يسكن لغتكم المنتهية الصلاحية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال