بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هكذا انهزمنا وهكذا ننتصر

2025-12-09 582 قراءة مقالات رأي عبد العزيز كحيل
حرب الإبادة على غزة وموقف الأنظمة العربية منها أصاب العرب والمسلمين في قلوبهم وعقولهم وجعلهم يقررون أنهم ليسوا عربا وليسوا مسلمين، إذ لو كانوا كذلك لكان الحال غير الحال سواء بالدافع الديني أو حتى بأخلاق الجاهلية، وتبين أننا لا نمثل الإسلام، وأن بيننا وبينه مسافة ضخمة، ولو توفرت حتى أخلاق الجاهلية مثل الولاء للقبيلة والأنفة والغيرة لكان لنا الموقف الذي ذكره شاعرهم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ***فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويتساءل الناس: لماذا وصلنا هذا الحد من التردي وكيف نعود إلى عهد المكنة والقوة؟ إذا أردنا أن نعرف كيف نصبح أقوياء وننتصر على أعدائنا ونتبوأ درجة التمكين يجب أن نعرف كيف انهزمنا، وهزيمتنا الحضارية تعود أساسا الى أخطر ما نتج عن الاستعمار واتفاقيات سيكس – بيكو المشؤومة، وهو نقل الأمة من الكيان الواحد إلى دول وطنية قطْرية لتحلّ محل الانتماء العقيدي، وبقيت مادة "الإسلام دين الدولة" مجرد شعار لا تجسيد له في الواقع في أي مجال حتى قوانين الأحوال الشخصية.
لقد حلّ التعصب للقُطر والجنسية الترابية الضيقة الذي أنتجته "سايكس بيكو" محل رابطة العقيدة والانتماء الوجداني الشامل لبلاد الإسلام فأدى ذلك – كما كان مخططا له - إلى التفرق والتنازع والاعجاب بقطعة من الأرض وجنسية سياسية، وقد رأينا في الاتفاقيات المشؤومة التفنن في تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم ومشكلة الأقليات واللهجات إلى درجة اتخاذ اللهجة المحلية هوية بديلة عن الإسلام، وها هي قنبلة الأقليات قد انفجرت في كثير من البلاد المشرقية واتخذ منها النظام البعثي النصيري في سورية ركيزة لحكمه ردخا من الزمن.
ولنا أن نلاحظ أن المقبلين على الإسلام خاصة في الغرب لديهم في الغالب تصوّر أصيل عن الإسلام ومقتضياته أفضل منا لأنهم نزعوا حجاب القومية وأبصروا الأخوة الإيمانية وأدركوا مفهوم الأمة، فأول ما يفعلونه – مثلا – بعد اعتناقهم الإسلام هو تعلّم العربية باعتبارها لغة الإسلام الأولى واللسان الجامع لمن يريدون فهم القرآن والسنة والتراث الإسلامي، بينما فينا من يهمشها ويعاديها لتحل محلها لغات أجنبية أو لهجات محلية.
هذا واقعنا الذي لا يختلف في تشخيصه عاقلان: دويلات ضعيفة متهارشة يعتمد كثير من حكامها على الخارج للبقاء في السلطة، جمعوا بين الولاء للغرب وبغض المرجعية الإسلامية بسبب حملهم الرؤية العلمانية، من جهة أخرى دول الغرب تتوحد ونحن نحيي العرقيات القديمة لنزداد تفرقا، والشعوب راضية بهذا، غارقة في اللهو واللعب والتعصب للطين والكرة وكل أنواع التفاهة، كيف لا والمثقفون يؤصلون للدولة القومية ويرفضون فكرة الدولة الجامعة والخلافة بكل قوة ويسخرون من كل هذا لأنهم متعصبون لحدود سيكس بيكو يقدسونها تقديسا، وكانت النتيجة الحتمية تغييب معنى الجهاد نهائيا، لهذا لا تنفع الجيوش وأسلحتها ولا توجد غيرة على فلسطين لأنها في الرؤية العلمانية دولة أجنبية أقصى موقف منها هو التعاطف البارد، وهكذا لولا أن الـ 400 مليون عربي رهائن بيد أوضاع سياسية مختلة لما تمادى الكيان في شناعاته ضد أهلنا في غزة والضفة ولبنان وسورية وإيران، وبما أن طالبان وحماس والإسلاميين هم الذين يحملون الرؤية الإسلامية الأصيلة فإن التضييق عليهم بلغ أوجه حتى إن تهمة الإرهاب تُوجّه إلى جماعة الإخوان وهي جماعة مسالمة، ولا تُوجه إلى الكيان الصهيوني، وهذا بتأييد واضح من النظام السياسي العربي الذي يؤْثر سلامة الكرسي على مراغمة الغطرسة الغربية التي حوّلته إلى مجرد خادم لمشروعها.
هذا واقعنا فما الحل؟ لا مفر من تبني الأمة – وخارج الإطار الرسمي - لمشروع إعداد جيل النصر على أسس إسلامية حقة ترتكز على بلورة وتوضيح وترويج مفهوم الأمة الواحدة، الأخوة، الولاء والبراء بمفهومه الأصيل كما شرحه العلماء العاملون الراسخون، التعامل مع اليهود والكفار وفق التصوّر الإسلامي والرؤية القرآنية والهدي النبوي الكريم، خدمة الدولة القطرية في إطار إحياء مفهوم الكيان الإسلامي الجامع وليس بمعزل عنه، وهذا يقتضي حتما التحرر من الرؤية العلمانية المسيطرة وأدبياتها المخالفة للإسلام، ابتداء من اعتبارها العثمانيين غزاة وانتهاء بركن القضية الفلسطينية في زاوية الوطنية والقومية، والجنسية الإسلامية البديلة عما فعلته "سيكس-بيكو" تجمع كل المسلمين وبكل طوائفهم: الصوفية، الإخوان، السلفية، عامة المسلمين في كل مكان، وكلهم إن شاء الله يشكلون الفرقة الناجية، يسعهم العمل بالمتفق عليه والتسامح في المختلف فيه، يجمعهم العمل للهدف المشترك وقطعيات الشريعة كما بيّن حديث بني قريظة.
إن الغرب بقيادة اليهود يعرف قوة الإسلام في ظل وحدة الأمة لذلك لا يسمح لنا بالتكتل ولا يتيح لنا في خططه إلا الطقوسية في العبادة، لهذا يشن حربا ضروسا على الإخوان رغم سلميتهم ويكرر الإشادة بغيرهم من الفصائل السلبية الانسحابية، فهل نعقل ذلك؟

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال