بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علوم التربية في مواجهة الأنثروبولوجيا: هل ستصمد؟ من هندسة الكفايات إلى مساءلة المعنى والسلطة

2026-02-18 72 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين يصبح السؤال أخطر من الإصلاح

ليست أزمة المدرسة اليوم أزمة مناهج أو موارد أو نتائج فحسب؛ إنها، في عمقها، أزمة معنى. فبينما تواصل علوم التربية تحديث المقاربات، وإعادة صياغة “الكفايات”، وبناء نماذج الجودة والنجاعة، تتقدّم الأنثروبولوجيا بسؤال أكثر إزعاجًا: ماذا تفعل المدرسة بالإنسان؟ هل هي فضاء لتحرير الوعي أم جهاز لإعادة إنتاج النظام الرمزي القائم؟ وهل يمكن الحديث عن حياد بيداغوجي داخل مؤسسة تُنتج الشرعية وتعيد ترتيب المواقع الاجتماعية؟
لقد تأسست علوم التربية الحديثة داخل أفق عقلاني تقني، يفترض أن تحسين الأداء يمر عبر ضبط الأهداف، وتحديد الكفايات، وقياس النتائج. غير أنّ هذا الأفق بدأ يتصدّع حين وُضع في مواجهة القراءة الأنثروبولوجية التي ترى المدرسة بنية ثقافية عميقة، لا مجرد جهاز تنظيمي. السؤال لم يعد: كيف نُدرِّس؟ بل أصبح: ماذا نُشرعن حين نُدرِّس؟ وأيّ تصور للإنسان نصوغه من خلال هذا الفعل؟ هنا لا تبدأ قطيعة معرفية، بل توتّر إبستمولوجي قد يكون شرطًا لنضج الحقل ذاته.

1. التربية بين الوظيفية والانضباط: افتراض الشرعية

مع mile Durkheim تشكّلت إحدى الدعائم المؤسسة لعلوم التربية الحديثة. فقد اعتبر أن التربية فعل اجتماعي منظّم يهدف إلى إدماج الفرد في نسق القيم الجماعية، بما يضمن استمرارية المجتمع (1922). في هذا التصور الوظيفي، المدرسة جهاز لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي، وأداة لترسيخ الضمير الجمعي وضبط الانحراف.
غير أنّ هذا التأسيس يفترض ضمنًا شرعية النظام الذي تعيد المدرسة إنتاجه. فالمدرسة ليست هنا فضاءً للنقد بقدر ما هي آلية لإعادة إنتاج المعايير القائمة. إنها تشتغل باعتبارها جهازًا يكوّن المواطن كما تتصوّره الدولة الحديثة، لا كما قد يتصوّر ذاته خارج شروطها.
وتزداد الصورة تعقيدًا إذا استحضرنا تحليل السلطة الانضباطية عند Michel Foucault (1975)، حيث تصبح المدرسة فضاءً لإنتاج “أجساد طيّعة” عبر تقنيات المراقبة، والجدولة الزمنية، والتصنيف، والامتحان. هنا لا تكون الطقوس المدرسية — الاصطفاف، رفع اليد، طلب الإذن، الامتحان — مجرد إجراءات تنظيمية، بل تقنيات دقيقة لإعادة تشكيل الهابيتوس وترسيخ علاقة مخصوصة بالسلطة والمعرفة. التربية، بهذا المعنى، ليست إدماجًا اجتماعيًا فحسب، بل هندسة خفية للذوات.

2. من وهم الكونية إلى كثافة الاختلاف الثقافي

مع التحول السيكولوجي، خاصة لدى Jean Piaget (1947)، أصبح الطفل مركز العملية التعليمية. وقد قدّم تصورًا لنموّ الذكاء بوصفه مسارًا تدريجيًا يمر بمراحل شبه كونية، تقوم على بنيات منطقية تتطور وفق انتظام عام.
غير أنّ هذا التصور، رغم أهميته التأسيسية، يفترض ضمنًا مسارًا عامًا للنمو مستقلًا نسبيًا عن السياقات الرمزية. وهنا تتدخل الأنثروبولوجيا البنيوية مع Claude Lévi-Strauss (1958) لتبيّن أن الإنسان لا يدرك العالم خارج البنى الرمزية التي يعيش داخلها. فالطفل لا ينمو في فراغ معرفي، بل داخل شبكة من الأساطير، والتصنيفات، والتمثلات الجماعية التي تشكّل إدراكه للعالم.
النموّ ليس فقط تدرجًا بيولوجيًا معرفيًا، بل تموقع داخل نسق ثقافي. ومن هنا يصبح سؤال “الكفايات الكونية” سؤالًا إشكاليًا: هل يمكن صياغة نموذج تعلّم يُقدَّم بوصفه معيارًا عامًا، بينما هو متجذر في بنية ثقافية مخصوصة؟ وهل الهابيتوس المدرسي محايد فعلًا، أم أنه يُعيد إنتاج تصور بعينه عن العقلانية والانضباط والنجاح؟

3. المدرسة كحقل لإعادة الإنتاج الرمزي والعنف الناعم:

تبلغ المساءلة ذروتها مع التحليل السوسيولوجي النقدي عند Pierre Bourdieu، خاصة في عمله مع باسرون (1970). يكشف بورديو أن المدرسة تمارس شكلًا خفيًا من العنف الرمزي حين تقدّم ثقافة الفئات المهيمنة بوصفها الثقافة الشرعية. النجاح المدرسي ليس مجرد ثمرة جهد فردي، بل امتداد لرأسمال ثقافي سابق يتماهى مع متطلبات المؤسسة.
المدرسة ليست ناقل معرفة فحسب، بل حقل صراع رمزي تُعاد فيه صياغة التراتبية الاجتماعية تحت غطاء الحياد. المنهج اختيار قيمي، والتقييم اعتراف أو إقصاء، واللغة المدرسية أداة تصنيف بقدر ما هي أداة تواصل.
ولعل ثقافة الامتحان مثال كاشف: حين يُختزل التعلم في العلامة، وتتحول المعرفة إلى رصيد قابل للقياس، يُعاد تعريف القيمة الإنسانية وفق منطق الأداء. هنا لا يُقاس الفهم فقط، بل يُعاد توزيع الاعتراف الاجتماعي عبر طقس تقويمي يبدو محايدًا، بينما هو مشبع بمعايير ثقافية محددة. إننا أمام إعادة إنتاج رمزي لا يعلن نفسه، بل يشتغل في صمت.

4. المدرسة كنص ثقافي: من المعيارية إلى التأويل

إذا كانت المقاربات المعاصرة تختزل العملية التعليمية في مؤشرات أداء ومعايير جودة، فإن الأنثروبولوجيا التأويلية مع Clifford Geertz (1973) تدعونا إلى قراءة الفعل الاجتماعي بوصفه نصًا مشبعًا بالدلالات.
القسم الدراسي ليس فضاءً تقنيًا، بل مسرحًا رمزيًا:
السلطة فيه ليست تنظيمًا إداريًا فقط، بل تمثّلًا ثقافيًا.
التقييم ليس قياسًا خالصًا، بل طقس اعتراف.
المحتوى ليس معرفة صافية، بل سردية حول الإنسان والعالم.
وفق هذا المنظور، لا يكفي تحسين الأدوات البيداغوجية دون مساءلة المعنى الذي تنتجه. فالحتمية البيداغوجية — التي تفترض أن تطوير الوسائل يفضي تلقائيًا إلى تطوير النتائج — تبدو اختزالًا ما لم يُطرح سؤال التأويل: ماذا يعني أن نتعلم؟ ولأيّ أفق إنساني نُعِدّ المتعلم؟

5. نهاية البراءة البيداغوجية: الصمود أم التحول؟

أخطر ما تفعله الأنثروبولوجيا بعلوم التربية أنها تنزع عنها ادعاء البراءة. لم تعد المناهج محايدة، ولا الإصلاح مجرد تحديث تقني، ولا المدرسة جهازًا إداريًا بسيطًا. لقد تبيّن أن كل فعل تعليمي هو فعل ثقافي رمزي، وأن كل إصلاح يعكس — بوعي أو بدونه — تصورًا للإنسان ولمستقبله.
المدرسة لا تعكس المجتمع فحسب؛ إنها تعيد صياغة خريطته الرمزية، وتحدّد ما يُعدّ معرفة مشروعة، ومن يستحق الاعتراف. حين تُختزل التربية في مؤشرات أداء، ويتحول المتعلم إلى “رأس مال بشري”، يتراجع سؤال المعنى لصالح سؤال النجاعة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدّة:
إما أن تعترف علوم التربية بأنها ليست تقنية خالصة، بل خطابًا حول الإنسان،
وإما أن تتحول إلى أداة إدارة رمزية للواقع القائم.
الصمود لن يكون بالإنكار، بل بالتحول.
لا بالهروب من النقد الأنثروبولوجي، بل باحتضانه كمرآة إبستمولوجية.
فالمواجهة ليست صراع اختصاصات، بل لحظة وعي: انتقال من الضبط إلى الفهم، ومن المعيارية إلى التأويل، ومن وهم الحياد إلى مساءلة السلطة.

المراجع:

1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie.

2. Piaget, J. (1947). La psychologie de l'intelligence.

3. Lévi-Strauss, C. (1958). Anthropologie structurale.

4. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.

6. Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال