إن الحديث عن تونس في القرن السادس عشر لا يمكن أن يستقيم بلغة الصالونات المائعة أو بمفردات التأريخ المدرسي المعلب الذي يختصر المأساة في مجرد صراع بين إمبراطوريتين بل نحن أمام جريمة كبرى مكتملة الأركان. جريمة اغتصاب للسيادة بدأت خيوطها في الغرف السوداء لمجلس حرب شارلكان وانتهت بذبح وطن فوق مذبح الأطماع الكونية حيث كانت تونس في ذلك الزمن هي السرة التي يتقاتل عليها قياصرة الذهب في مدريد وسلاطين البارود في القسطنطينية.
ولم تكن صرخة مولاي الحسن الحفصي حين فر ذليلاً إلى برشلونة عام 1535إلا إعلاناً عن ولادة عصر الوكلاء الذين يبيعون الجغرافيا مقابل البقاء على كراسٍ منخورة.
هذا السلطان الذي تلطخت يداه بدم أربعين من إخوته في مذبحة عائلية مقززة عام 1532 لضمان العرش هو نفسه الذي لم يجد غضاضة في أن يقبل يد الإمبراطور الإسباني شارل الخامس ويوقع على وثيقة العار في 6 أوت 1535
تلك المعاهدة التي لم تكن إلا صك استعباد رسمي حول تونس إلى محمية مهانة يدفع فيها السلطان 12 ألف دوكا ذهبية سنوياً ثمنًا لبقائه موظفاً برتبة ملك تحت حذاء الجندي الإسباني .
بينما كانت تونس تغرق في برك من الدم لم تشهدها منذ حروب قرطاج فما حدث في جويلية 1535 حين اقتحم الأسطول الإمبراطوري المكون من 400 سفينة و30 ألف جندي حصن حلق الوادي لم يكن فتحاً ولا نصراً مسيحياً كما روجت بروباغندا يان كورنليز فيرمين في لوحاته المنسوجة بل كان انفجاراً للحقد التاريخي الذي أسفر عن ذبح 30 ألف تونسي في ثلاثة أيام من النهب الهستيري.
حيث تحولت أزقة المدينة العتيقة إلى مسالخ بشرية واختلطت دماء العلماء بمداد المخطوطات الحفصية التي أُحرقت ونُهبت في هولوكوست ثقافي مسكوت عنه لدرجة أن رائحة العفن المنبعثة من الجثث المكدسة في نهج القصبة و سوق الشواشين أجبرت الإمبراطور شارلكان على الهروب بفسطاطه إلى تلال رادس بحثاً عن هواء نقي في مفارقة ساخرة تعكس كيف يصنع الطغاة الموت ثم يتقززون من رائحته .
وفي المقابل لم يكن خير الدين بربروس ذلك القديس البحري الذي جاء بقلب أبيض بل كان لاعباً جيوسياسياً محترفاً في شطرنج سليمان القانوني.
استخدم الأمير رشيد الحفصي (الأخ الناجي من مقصلة مولاي الحسن) كطعم سياسي Proxy ليفتح له التونسيون أبواب مدينتهم عام 1534.
وبمجرد أن استتب له الأمر ألقى بالشرعية الحفصية في سلة المهملات وأعلن تونس إيالة عثمانية ليدخلنا في دوامة السيادة الضائعة بين سيد يغتصب بالصليب وسيد يبتر بالهلال بينما الأرض التونسية هي التي تُحرث بسنابك الخيل. ولعل قصر باردو يقف اليوم شاهداً أخرساً على هذا المسخ الهوياتي فالتسمية التي يظنها البعض تونسية أصيلة ما هي إلا تحريف لـ Prado الإسبانية أي المرج الذي كان يوماً متنزهاً لسلاطين هانت عليهم أنفسهم فهانوا على التاريخ وتحول من فضاء للنزهة إلى مركز لقرار منزوع السيادة يُطبخ في قصر القصبة تحت رقابة الحامية الإسبانية التي فرضت في معاهدة 1535 أن يكون لها الحق في تدمير أي بناء يعلو فوق رؤوس جنودها.
بل وفرضت منع دخول الموريسكيين الأندلسيين لأنهم يحملون فيروس المقاومة.
وهذه هي النقطة التي يهرب منها المؤرخون الرسميون فالموريسكيون الذين طُردوا من جحيم فرناندو وإيزابيلا هم الذين أعادوا بناء العصب الحيوي لتونس في تستور و مجاز الباب و زغوان وهم الذين جلبوا تقنيات الري وصناعة الشاشية التي أصبحت برلمان الفقراء ورمز الهوية المتمردة ضد الأرستقراطية الحفصية المتفسخة.
لقد كانت تونس في ذلك القرن مختبراً لأنثروبولوجيا الخيانة حيث نرى أحمد بن الحسن ينقلب على أبيه مولاي الحسن ويسمله عينيه (أي يفقأهما بالحديد المحمى) في مشهد تراجيدي يختصر سقوط الدولة حين تصبح العائلة هي الوطن وحين تصبح السيادة مجرد شعار يُرفع في معسكرات الأجانب.
التاريخ السري لهذه الحقبة يخبرنا أن قناة صقلية كانت هي المقصلة فمن يسيطر على تونس يمسك بخصيتي المتوسط وهذا ما أدركه الإسبان جيداً حين تمسكوا بحلق الوادي كخنجر مسموم في خاصرة البلاد حتى عام 1574حين جاء سنان باشا بأسطوله الضخم لينهي الآمال الإفريقية لهابسبورغ.
ليس حباً في عيون التونسيين بل لأن الباب العالي قرر أن الوقت قد حان لابتلاع الثمرة بالكامل.
فبين سقوط حلق الوادي ونهاية الدولة الحفصية ولدت تونس الإيالة من رحم القهر وتدثرت بالمالوف الأندلسي كنوع من النديب الجماعي على مجد ضائع وسيادة سُرقت في وضح النهار.
إننا لا نقرأ التاريخ لنبكي بل لنفضح تلك النخب التي لا تزال حتى اليوم تعتقد أن مفاتيح تونس تُصنع في عواصم الآخرين فما فعله مولاي الحسن في 1535 يتكرر بصور شتى حين تفتقر الدولة للشرعية الوطنية وترتمي في أحضان الحمايات المقنعة والتاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة دموية و باردو الذي كان يوماً برادو إسبانياً يذكرنا كل صباح أن الجغرافيا هي القدر الكافر الذي لا يرحم الضعفاء
وأن السيادة لا تُستجدى بالقبلات على أيدي الأباطرة
بل تُنتزع بانتزاع مفاتيح حلق الوادي من كل يد أجنبية تحاول العبث ببوصلة هذا الوطن الذي كان يوماً قلب العالم فصار بفضل سماسرة العروش مجرد ساحة لتصفية حسابات القياصرة والسلاطين.
إن الذين احتفلوا بطلقات المدافع العثمانية في صيف 1574 وهي تدك حصون حلق الوادي وتقتلع ما تبقى من جيف الحامية الإسبانية لم يدركوا في غمرة نشوتهم أنهم لم يحرروا وطناً بل استبدلوا قيداً بقيد ونقضوا غزل السيادة الممزق أصلاً ليعيدوا نسجه في ثكنات الانكشارية التي حولت تونس من إمبراطورية حفصية كانت يوماً منارة للمغرب العربي إلى مجرد ماخور جيوسياسي يديره قادة الأوجاق القادمون من حانات القسطنطينية وأزقة البلقان
فما حدث في ذلك العام المشؤوم تحت قيادة سنان باشا و قلج علي لم يكن فتحاً إسلامياً بالمعنى الطهوري الذي تروج له كتب الوعظ التاريخي بل كان عملية استحواذ عدائي نفذتها شركة عسكرية عابرة للقارات تسمى الإنكشارية
حيث تحولت تونس من دولة لها بيت مال وعلماء وبيروقراطية عريقة إلى ضيعة عسكرية يسكنها 4000 جندي من المرتزقة الذين لم تكن تربطهم بالأرض التونسية لغة ولا دماً ولا تاريخاً بل كان يربطهم بها نصيبهم من الغنيمة واحتكارهم لتجارة الأجساد البشرية في أسواق النخاسة التي ازدهرت تحت مسمى الجهاد البحري.
ولعل الأرقام التي يخفيها الأرشيف المسكوت عنه تتحدث بمرارة عن تحول تونس إلى أكبر سوق للعبيد في الحوض الغربي للمتوسط.
حيث كان البنيون (Bagnio) أو سجون الأسرى تضم آلاف الأوروبيين الذين تحولوا إلى عملة صعبة تضخ الذهب في جيوب الدايات والبايات في حين كان الفلاح التونسي في دواخل البلاد يرزح تحت وطأة المحلة وهي تلك الحملة العسكرية السنوية التي لم تكن تهدف لنشر الأمن بل لنهب المحاصيل وإذلال القبائل لتمويل حياة الترف والمجون في قصور باردو و حلق الوادي.
هذه النخبة العسكرية التي نصبت نفسها وصية على
بيضة الإسلام كانت في الحقيقة أرستقراطية سيف غريبة الأطوار أدارت البلاد بعقلية الكوماندوز لا بعقلية رجال الدولة ولعل الفضيحة الكبرى تكمن في ذلك التواطؤ المخزي بين المخزن العسكري الجديد وبين بعض النخب الدينية في جامع الزيتونة التي باركت شرعية الغريب مقابل فتات من الأوقاف والحظوة السلطانية مغمضة عينيها عن حقيقة أن تونس فقدت بوصلتها الوطنية منذ اللحظة التي أصبح فيها الداي (وهو رتبة عسكرية لضابط انكشاري) يقرر مصير العائلات التونسية العريقة بشحطة قلم أو بضربة سيف.
في عام 1591 شهدت تونس ثورة المراتب الدنيا حين انقلب جند الإنكشارية على ضباطهم الباشاوات الذين عينهم الباب العالي ليؤسسوا نظاماً سياسياً مشوهاً يقوم على الاغتيال كوسيلة وحيدة لتداول السلطة حيث تشير السجلات إلى أن معظم الدايات الذين حكموا في تلك الفترة انتهت حياتهم بالخنق أو السم أو الذبح في مشهد يعكس سوسيولوجيا العنف التي زرعها هذا النظام في جسد الدولة التونسية.
ولم تكن تونس في القرن السابع عشر إلا ساحة لتبييض الأموال الناتجة عن القرصنة حيث بُنيت القصور والزوايا والمساجد الفخمة بأموال السبايا وفدية الأسرى .
في عملية تجميلية بشعة لإخفاء وجه الدولة الخارقة التي كانت تعيش على هامش القانون الدولي للمتوسط.
وبينما كان الموريسكيون يحاولون بجهد يائس زرع بذور الحضارة الأندلسية في تستور و قلعة الأندلس
كان الأوجاق الانكشاري يمتص نخاع الدولة ويحولها إلى ثكنة كبرى معزولة عن عمقها العربي والإفريقي.
ومن هنا نفهم لماذا بقيت تونس لقرون تتخبط في أزمة شرعية ولماذا كان الباي يضطر دائماً لخطب ود القناصل الأوروبيين سراً بينما يلعنهم جهراً أمام الرعية.
هي ازدواجية التبعية التي ولدت في 1574 ولم تنتهِ حتى بظهور الدولة الحسينية التي حاولت تونسة هذا النظام الهجين لكنها ورثت جيناته القمعية وعقليته الجبائية التي لا ترى في الشعب إلا قطيعاً يجب جز صوفه.
إننا أمام أرشيف من القيح يكشف كيف تحولت السيادة إلى سلعة تُباع لمن يدفع أكثر للإنكشارية وكيف أصبحت تونس رهينة في يد طغمة عسكرية لم يكن يعنيها من تونس إلا مرساها الذي يطل على إيطاليا و قصرها الذي يطل على دماء المقهورين.
وما المالوف الذي نتغنى به اليوم إلا مرثية طويلة لذلك الزمن الذي ضاعت فيه ملامحنا تحت وطأة الطرابيش الغريبة و السيوف المنحنية التي بترت لسان الحقيقة وجعلت من تونس إيالة تابعة لمركز بعيد لا يرسل لنا إلا الفرمانات التي تأمر بالدفع أو الباشاوات الذين يأمرون بالذبح.
وكل من يحاول اليوم تجميل تلك الحقبة هو شريك في الخيانة التاريخية التي جعلت من تونس مختبراً لأسوأ أنواع الحكم العسكري المرتزق حيث تحولت الوطنية إلى ولاء للثكنة وتحولت الدولة إلى إقطاعية يتقاسمها المغامرون القادمون من وراء البحار تاركين لنا إرثاً من الخوف وبنية دولة لا تزال مسكونة بهاجس الانقلاب والغدر.
وهي الدروس الصادمة التي يجب أن نصرخ بها اليوم بلا ديبلوماسية وبلا مواربة لأن السيادة التي لا تُبنى بسواعد أبناء الأرض وعرقهم هي مجرد وهم ينتهي دائماً في مزبلة التاريخ كما انتهت أحلام الحفصيين وأوهام الإسبان وجبروت الإنكشارية الذين رحلوا وبقيت تونس جريحة تبحث عن نفسها بين ركام الإمبراطوريات.
وادي التاريخ المنسي
2026-02-16
88 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال