توطئة: بين السؤال النقدي واللاهوت البيداغوجي
ليس هذا النص اعتراضًا على علوم التربية بوصفها مجالًا معرفيًا، بل اعتراضًا على تحوّلها إلى يقين مغلق يُمارَس باسم "العلمية". حين تُنزَع عن النظرية قابليتها للمساءلة، وتُقدَّم كمعيار نهائي للحقيقة، تتحوّل من أداة تفسير إلى أداة ضبط، ومن أفق للفهم إلى سلطة معيارية. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ "اللاهوت البيداغوجي": خطاب يطالب بالامتثال بدل التفكير، وبالتطبيق بدل النقد، ويحوّل النموذج إلى مرجعية أخلاقية لا تُمسّ.
المشكلة ليست في وجود نماذج، بل في افتراض كونيّتها؛ ليست في الاستفادة من خبرات عالمية، بل في تحويلها إلى مقاييس معيارية تُدان بها السياقات التي لا تنسجم معها. ومن هذا المنطلق تنطلق هذه القراءة: مساءلة الجغرافيا الفكرية للنماذج، نقد الحتمية البيداغوجية، تفكيك وهم الكونية، كشف تسييس المعرفة داخل خطاب الإصلاح، والتفكير في إمكان إنتاج معرفة تربوية من الداخل.
1: مشروعية السؤال ونسبية التعريف — علوم التربية داخل شروطها التاريخية
لم تنشأ علوم التربية بوصفها معرفة خالصة، بل بوصفها استجابة لتحولات اجتماعية عميقة: صعود الدولة الحديثة، تشكّل المدرسة العمومية، والحاجة إلى إدارة السكان عبر التعليم. إن تعريفها ذاته مشروط بسياق نشأتها؛ فهي لم تتحدد بما تدرسه فقط، بل بالوظيفة التي أُنيطت بها داخل النظام الاجتماعي.
حين يُقدَّم هذا الحقل بوصفه علمًا مكتملًا ومحايدًا، تُطمس الشروط التاريخية التي أنجبته. كل تعريف لعلوم التربية يفترض ضمنًا تصورًا للإنسان، للعقل، للطفولة، للسلطة، وللعلاقة بين المعرفة والمجتمع. هذا الافتراض الأنطولوجي والقيمي يُختزل غالبًا في صيغة تقنية محايدة، بينما هو في جوهره اختيار فلسفي واجتماعي.
استيراد النماذج التربوية دون مساءلة شروط نشأتها يعني نقل تصور كامل للإنسان والمجتمع. فالمدرسة التي وُلدت في سياق دولة رفاه صناعية، حيث الرأسمال الثقافي موزع نسبيًا، ليست هي المدرسة التي تعمل في مجتمع يعاني هشاشة اجتماعية وتفاوتًا رمزيًا حادًا. تجاهل هذا الاختلاف يحوّل السؤال العلمي إلى افتراض أيديولوجي، ويجعل الفشل نتيجة "طبيعية" لعدم التطابق مع نموذج أُعلن كونيًا.
2: الجغرافيا الفكرية للنماذج — من الاقتباس إلى الاقتلاع الرمزي
مصطلح "الجغرافيا الفكرية" ليس استعارة، بل إطار تحليلي مركب يشمل ثلاثة مستويات مترابطة:
سوسيولوجيًا: شروط إنتاج النموذج داخل بنية اجتماعية محددة.
إبستمولوجيًا: شروط إمكان القول، أي ما يُعتبر مشكلة وما يُعتبر حلاً ضمن أفق معرفي معين.
سياسيًا: موقع النموذج داخل خرائط القوة، ومن يملك شرعية تعميمه.
كل نموذج تربوي يتكوّن ضمن شبكة من هذه الشروط: بنية اقتصادية، فلسفة سياسية، تنظيم مؤسسي، وتمثّل معيّن للذات المتعلمة. إن نقله خارج هذه الشبكة دون إعادة تفكيك شروطه هو اقتلاع ثقافي قبل أن يكون اقتباسًا معرفيًا.
يشير Pierre Bourdieu (1979) إلى أن المدرسة تعمل ضمن منظومة إعادة الإنتاج الاجتماعي، حيث يُفترض تساوي الرأسمال الثقافي بينما هو موزع بشكل غير متكافئ. حين يُستورد نموذج يفترض هذا التساوي إلى سياق يعاني تفاوتًا بنيويًا، يتحول الفشل إلى قدر طبيعي، ويُعاد تأويله أخلاقيًا بوصفه قصورًا فرديًا. هنا يتجلى العنف الرمزي: النموذج يُقدَّم ككوني، والواقع يُدان لأنه لم يرتقِ إليه.
الاقتلاع لا يحدث فقط على مستوى التقنيات، بل على مستوى المعنى. فالنموذج يحمل تصورًا للنجاح، للانضباط، للفاعلية، وللذات المستقلة. وعندما يُنقل إلى سياق مختلف، قد يعمل كآلية إقصاء أكثر منه أداة إصلاح، فيتحول "التجديد" إلى إعادة ترتيب للهرم الرمزي داخل المدرسة، لا إلى تحرير لها.
3: الحتمية البيداغوجية — من التقنية إلى أنثروبولوجيا الأداء
الحتمية البيداغوجية لا تقتصر على الاعتقاد بأن لكل مشكلة تربوية حلاً تقنيًا جاهزًا، بل تمتد إلى تحويل الفعل التربوي إلى سلسلة إجراءات معيارية. إنها منطق يُفرغ العلاقة التربوية من بعدها التاريخي والإنساني، ويختزلها في بروتوكول.
الأخطر أنها تقوم على أنثروبولوجيا ضمنية: متعلّم قابل للقياس الكامل، قابل للبرمجة، قابل للضبط. تحويل المتعلم إلى وحدة أداء يعني افتراض ذات شفافة، يمكن اختزالها في مؤشرات كمية.
يُظهر Michel Foucault (1975) كيف تُنتج التقنيات التأديبية ذواتًا منضبطة عبر أنظمة المراقبة والتقويم. المدرسة المعاصرة، حين تخضع لمنطق الجودة والحوكمة، تتحول إلى فضاء ضبط أكثر منه فضاء تفكير. المؤشر لا يقيس الواقع فحسب، بل يعيد تشكيله.
الحتمية هنا ليست مجرد تبسيط معرفي، بل آلية بيروقراطية لإدارة الفشل. إذا أخفق الإصلاح، فالتفسير جاهز: خطأ في التنفيذ. هكذا يُعفى النموذج من مساءلة ذاته، ويُحمّل الفاعلون مسؤولية بنيوية لا يملكون شروطها، ويتحوّل الإصلاح إلى منطق أداء، والأداء إلى معيار أخلاقي.
4: وهم الكونية — الباراديغم بين التنظيم والإقصاء
العلم لا يعمل خارج باراديغم ينظم رؤيته للواقع. يوضح Thomas Kuhn (1962) أن الباراديغم ليس انعكاسًا للحقيقة بل إطارًا يحدد ما يُرى وكيف يُفسَّر.
حين يتحول هذا الإطار إلى معيار مطلق، يفقد طابعه التفسيري ويتحوّل إلى أداة إقصاء. وهم الكونية في الخطاب التربوي يقوم على افتراض أن النموذج الناجح في سياق ما قابل للتطبيق بذات الفاعلية في سياق آخر، متجاهلاً اختلاف البنية الاجتماعية، ونمط السلطة، والتمثلات الثقافية للمعرفة. الكونية هنا ليست حقيقة علمية بل تعميمًا أيديولوجيًا.
النسبية السياقية لا تعني إنكار إمكان التعلم من التجارب الأخرى، بل تعني إعادة تركيبها داخل شروط محلية عبر عملية ترجمة نقدية: تفكيك الفرضيات، اختبارها ميدانيًا، وإعادة صياغتها في ضوء التجربة.
5: تسييس المعرفة — الإصلاح كإعادة ترتيب للسلطة
لا يمكن فهم الإصلاح التربوي خارج علاقات القوة. يوضح Paulo Freire (1970) أن التربية إمّا أن تكون ممارسة تحررية تُنمّي الوعي النقدي، أو أداة لإعادة إنتاج الامتثال.
حين يُقدّم الإصلاح في صيغة تقنية محايدة، يُخفى بعده السياسي. مفاهيم مثل الجودة والنجاعة والحوكمة تبدو إجرائية، لكنها تعيد توزيع السلطة داخل الحقل التربوي: المعلّم منفّذ، المتعلم موضوع قياس، الإدارة مركز ضبط. تُسيّس المعرفة عبر نزع طابعها السياسي، فتتحول إلى أداة تنظيم صامت.
الإصلاح هنا لا يغيّر المناهج فقط، بل يعيد ترتيب مواقع القوة داخل المدرسة. ومن دون وعي نقدي، يتحول التحديث إلى إعادة إنتاج دقيقة للهيمنة.
6: نحو معرفة تربوية منتجة من الداخل — من الخطاب إلى البنية
إنتاج معرفة من الداخل لا يعني الانغلاق، بل استعادة الفاعلية النقدية. يدعو Edgar Morin (1990) إلى التفكير في التعقيد بدل الاختزال، ويرى Jean-Pierre Astolfi (1997) أن الخطأ ليس عيبًا بل مورد معرفي.
هذا الطموح يتحقق حين تصبح المدرسة فضاءً لإنتاج المعرفة من الداخل، عبر:
تحويل المعلم إلى باحث في ممارسته عبر مشاريع بحث-فعل داخل المدرسة.
إنشاء خلايا تجريب محلية تختبر المناهج قبل تعميمها.
إقامة شراكة فعلية بين الجامعة والمدرسة بصيغة إنتاج مشترك، لا إشراف عمودي.
إعادة تعريف "الفشل" بوصفه معطى بحثيًا يُحلَّل، لا وصمة أخلاقية تُدان.
تخيّل مدرسة تُنجز سنويًا تقريرًا بحثيًا حول صعوباتها الفعلية، يُناقش في فضاء تشاركي بين المعلمين والباحثين، وتُبنى عليه تعديلات تدريجية. هنا تنتقل المدرسة من موقع التطبيق إلى موقع الإنتاج، وتصبح المعرفة المنتجة من الداخل شرطًا للانفتاح، وليس بديلًا عنه.
خاتمة: ما بعد الحتمية
ليست أزمة المدرسة في نقص النماذج، بل في فائضها المعياري. ليست المشكلة في العلمية، بل في تحوّلها إلى خطاب يطمس علاقات الهيمنة.
هل يمكن لعلوم التربية أن تستعيد روحها النقدية إذا ظلت تُدار بمنطق الأداء؟
هل يمكن للإصلاح أن يكون فعل تفكير جماعي لا استيرادًا تقنيًا؟
وهل نجرؤ على مساءلة النموذج بدل مساءلة الضحايا؟
الخروج من وهم الحتمية لا يعني الفوضى، بل استعادة السؤال. والتحرر من الكونية الزائفة لا يعني الانغلاق، بل الترجمة النقدية. هناك فقط تبدأ علوم التربية في استعادة معناها كفعل فهم، لا كسلطة معيارية.
المراجع:
1. Pierre Bourdieu (1979). La Distinction.
Michel Foucault (1975). Surveiller et punir.
2. Thomas Kuhn (1962). The Structure of Scientific Revolutions.
3. Paulo Freire (1970). Pedagogy of the Oppressed.
4. Edgar Morin (1990). Introduction à la pensée complexe.
5. Jean-Pierre Astolfi (1997). L’erreur, un outil pour enseigner.
اختراق حدود الجغرافيا الفكرية لعلوم التربية: من وهم الحتمية إلى أفق النسبيّة قراءات نقدية في نقل النماذج وتسييس المعرفة التربوية
2026-02-16
33 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال