تقديم: مشروعية السؤال
لا تُطرح “علوم التربية” اليوم، في الخطاب الجامعي والمؤسساتي، بوصفها حقلًا معرفيًا تعدّديًا مفتوحًا على الجدل والاختلاف، بل تُقدَّم غالبًا كعلمٍ مُنجَز يمتلك أدواته “العلمية” النهائية، ونظرياته المُجرَّبة، وتعريفاته المُحكَمة التي لا تُراجَع إلا على نحو شكلي. بهذا المعنى، تُنزَع عن التعاريف طابعها النسبي والتاريخي، وتُقدَّم كما لو كانت معطيات كونية محايدة، في حين أنّها، في واقع الأمر، صيغٌ مؤدلَجة تشكّلت داخل سياقات اجتماعية وسياسية ومعرفية محدّدة.
لا يهدف هذا النص إلى نفي إمكانية العلمية في علوم التربية، بل إلى تفكيك ادّعاء اكتمالها وتحجّرها داخل صيغ دوغمائية تُعطِّل بعدها النقدي وتحوّلها من أفق إشكالي إلى جهاز معياري جاهز. هذا الانتقال من التعدّد إلى الوحدة، ومن الجدل إلى اليقين، ومن النظرية إلى الوصفة الجاهزة، يكشف انزلاقًا إبستمولوجيًا خطيرًا: تحوّل “علوم التربية” من فضاء نقدي لتفكير المدرسة والمجتمع إلى لاهوت بيداغوجي وظيفته تطبيع السلطة داخل الممارسة التربوية.
من هنا تنبع مشروعية مساءلة هذا “العلم بصيغة الجمع المفرد”: علمٌ يُسمّى جمعًا، لكنه يُمارَس في الواقع كمذهب مهيمن يُقصي الاختلاف ويُدجّن النقد (Durkheim, 1922؛ Bourdieu & Passeron, 1970).
1. من التعدّد المعرفي إلى الوحدة الدوغمائية
نشأت “علوم التربية” تاريخيًا من تقاطع حقول متعددة: علم الاجتماع، علم النفس، الفلسفة، الأنثروبولوجيا، وتاريخ التربية (Charlot, 1995). غير أنّ هذا التعدّد لم يُنتج، في السياق المؤسسي، فضاءً تعدّديًا حقيقيًا، بل جرى احتواؤه داخل براديغم مهيمن يُعيد ترتيب الحقول الفرعية وفق منطق تقني–تطبيقي يخدم حاجات الدولة الحديثة ومتطلبات السوق. هكذا تحوّلت التعدّدية إلى واجهة إبستمولوجية، بينما يُمارَس في العمق توحيد قسري للمعرفة التربوية يجعل من مقاربات بعينها مرجعًا شبه وحيد (Meirieu, 1991).
في هذا السياق، لا يعود الاختلاف مصدر ثراء معرفيًا، بل يُعاد تصنيفه بوصفه “تجاوزًا نظريًا غير عملي”، أو خطابًا “غير قابل للتنزيل”. يتجلّى ذلك في مناهج التكوين التربوي الرسمية، حيث تُختزل التجارب المعاشة للمعلّمين إلى تطبيق تقني لمفاهيم مجردة، دون مساءلة نقدية لشروط إمكان هذه المفاهيم داخل سياقات محلية هشّة ومؤسسات مثقلة بالتناقضات البنيوية.
2. نسبية التعاريف وتقديسها: من المفهوم إلى الدوغما
ما يُقدَّم اليوم بوصفه “تعريفات علمية” لمفاهيم مثل التعلّم، الكفاية، الإدماج،التقييم أو التقويم التكويني، يُنزَع عنه طابعه النسبي والتاريخي، ويُعاد تقديمه كلغة معيارية تُحدّد ما ينبغي أن يكون عليه الفعل التربوي. بهذا المعنى، لا تعود التعاريف أدوات للفهم بقدر ما تتحوّل إلى أدوات للضبط الرمزي.
إنّ التعريف، حين يُفصَل عن سياقه السوسيو-تاريخي، يتحوّل من أداة تحليل إلى عقيدة مفهومية تُفرض على الواقع بدل أن تُستخلص منه. ويتجلّى ذلك في الأدلة البيداغوجية الرسمية التي تُعرِّف مثلًا “التعلّم النشط” بوصفه معيارًا أخلاقيًا للممارسة الجيدة، لا بوصفه مفهومًا إجرائيًا مشروطًا بإمكانات مادية وبنيات صفّية وثقافات مدرسية محددة. هكذا تُستعمل التعاريف كلغة معيارية تُنتج ما يجب أن يكون، لا ما يمكن أن يكون.
هذا التقديس للتعاريف يُنتج مفارقة إبستمولوجية: خطاب يدّعي العلمية والحياد، لكنه يُمارس وظيفة معيارية تُعيد ترتيب الممارسة وفق نموذج مسبق الصنع، منسجم مع منطق النجاعة والقياس والحَوْكمة (Foucault, 1975).
3. الأكسيومات المفروضة: فرضيات تتحوّل إلى حقائق
ما يُتداول كبديهيات بيداغوجية (التمركز حول المتعلّم، التعلّم النشط، المقاربة بالكفايات، التقويم من أجل التعلّم) ليس سوى أكسيومات تاريخية فُرضت عبر سياسات تربوية عابرة للحدود، أنتجتها شبكات خبرة دولية ومراكز تمويل معرفي، في سياق تعميم نماذج الحوكمة التعليمية المرتبطة بمنطق الأداء والقياس (Ball, 2012).
غير أنّ هذه الأكسيومات لا تُناقَش من حيث خلفياتها الإيديولوجية (النفعية، قابلية القياس، منطق السوق)، بل تُدرَّس وتُطبَّق كما لو كانت اكتشافات علمية محايدة. في السياق التونسي، يُترجم ذلك باستيراد مقاربات الكفايات والإدماج والتعلّم النشط دون مراعاة الاكتظاظ، الهشاشة المادية، أو تعقيدات الثقافة المدرسية المحلية.
في هذا الأفق، يتحوّل العلم إلى سلطة معيارية: لا يصف الواقع بل يفرض عليه كيف ينبغي أن يكون، في انسجام مع منطق تدبير الأفراد بوصفهم موارد بشرية قابلة للتقويم والمقارنة. الأكسيومة هنا تُغلق أفق الجدل وتُحوّل السؤال التربوي إلى إجراء تقني، وتُنزِع عن الفعل التعليمي بعده السياسي والاجتماعي (Althusser, 1970).
4. من العلم إلى اللاهوت: تقديس النظريات البيداغوجية
حين تُرفَع النظريات البيداغوجية إلى مرتبة المرجع غير القابل للمساءلة، نكون قد غادرنا مجال العلم ودخلنا مجال اللاهوت البيداغوجي الذي وظيفته تطبيع السلطة داخل الممارسة التربوية:
نصوص تُتلى (الأدلّة الرسمية، الإطارات المرجعية)،
طقوس تُمارَس (التكوينات الشكلية، التقويمات المعيارية)،
هرطقة تُقمع (الممارسات غير المنسجمة مع “المنهاج الرسمي”).
اللاهوت البيداغوجي هنا لا يُنتج خلاصًا تربويًا، بل يُنتج طمأنينة إجرائية زائفة تُسكِت القلق المعرفي وتُريح المؤسسة من عبء السؤال. في هذا الأفق، يُعاد تعريف المعلّم لا بوصفه فاعلًا معرفيًا ناقدًا، بل مُنفّذًا أمينًا لعقيدة بيداغوجية سائدة (Illich, 1971). ويتحوّل الخطاب التربوي إلى خطاب إيماني: الإيمان بالكفايات، الإيمان بالتعلّم النشط، الإيمان بالتقويم من أجل التعلّم، دون مساءلة شروط إمكان هذه المقولات داخل أقسام مكتظّة وسياقات اجتماعية مأزومة (Freire, 1970؛ فرييري، 2000).
5. علمنة الخطاب وتديين الممارسة: مفارقة الحداثة التربوية
تُقدَّم علوم التربية بوصفها علمًا حديثًا عقلانيًا، لكنّها في الممارسة اليومية تُنتج تديينًا مقنّعًا للخطاب البيداغوجي: مفاهيم تُستعمل كتعويذات لغوية (التمركز حول المتعلّم، الإدماج، الإدماجية، الإدماج الشامل) دون مساءلة بنيات السلطة التي تُعيد إنتاج الفشل المدرسي واللامساواة (Bourdieu, 1993).
تكشف هذه المفارقة أنّ علمنة الخطاب لا تعني تحرير الممارسة من السلطة، بل تحويل شكلها: من سلطة رمزية دينية إلى سلطة تقنية معيارية تُمارَس باسم العقل والنجاعة. وهكذا يتوارى السؤال الاجتماعي خلف لغة تقنية تُضفي على الإقصاء شرعية علمية.
6. علوم التربية كأداة ضبط اجتماعي ناعم
في سياق الدولة الحديثة، لا تعمل علوم التربية فقط على تحسين التعلّم، بل تؤدّي وظيفة ضبط اجتماعي ناعم: إنتاج ذوات قابلة للقياس، قابلة للتقويم، قابلة للإدماج في سوق العمل (Althusser, 1970). تُصبح البيداغوجيا جزءًا من جهاز إيديولوجي يُعيد إنتاج علاقات الهيمنة عبر خطاب “الجودة” و“النجاعة” و“المهارات الحياتية”. ويُعاد تفسير الفشل المدرسي بوصفه فشلًا فرديًا في التكيّف مع المعايير، لا نتيجة بنية اجتماعية تُنتج الإقصاء.
بهذا المعنى، تتحوّل علوم التربية إلى لاهوت دنيوي يُبرّر النظام القائم بدل مساءلته.
خاتمة : أسئلة مُستفزّة
إذا كانت علوم التربية قد بدأت وعدًا بالتحرير المعرفي للمدرسة، فكيف انتهت جهازًا لتدجينها؟
وإذا كانت قد ادّعت العلمية، فكيف تحوّلت إلى عقيدة إجرائية تُمارَس دون مساءلة شروط إمكانها؟
هل نحن أمام علمٍ يفكّر في المدرسة… أم أمام مدرسة تُعيد إنتاج علمها الخاص لتبرير ما تفعل؟
أليس اللاهوت البيداغوجي هو الشكل الأكثر حداثةً للهيمنة، لأنه يُقنِع باسم العقل؟
هل المشكلة في الأكسيومات ذاتها… أم في حاجة النظام إلى يقينٍ بيداغوجي يُسكِت السؤال؟
ثم سؤال أخير، أكثر صفعة سياسية:
هل تستطيع علوم التربية أن تعيش بلا قداسة… أم أنّ حاجتها إلى وعد الخلاص هي ما يجعلها مقبولة سياسيًا داخل الدولة الحديثة؟
المراجع:
1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: PUF.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: Minuit.
3. Charlot, B. (1995). Les sciences de l’éducation : un enjeu, un défi. Paris: ESF.
4. Meirieu, P. (1991). Le choix d’éduquer. Paris: ESF.
5. Ball, S. J. (2012). Global Education Inc. London: Routledge.
6. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.
7. Illich, I. (1971). Une société sans école. Paris: Seuil.
8. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés. Paris: Maspero.
9. Althusser, L. (1970). « Idéologie et appareils idéologiques d’tat ». La Pensée.
10. بورديو، بيير (1993). بؤس العالم. ترجمة عربية.
11. فرييري، باولو (2000). تعليم المقهورين. ترجمة عربية.
12. إيفان إيليتش (1994). مجتمع بلا مدارس. ترجمة عربية.
علوم التربية بين ادّعاء العلمية ولاهوت الممارسة: تفكيك الأكسيومات المُقدَّسة قراءة جدلية في “علمٍ بصيغة الجمع المفرد”
2026-02-10
18 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال