بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تجربة اجتياز حاجز الألم

2026-02-09 15 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
نقرأ أحياناً في الكتب ما نعتقد في وقته (سيما عندما كنا شباباً) إنها أفكاراً مثالية، إذ لا يمكن للإنسان أن يحلق إلى هذه المرتبة، وكنت في تلك العهود معجباً أيما إعجاب بالفيلسوف البريطاني كولن ولسن العبقري (1931ـ 2013) الذي ألف كتاباُ هائلاً (اللامنتمي) وهو في الثانية والعشرين فقط ..!قرأت فب إحدى كتبه، وهو منتج نشط جداً وأظن أن أهماله تجاوت الستين كتاب، قرأت جمله : أجتياز حاجز الألم.

حدث ذات مرة أني شاهدت مقاتلاً، وقد أخلي إلى موقع خلفي غير بعيد عن مكان إصابته، كان المقاتل مصاباً بطلق ناري في أعلى ذراعه الأيمن، وكان إخلاؤه إلى مستشفى متقدم سيستغرق وقتاً طويلاً، فأقترح عليه مضمد (موظف صحي) أن يعقم له جرحه، وأن يستخرج الرصاصة ويخيط الجرح.

وافق المقاتل، وكان شاباً بسيطاً على درجة متواضعة من التعليم، ولكن على درجة عالية جداً من الشجاعة، وقوة الاحتمال، أخبره المضمد بأن لا بنج(مخدر) لديه لإجراء هذه العملية، لم يمانع الشاب، وبكلمات بسيطة عبر فيها عن استعداده النفسي لعبور هذه التجربة المخيفة، ولكنه طلب أن يشعلوا له سيكارة.

وبينما كان المضمد يشتغل وبيده مشرط وأداة معدنية ينقب فيها في لحم كتف الشاب ليستخرج الرصاصة التي لم تصب في طريقها عظم الساعد، ينقب بحثاً عن الرصاصة، والشاب هادئ وصامد كصخرة وكالجبال الرواسي، يدخن وكأن الأمر لا يعنيه في شيئ، والعملية تجرى لشخص آخر، المضمد كان خائفاً أكثر منه، والواقفون (ومنهم كاتب الخاطرة) ينظرون بهلع إلى وجه الشاب الذي لم تتغير قسمات وجهه.

الشاب لبساطته لم يكن يستعرض بطولة أو شجاعة مفتعلة، وما يجري أمامنا دور يصعب التمثيل والادعاء فيه ....! الشجاعة والجلد وأحتمال المكاره هو بحر أسود مظلم .. وآخر ما يمكن التمثيل فيه.

خلال ذلك وبعده، كنت مستغرق في التفكير، ما هي أحتياطيات هذا الشاب التي تجعله يحتمل هذا الموقف وكأنه يشرب قدح من الماء البارد ..! هل هو إيمانه العقائدي / السياسي، أم هي طاقة روحية هائلة مختزنة لمثل هذه المواقف، أم أن رجولته أملت عليه أن لا تفتر شفتيه ببنت شفة، وأن لا يطلق آه واحدة ...!

هذه حادثة عشتها وأنا شاب في مطلع العشرينات ولكنها لم تغادر مخيلتي بتفاصيلها الدقيقة، (لاحظ أن القراءة الكثيفة، وتراكم التجارب الغنية تؤدي إلى نتيجة .. قد تكون متعبة ومعذبة، إلا أنك تعلم ما في الفصول قبل أن تأتي الفصول) حتى أني أذكر قسمات الشاب الساكنة، وكنت في تلك الفترة كثير القراءة في الفلسفة الوجودية، والأدب الوجودي، ففكرت ترى هل يمكن للإنسان أن يصل قواه عن بعضها فصلاً تاماً، لدرجة أن بوسعه الأفتراض بأن ما يجري له هو عملية في ساعد رجل آخر، وهو المتفرج. هل بوسع إنسان أن يبلغ هذه الدرجة من التسامي والسيطرة على بدنه وروحه ... !

فيما بعد (في مراحل حياتي اللاحقة) شاهدت وربما غيري أيضاً، رجالاً أفذاذ بلغوا هذه الدرجة، كان فيها الموت على طرف دنياهم وحياتهم يكاد أن يلامس وجوههم، ولكنهم كانوا يبدون هدوءاً وسكينة مذهلة ... قطعاً أن الأمر ليست بطولة فحسب، بل أن هناك قدرة هائلة في السيطرة على الألم. وكنت قد قرأت مرة للفيلسوف لبريطاني الشهير لكولن ولسن، فصل أسماه : " أجتياز حاجز الألم " عبر عنها هذا المقاتل البسيط بدقة مدهشة .وهي عبارة عن سيطرة بدرجة مدهشة على الروح والجسد ، قرأت مرة شيئاً مماثلاً في فلسفة اليوغا (Yoga) الثقافة الآسيوية .

أتعهد لأصدقائي من القراء أن أخبرهم ببعض من هؤلاء الرجال وسيرهم ..... وأنا أدرك أن جيل الشباب يستفاد كثيراً من هذه التجارب
تحياتي .....

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال