بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الدين من مصلحة الخالق أم المخلوق؟

2007-09-18 10841 قراءة مقالات فكر مولاي أحمد صابر- المغرب
1
الدين من مصلحة الخالق أم المخلوق؟
الله هو الغني فوق عباده، فعبادة الناس له لا تزيد في ملكه ‏شيئا ولا تنقص منه شيئا، وهذا يعني أن ثمار العبادة يحصدها ‏الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، ولا معنى لها إن لم تجلب الخير ‏للناس في دنياهم وآخرتهم، وبما أن الإنسان في حاجة ماسة ‏إلى عبادة ربه، وبرحمة من الله به بعث الأنبياء والرسل وأنزل ‏معهم الكتاب ليبينوا للناس معنى الدين الذي يريده الله لعباده، ‏والذي جوهره عبادتهم له. ‏
وبعبادتهم تلك يحسن حالهم في دنياهم وآخرتهم، وبهذا فالدين ‏الذي شرعه الله جاء من اجل الإنسان وليس من أجل الخالق ‏سبحانه، فلا معنى للدين عند الله إن لم يذكر الإنسان ويدفعه ‏لإقامة العدل ورفض الظلم، ولا معنى له إذا سلب من الإنسان ‏حريته وإرادته وقلبه وعقله الذي وهبه الله إياه، ولا معنى له إن ‏تمسك بالجهل بدل العلم، وبالباطل بدل الحق، وبالخرافة بدل ‏العقل، وبالأصنام بدل الأفكار، فالعبادة التي لا تنظر في حقوق ‏الناس بعضهم البعض، الغني منهم والفقير، القوي والضعيف، ‏الظالم والمظلوم، الحاكم والمحكوم، الذكر والأنثى... وتهجر صلة ‏الإنسان بالكون وما فيه، فهي عبادة عرجاء ومشلولة، لا يرضاها ‏الله ولا يريدها لعباده، لأن العبادة باب من العلم، والله لا يعبد عن ‏جهل، ومعرفته لا تتأتى إلا بالنظر في أحوال عباده وخلقه، وقد ‏أخطأ من اععتبرأن العبادة صلة بين العبد وربه فقط . فالعبادة ‏بدرجة أولى، هي صلة بين عباد الله بعضهم البعض وما يحيط ‏بهم. ‏
قال تعالى}:شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ‏بالقسط{ آل عمران. ‏
وقال أيضا: }إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ‏لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ‏ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ‏سبحانك فقنا عذاب النار{ آل عمران . ‏
فما قيمة الصلاة إذن، إن لم تحيي في عباد الله حب الإنفاق ‏والعطف على الفقراء والمحرومين، والحد من الفحشاء والمنكر. ‏وما قيمة الصوم إن لم يحي في الناس قيم المساواة والرحمة، ‏وما قيمة الحج إن لم يذكرنا بأن كل الناس من آدم وآدم من تراب، ‏ونسعى إلى التحاور بدل التصادم. وما قيمة الشهادتين إن لم ‏يحسن بعضنا إلى البعض الآخر. ‏
فهل هذه المناسك التي جاء بها الدين ،هي من أجل مصلحة ‏الخالق أم المخلوق؟ ‏
لا شك أن الدين الذي أنزله الخالق، شرع هذه المناسك وغيرها ‏من أجل مصلحة العباد ومنفعتهم في الدنيا، وكلما حققوا الخير ‏فيما بنهم إلا وآتاهم الله خيرا آخر في الآخرة، إلا أن الكثير من ‏الناس قلبوا هذا الفهم رأسا على عقب، وجعلوا الدين من أجل ‏الله بدل الإنسان، لإغراض ومصالح شخصية وسياسية وغيرها، ‏شعروا بذلك أم لم يشعروا به، وورث جل الناس هذا الفهم ‏المقلوب وشاع بينهم، وبهذا فهم الناس الدين في ثوب آخر بدل ‏الثوب الذي جاء فيه، وتورم فقه كبير وواسع يتدخل في صلاحية ‏الخالق سبحانه التي لا قبل لأحد بها من خلقه . يبحث مثلا، في ‏من تجزؤه صلاته عند الله ومن لا تجزؤه، ومن صيامه مقبول أو ‏باطل وفيمن وضوءه صحيح أو مرفوض، وفيمن اعتقاده بالله اعتقاد ‏صحيح على هدى أو على ضلال . و الغريب أن بعض الناس يمكن ‏أن يصحح صلاة غيره بقلم أحمر، ويفصل فيمن يدخل الجنة أو ‏النار، أو يتحدث باسم الله عن شيء لم يخبر به. أمر لم يكلف به ‏أحد من خلق الله من ملائكته وأنبيائه ورسله، وهذا ما تنبأ له ‏القرآن وحذر منه. قال تعالى}: قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ‏هودا أو نصارى تلك أمنيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين{ ‏البقرة . ‏
وقال أيضا } ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب{ النساء. وبهذا ‏تحول الكثير من هؤلاء إلى متحدثين بالنيابة في الأرض عن الله، ‏ومع طول الزمن تحولت نيابتهم هذه إلى إدارة إلهية في الأرض ‏بين عباد الله، رغم أن الله لم يتخذ لنفسه إدارة أو مركزا ليتحدث ‏من خلالها أحد باسمه، فهو أقرب إلينا من أنفسنا ، وهو معنا ‏أينما كنا وهو اللطيف الخبير. ‏
نيابتهم هذه ضيقت الدين رغم اتساعه أشد تضييق، ولخصته ‏رغم كبره. هكذا فهم الناس الدين أنه منظم للعلاقة بين العبد ‏وربه فقط، إلا أن الدين لم يأتي إلا لينظم العلاقة بين الإنسان ‏وأخيه الإنسان، والإنسان والكون بما فيه، وكلما كان هذا التنظيم ‏محكما كانت عبادة الله وتوحيده أقوى وأسلم، ومن تدبر آيات ‏القران الكريم سيدرك هذا الأمر بشكل واضح . فبالفهم المقلوب ‏للدين استوطنت العبادة في المساجد والمعابد والكنائس، ‏ورحلت من قصور السياسة، ومن كل مرافق الحياة العامة للناس. ‏
النيابة عن الله في الأرض داخل المساجد والمعابد، تدمن على ‏رفع الطلبات والأدعية صباحا ومساء إلى الله وتحث الناس على ‏ذلك. هذا جميل ورائع ، إلا أن الأدعية أمام الإعراض عن الأخذ ‏بالأسباب عمل ناقص. أما أن تذكرهم أن في أموالهم حق معلوم ‏للسائل والمحروم، فهذا أمر مستبعد ونادر، فالبؤس والفقر ‏والحرمان مثلا لا يزولان إلا بإيتاء المال على حبه ذوي القربى ‏واليتامى والمساكين، وهذا من غايات الذين، فالغريب أن الكثير ‏من المحرومين يقصدون المساجد والمعابد، خاصة في يوم ‏الجمعة، اليوم الأسبوعي الذي يأتي فيه الأغنياء وغيرهم ليجددوا ‏عقد الصلح مع ربهم، فبعد انقضاء صلاتهم تلك يحرجهم هؤلاء ‏المحرومون ولسان حالهم يقول، بأن لا معنى لعبادة هؤلاء للخالق ‏إن لم يحسنوا مع عباده . ‏
إن الإنسان لم يهجر الدين في أية لحظة من تاريخه الطويل، إلا ‏أنه يقلبه رأسا على عقب لصالح الكبراء والوجهاء ، وبذلك تصبح ‏غايات الدين مقلوبة، ويصبح الدين في قفص الاتهام، ويغفل كثير ‏من الناس عن حقيقة جهاد الأنبياء والمرسلين، بما فيهم محمد، ‏وهو جهاد لإقامة العبادة والدين وفق سياقه الصحيح رغم الجحود ‏والعصيان، فمشكلة المشركين من قريش وغيرهم مع ‏محمد{ص} ليست مشكلة الدين بدرجة أولى، بقدر ما هي ‏مشكلة مع الدين الحق، الغير المقلوب، الذي جاء من أجل الناس ‏أجمعين، فهم سواء أمام الله في كل الحقوق، السيد منهم ‏والخادم، فخالقهم جعل منهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا وأكرمهم ‏عنده أتقاهم، وأتقاهم هو أرحمهم بخلقه وعباده، و هوا لرسول ‏الرحمة المبعوثة للعالمين، وعلى نهجه وبكرم من القرآن وقف ‏الكثير من المصلحين والأئمة و غيرهم، في وجه الفهم المقلوب ‏للدين، فكم نحن في حاجة من أي وقت مضى إلى فهم الدين ‏الذي جاء به القرآن فهما صحيحا غير مقلوب، وهذا لا يتأتى إلا ‏بالعودة إلى القرآن الكريم حكما بين الناس أجمعين، بتعدد ‏ثقافاتهم واعتقاداتهم. ‏

مولاي أحمد صابر
باحث وكاتب المملكة المغربية‏
‏ ‏Myahmed74@hotmail.com

التعليقات والردود

1
DIFT
2007-09-18
Bon article.
j'ai juste un point à rajouter, c'est que ceux qui obéissent " en l'accéptant de plein coeur" à tout ordre en contradiction avec la parole de Dieu se sont automatiquement convertis à adorer cet émetteur d'ordre en dehors de Dieu. Ceci est appuyé par le fait que notre prophète (asws) a dit ce que je traduit " Maudits sont les nazariens, il ont pris leur prêtres Dieu à la place d'Allah" et les prêtres avaient la place de législateurs et d'émetteurs d'ordres. A vous de comparer ça avec ce qui se passe chez nous de nos jours.

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال