بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اليوم الذي أُطفئت فيه شمس الشرق

2026-02-07 24 قراءة مختلفات عماد عيساوي
اليوم الذي أُطفئت فيه شمس الشرق

الفصل الأول: الفجر المسروق

لم يكن يومًا عاديًا. لم يكن مجرد يوم آخر ينسل من عمر الزمن، بل كان الخط الفاصل، السكين الحادة التي شطرت التاريخ إلى ما قبله وما بعده. في قلب الليل، بين الثانية والثالثة فجرًا، وعلى امتداد آلاف الكيلومترات من الخليج إلى ضفاف النيل، ومن الأناضول إلى الصحاري القاحلة، ارتجفت الأرض بعنف لم تعهده. لم يكن هذا رقصًا مألوفًا للصفائح التكتونية، بل كان صرخة موت انبعثت من جوف الفراغ المطلق. استيقظ الملايين، لا على منبهات الحياة اليومية، بل على رعب زلزال لا مصدر له، زلزال يبدو وكأنه يمزق نسيج الواقع ذاته. صرخات الأطفال اختلطت بذهول الكبار، بينما كانت الأسقف تتشقق والجدران تتهاوى، في لحظات قليلة تحولت سكينة الليل إلى فوضى عارمة.

لم يمضِ وقت طويل حتى تلاشت هزة الأرض لتفسح المجال لمشهد أكثر فظاعة. فمن نوافذ الشقق الفارهة في أبراج دبي الشاهقة، ومن الأكواخ المتواضعة على أطراف القاهرة، ومن بيوت إسطنبول القديمة، كان الناس يحدقون في الأفق. كان هناك، في نقطة ما على الجانب الآخر من الخليج، انفجار أبيض أعمى كاد أن يمزق شبكية العين. لم يكن ضوءًا عاديًا؛ لم يكن فجرًا، ولا شهابًا، بل كان وميضًا كونيًا، تجليًا مرعبًا لقوة دمرت كل منطق وبددت كل أمل.

امتد الضوء، ليس كالشمس، بل كشرارة أطلقت من قلب الجحيم، ثم انكمش ليخلف وراءه كرة نارية برتقالية تتمدد بسرعة هائلة، ترسم في سماء الفجر الكاذب لوحة تجريدية من الدمار. الموجة الصادمة التي تبعتها لم تكن مجرد هواء مضغوط، بل كانت رياحًا حارقة، كفيلة بانتزاع أرواح من يقفون في طريقها. تبعتها موجة ثانية وثالثة، كل واحدة منها تحمل نبأ نهاية عالم.

في تلك اللحظات، لم يكن هناك من يفهم، لكن كل قلب أدرك. هذه ليست حربًا تقليدية، هذه ليست غارة جوية عابرة. هذا هو الحد الفاصل، اللحظة التي قررت فيها قوى ما أن تعيد رسم الخريطة بماء النار والدم. لم يكن هذا استعراضًا للقوة، بل كان إعلانًا لانتصار مشروع لم ترحم أهدافه أي كائن حي.

الفصل الثاني: محو الوجود

في الدائرة الأولى، دائرة الصفر المطلق، حيث ارتكز مركز الانفجار، لم يبقَ شيء. عشرة كيلومترات، مساحة كانت تضم مدنًا ومصانع وقرى، تحولت في جزء من الثانية إلى فراغ. لا أنقاض، لا هياكل متفحمة، لا حتى رماد. مجرد فراغ مشع، حفرة عملاقة تحكي قصة اللاشيء. العمارات الشاهقة التي كانت تتباهى بصلابتها تبخرت. السيارات تحولت إلى غازات. البشر، بكل أحلامهم وصراعاتهم وأفراحهم، ذابوا في الهواء، لم يتركوا خلفهم سوى وميض يتيم في لحظة احتضار جماعي، لكي يصبحوا جزءًا من السحابة الفطرية المخيفة التي ارتفعت لتطال السحاب.

على بعد مائة كيلومتر، كانت الحصيلة مختلفة، لكنها لا تقل وحشية. هنا، لم يتبخر كل شيء، بل انهار كل شيء. المدن تحولت إلى أكوام من الركام الملوث، هياكل عظمية لمبانٍ كانت يومًا ما تعج بالحياة. الأجساد البشرية كانت منتشرة، لا تزال تحمل ملامح الألم والرعب الأخير، لكنها كانت جثثًا متفحمة، مشوهة، بلا حياة. لم تكن هذه جثثًا عادية، بل كانت مشبعة بإشعاع، موتى لن يجرؤ أحد على لمسهم، تذكارات حية للموت غير المرئي.

الأشعة النووية، العدو الصامت، بدأت عملها الدؤوب. تسللت إلى كل خلية، كل جسد، كل نفس. من نجا من الانفجار الأولي والموجة الحارقة، كان يواجه مصيرًا أبطأ وأكثر قسوة. الأمراض الغامضة، التساقط المفاجئ للشعر، النزيف الداخلي، انهيار المناعة. كانت الحياة تذبل وتتلاشى، ليس بحد السيف، بل بفعل جزيئات لا تُرى، تحمل الموت في كل هبة ريح.

لم يعد هناك صوت للحياة في تلك المناطق. لا ضحكة، لا بكاء، لا حديث. فقط صمت ثقيل، يقطعه أحيانًا صوت الريح وهي تصفق الأبواب المخلوعة أو تزيح الركام. لقد مُحيت الحياة، ليس فقط من الوجود المادي، بل من ذاكرة المكان نفسه. عشرات الملايين، هكذا كانت التقديرات الأولية. أرقام باردة لوحشية لا يمكن استيعابها. كل رقم كان حياة، قصة، عائلة، عالمًا كاملاً انهار في لحظة.

الفصل الثالث: الرماد والرياح

لم تكن الكارثة محصورة في منطقة الانفجار. سرعان ما بدأت الرياح تحمل الغبار النووي، ذلك السُم غير المرئي، إلى كل اتجاه. السماء، التي كانت يومًا زرقاء أو مرصعة بالنجوم، تحولت إلى لون رمادي داكن، شاحب، يائس. الغبار الناعم بدأ يتساقط، ليس كالمطر المعتاد الذي يروي الأرض، بل كبريق الموت الذي يفسد كل ما يلمسه.

سقطت "الأمطار السوداء" في مناطق بعيدة، ملوثة الأراضي الزراعية، سامة مصادر المياه العذبة. الأنهار والبحيرات، التي كانت شريان الحياة، تحولت إلى مستودعات للمرض والموت. المواشي بدأت تموت، ثم المحاصيل تذبل. مجاعات لم يشهدها التاريخ الحديث بدأت تلوح في الأفق، كشبح جديد ينضم إلى موكب الموت.

الملايين الآخرون الذين كانوا يعيشون على بعد مئات الكيلومترات، في دول الخليج ومصر وتركيا، شعروا أنهم نجوْا، لكنهم لم يدركوا أنهم دخلوا مرحلة جديدة من الصراع على البقاء. الهواء الذي يتنفسونه أصبح مشبعًا بالمواد المشعة. الماء الذي يشربونه، الطعام الذي يتناولونه، كلها أصبحت مصادر محتملة للموت. الخوف أصبح سيد الموقف، خوف أعمى، لا يعرف عدوًا مرئيًا، لكنه يعلم أنه موجود في كل مكان.

تحولت الحدود إلى خطوط وهمية. لم يعد هناك مكان آمن حقًا. العالم كله أصبح ساحة انتظار، ينتظر فيها سكان الكوكب تداعيات ما فعله حفنة من المهووسين بالسلطة. لم تعد هناك حروب تقليدية يمكن فهمها، أو عدو يمكن الإشارة إليه بوضوح. لقد أصبحت الحياة نفسها هي ساحة المعركة، والبقاء هو الانتصار الوحيد، والهدف الوحيد.

الفصل الرابع: ثمن المشروع والصفقات الخفية

لم يكن أحد يصدق أن هذا يمكن أن يحدث. لكن الأصوات الخافتة، التي كانت تتحدث عن "مشروع القرن" و "إسرائيل الكبرى"، لم تعد مجرد همسات لمجانين نظرية المؤامرة. لقد أصبحت حقيقة، مرعبة، مؤلمة، ومنفذة بمنتهى الوحشية. الهدف الرئيسي، ضرب إيران بالقنبلة النووية، لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان حجر الزاوية في مخطط أكبر، مخطط يهدف إلى تغيير وجه الشرق الأوسط والعالم إلى الأبد.

ترددت شائعات، وسرعان ما تحولت إلى قناعات يائسة، بأن هذه الضربة كانت جزءًا لا يتجزأ من صفقة أكبر، صفقات عقدت في أروقة مظلمة، بين قوى لا تعرف الرحمة. قوى كانت ترى في دمار أمة بأكملها مجرد خطوة ضرورية على طريق تحقيق طموحاتها الأيديولوجية والجيوسياسية. لم تكن هذه حربًا دفاعية، بل كانت عملية إزالة، إزاحة عقبة رئيسية في طريق مشروع طويل الأمد.

ولم يتوقف الأمر عند الضربة. كانت هناك روايات مرعبة، لم يتم تأكيدها علنًا لكنها تداولتها ألسنة اليائسين، عن تصفية أي معارض محتمل لهذه الخطة، حتى لو كان رئيسًا لدولة عظمى. "ترامب نفسه"، هكذا همس الناس، "كان يمكن تصفيته شخصيًا لو رفض تنفيذ الضربة". هذه الجملة وحدها كانت كافية لترسم صورة للوحشية المطلقة لهذه القوى. لا يهم من يجلس على كرسي السلطة، فالقرار قد اتُخذ بالفعل، وسينفذ بوجود هذا الرئيس أو عدمه. السلطة الحقيقية كانت أعمق، وأكثر ظلمة، وأكثر دهاءً.

كان هذا درسًا قاسًا للعالم كله: أن البشرية ليست سيدة مصيرها دائمًا. أن هناك قوى، لا تعترف بالحدود، ولا بالقيم الإنسانية، ولا حتى بالحياة نفسها، مستعدة لدفع الثمن، مهما كان باهظًا، لتحقيق أهدافها. لم يكن هذا مجرد عمل عسكري، بل كان إعلانًا عن حقبة جديدة، حقبة لم تعد فيها الأعراف الدولية أو الأخلاق الإنسانية ذات قيمة تذكر.

الفصل الخامس: عالم ما بعد الارتجاج

في أعقاب الضربة، تبدل كل شيء. لم يبقَ شيء كما كان. الخريطة السياسية للشرق الأوسط تمزقت وأعيد لصقها بدم ورماد. توازنات القوى العالمية اهتزت بعنف. الدول التي كانت تعتبر نفسها آمنة، بدأت تشعر بقرب الخطر، وتخشى أن يكون دورها قادمًا.

الاقتصاد العالمي انهار. أسواق المال تحطمت. سلاسل الإمداد العالمية توقفت. لم تعد هناك قيمة للعملة بقدر ما أصبحت هناك قيمة للمياه النظيفة، والطعام غير الملوث، والمأوى الآمن من الإشعاع. البشرية عادت إلى حالة بدائية، حالة صراع يومي على البقاء، لكن هذه المرة مع شبح الموت غير المرئي الذي يحوم في كل مكان.

المجتمع الدولي، الذي كان يفاخر بمؤسساته ومعاهداته، بدا عاجزًا تمامًا. قرارات الإدانة، والاجتماعات الطارئة، لم تكن سوى محاولات بائسة لإخفاء العجز التام أمام وحشية لم يتمكن أحد من إيقافها. الأمم المتحدة أصبحت اسمًا بلا جسد، رمزًا لزمن مضى كان فيه للمنطق والقانون وزن.

النفوس البشرية هي الأخرى تبدلت. فقدت الثقة. فقد الأمل. لم يعد هناك يقين سوى الموت. القلق أصبح رفيق الجميع، الخوف من الغد، الخوف من الأجيال القادمة التي سترث عالمًا ملوثًا، مسمومًا، عالمًا لا أمل فيه للتعافي. الجيل الذي شهد "اليوم الذي اهتز فيه العالم" سيحمل ندوبًا لا تمحى، ندوبًا ستشكل رؤيته للحياة، وللإنسانية، وللمستقبل.

لم يكن هذا مجلاً لانتصار، بل كان شاهدًا على هزيمة شاملة. هزيمة للإنسانية، للقيم، للأمل. لم يعد هناك مكان للحلم، فقط بقاء أعمى، وحسابات باردة للخسائر. في هذا العالم الجديد، الذي ولد من رحم الانفجار النووي، لم تعد هناك شمس ساطعة، بل ظل رمادي ثقيل يلف كل شيء. وكان السؤال الأخير الذي يتردد في العقول المتبقية: هل كان هذا كله يستحق الثمن؟ إجابة هذا السؤال ستظل صامتة، مدفونة تحت أطنان من الرماد المشع.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال