تمهيد: حين تكتب المؤسسة سيرتها بلا وعي
ليست المدرسة التونسية مجرّد مؤسسة تعليمية محايدة، بل كيان اجتماعي كثيف الرمزية، يكتب – من حيث لا يدري – سيرته الذاتية عبر القوانين، والمناهج، والبرامج، والممارسات الصفّية، وأنماط الضبط، والأجساد المُنهكة، والأحلام المؤجّلة. غير أنّ هذه السيرة لا تأتي في شكل رواية متماسكة أو سردٍ خطّي، بل تتشكّل كأوتوبيوغرافيا مثقوبة، مليئة بالفجوات والتمزّقات والبياضات التي تقول أحيانًا أكثر مما يقوله الكلام نفسه.
غاية هذا المقال ليست وصف مظاهر الأزمة التربوية أو تعداد اختلالاتها الظاهرة، بل تفكيك المدرسة التونسية بوصفها نصًّا اجتماعيًا كتب ذاته عبر التاريخ، ثم تعرّض للتمزيق دون أن يُسمح له بإعادة كتابة نفسه بوعي نقدي. يسعى المقال إلى قراءة هذه الأوتوبيوغرافيا قراءة سوسيولوجية معمّقة، تطرح سؤالًا مركزيًا: ما الذي مُزِّق من سيرة المدرسة؟ ولماذا؟ ومن الفاعل الحقيقي في فعل التمزيق؟
إنه مقال في الذاكرة المؤسسية، والعنف الرمزي، وفقدان المعنى، أكثر مما هو مقال في “الإصلاح” بمعناه التقني الضيّق.
1. الصفحة الأولى الممزَّقة: المدرسة كوعدٍ اجتماعي انكسر
في لحظتها التأسيسية عقب الاستقلال، كتبت المدرسة التونسية أولى صفحات سيرتها باعتبارها وعدًا جماعيًا بالترقية الاجتماعية، وأداة لإعادة تشكيل البنية الطبقية، ورهانًا للدولة الوطنية على إنتاج مواطن مندمج في مشروع الحداثة. كانت المدرسة آنذاك قناة عبور من الهامش الاجتماعي إلى المركز الرمزي، ومن الفقر الموروث إلى الاعتراف الاجتماعي، وهو ما منحها شرعية أخلاقية قوية داخل المخيال الجماعي.
غير أنّ هذه الصفحة تمزّقت تدريجيًا حين انهار التعاقد الضمني بين الدولة والمجتمع. أصبح التعليم لا يفضي بالضرورة إلى الشغل، والشهادة لا تضمن موقعًا اجتماعيًا، والاجتهاد لا يُقابَل بالاعتراف. تمّ تمزيق الوعد دون تمزيق الخطاب؛ إذ واصلت الدولة التحدّث بلغة الصعود الاجتماعي، بينما يعيش المتعلّم واقع الانسداد. هنا يتجلّى العنف الرمزي في أقسى صوره: الإبقاء على خطاب الوعد بعد انتفاء شروط تحقّقه، وهو ما حوّل المدرسة من أداة أمل إلى جهاز لإدارة الإحباط وإعادة إنتاج الهشاشة (Bourdieu & Passeron).
2. الصفحة الثانية الممزَّقة: المعلّم كفاعل رمزي أُقصي من السرد
في الأوتوبيوغرافيا الأولى للمدرسة، كان المعلّم شخصية مركزية في المتن: حاملًا للمعرفة، ومؤطّرًا للقيم، وفاعلًا أخلاقيًا يتمتّع بشرعية اجتماعية واضحة. لم تكن سلطته قائمة على القهر، بل على الاعتراف، وعلى موقعه كوسيط بين الدولة والمجتمع.
اليوم، أُخرج المعلّم من متن السرد التربوي ووُضع في الهامش. تمّ ذلك عبر نزع سلطته الرمزية دون بناء بديل مهني واضح، وتحميله مسؤولية فشل سياسات لم يُشارك في صياغتها، وتحويله إلى منفّذ تقني لمقرّرات جاهزة وتعليمات بيروقراطية. هكذا أصبح المعلّم
حاضرًا جسديًا داخل القسم، غائبًا معنويًا داخل المؤسسة، يعيش
مفارقة قاسية: يُطالَب بالنجاح في شروط تُنتج الفشل بنيويًا.
كما يتعرّض اليوم المعلّم لاعتداءات متكررة داخل المدرسة، ولتهم كيدية من بعض أولياء الأمور، وهو ما يزيد من إحساسه بالعزلة والانكفاء ويقوّض سلطته الرمزية ويستنزف طاقته النفسية والمهنية.
إنّ هذا الإقصاء الرمزي لا يدمّر المعلّم فحسب، بل يضرب في العمق جوهر العلاقة التربوية نفسها (Hargreaves).
3. الصفحة الثالثة الممزَّقة: التلميذ من “مشروع مواطن” إلى “مشكلة”
في السرد التأسيسي، كان التلميذ يُنظر إليه بوصفه مشروع مواطن قيد التشكّل، تُستثمر فيه الدولة والمجتمع، ويُنظر إلى انضباطه وتعلّمه باعتبارهما مسألة تربوية وثقافية. أمّا في السيرة الراهنة، فقد تغيّر موقعه جذريًا: لم يعد ذاتًا تُفهم، بل موضوعًا يُدار.
أصبح التلميذ رقمًا في الإحصاءات، وجسدًا ينبغي ضبطه، وخطرًا محتملًا داخل القسم. تمّ تمزيق صفحة التلميذ-الذات واستبدالها بصفحة التلميذ-المشكلة. لم تعد المدرسة تسأل عن عالمه الاجتماعي أو أسئلته الوجودية، بل عن كيفية السيطرة عليه وتأمين الفضاء المدرسي منه. هكذا انتقلت المدرسة من منطق التربية إلى منطق الضبط، ومن الفهم إلى الإدارة، حيث يُختزل العنف المدرسي في سلوك فردي، بينما تُخفى أسبابه البنيوية والاجتماعية (Foucault).
4. الصفحة الرابعة المتآكلة: معرفة بلا معنى اجتماعي
في أوتوبيوغرافيا المدرسة المعاصرة، فقدت المعرفة معناها التحرّري. لم تعد أداة لفهم العالم أو تغييره، بل تحوّلت إلى محتوى مكدّس داخل مقرّرات متخمة، مفصول عن الواقع الاجتماعي للتلميذ، وعن أسئلته اليومية. أصبحت المعرفة تُقدَّم بوصفها شيئًا يُستهلك ويُختبر، لا تجربة تُعاش.
لم تُمزَّق هذه الصفحة دفعة واحدة، بل تآكلت حين انفصلت المعرفة عن السؤال، وعن النقد، وعن الحياة. ساد منطق الحفظ بدل الفهم، والتكرار بدل التفكير، فصارت المدرسة تتحدّث عن التفكير النقدي دون أن تسمح بممارسته فعليًا. بذلك تحوّلت المعرفة إلى أداة ضبط ناعمة، لا إلى أفق تحرّر (Freire).
5. الصفحة الخامسة الممزَّقة: القسم من فضاء أمان إلى مسرح توتّر
كان القسم في السيرة الأولى فضاء أمان رمزي: أمان المعرفة، وأمان العلاقة التربوية، وأمان المستقبل. كان المعلّم يدخل القسم بوصفه صاحب سلطة معنوية، وكان التلميذ يشعر بأنّه داخل فضاء محمي بقواعد واضحة.
اليوم، تحوّل القسم إلى فضاء هشّ، يسوده التوتّر والخوف المتبادل والتفاوض اليومي على الاستمرار. تمّ تمزيق صفحة الأمان دون كتابة بديل. لا أمان بيداغوجي، ولا أفق تربوي، بل إدارة يومية للهشاشة. أُجبر المعلّم على لعب دور “المؤمِّن” بدل المربّي، وأُجبر التلميذ على الامتثال بدل التعلّم، فانهارت الشروط الرمزية للفعل التربوي، وتكثّف فيها التوتر الناتج عن الاعتداءات المتكررة على المعلمين، والتهم الكيدية، ما يضاعف الأعباء النفسية والمهنية ويحوّل القسم إلى فضاء توتّر مستمر.
6. الصفحة التي لم تُكتب أصلًا: المسكوت عنه في السرد المدرسي
الأخطر من الصفحات الممزّقة هو تلك التي لم يُسمح لها بالوجود أصلًا. صفحة فشل السياسات العمومية، وغياب الرؤية التربوية الشاملة، والتناقض بين خطاب الإصلاح وواقع المدرسة، والعنف الرمزي الممارس باسم التحديث. هذه الصفحة غائبة عن النصوص الرسمية، لكنها مكتوبة بوضوح في الأجساد المنهكة، وفي الرغبة الواسعة في التقاعد المبكّر، وفي الانسحاب النفسي داخل الأقسام.
إنّ تغييب هذه الصفحة ليس صدفة، بل اختيار سياسي رمزي، يهدف إلى حماية الخطاب لا الواقع، والصورة لا المعنى.
خاتمة: هل يمكن ترميم أوتوبيوغرافيا المدرسة؟
المدرسة التونسية لا تحتاج إلى إعادة تجميل سيرتها، بل إلى الاعتراف بتمزّقاتها. فالأوتوبيوغرافيا الصادقة لا تُكتب بالإنكار، بل بالمواجهة، ولا تُرمَّم بالشعارات، بل بإعادة طرح السؤال الجذري: أيّ مدرسة نريد؟ ولمن؟ وبأيّ معنى اجتماعي ومعرفي؟
إلى أن يُطرح هذا السؤال بجرأة سياسية وثقافية، ستظل المدرسة التونسية تكتب سيرتها بقلمٍ مكسور، وعلى أوراقٍ ناقصة، في كتابٍ لم يعد أحد متأكدًا من جدوى قراءته.
المراجع:
1. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: Minuit.
2. Dubet, F. (2004). L’école des chances. Paris: Seuil.
3. Freire, P. (1970). Pedagogy of the
Oppressed. New York: Continuum.
4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.
5. Hargreaves, A. (1998). The emotional practice of teaching. Teaching and Teacher Education.
6. الشرفي، محمد (2001). الإسلام والحداثة. تونس: دار الجنوب.
7. المسدي، عبد السلام (2010). الهوية واللغة في تونس. تونس: دار محمد علي.
8. بن سلامة، فتحي (2012). الإنسان المهدور. بيروت: دار الطليعة.
9. تقارير وزارة التربية التونسية حول الإصلاح التربوي.
أوتوبيوغرافيا المدرسة التونسيةأيّ صفحات ممزَّقة؟قراءات ممتدّة في سيرة مؤسسة بلا وعي ذاتي
2026-02-06
41 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال