بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حوار | أ.أحمد الساحلي: العمل المدني مسؤولية… والوجاهة تكليف قبل أن تكون مكانة.

2026-02-01 862 قراءة مختلفات محمد علي العقربي
1
المقدمة:
في زمن تراجع الثقة وتداخل الأدوار بين المدني والسياسي، يبرز اسم أحمد الساحلي كأحد الوجوه التي اختارت العمل بهدوء بعيدًا عن الأضواء. مربٍ قبل كل شيء، وفاعل مدني يرى في خدمة الناس واجبًا لا شعارًا، وفي الوجاهة الاجتماعية تكليفًا لا امتيازًا. من قلب مدينة الحامة، يتقاطع المسار التربوي مع الالتزام المدني في تجربة تؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المدرسة، ويتعزز بمجتمع مدني واعٍ، منظم، وشريك فعلي في البناء لا في الضجيج. في هذا الحوار، يقدّم أحمد الساحلي رؤية نقدية وهادئة لواقع المجتمع المدني، ويطرح ملامح سياسة محلية قوامها التنظيم، الشفافية، والعمل الجماعي.
بداية، من هو أحمد الساحلي؟ وكيف يعرّف نفسه: كمربٍ، ناشط مدني، أم فاعل اجتماعي شامل؟
لا أحبّ كثيرًا التعريف بنفسي، وأترك ذلك لأهالي مدينة الحامة وكل من يعرف أحمد الساحلي. ما أستطيع قوله هو أنني أنتمي إلى هذه المدينة وأتشرف بالصفات التي ذُكرت: مربٍ، وناشط مدني، وفاعل اجتماعي. ما يجمع بينها هو الإيمان بخدمة الناس. وكما أردد دائمًا: «اللهم اجعلنا ممن بعثتهم لقضاء حوائج الناس»، فهذا هو الدافع الحقيقي لانخراطي فيما أقوم به.
ما الذي دفعك منذ البداية للانخراط في العمل المدني بالحامة؟
نحن مدينون لمدينة الحامة. العمل من أجلها وفيها شرف لا نقاش فيه. هذا الانخراط لم يكن ترفًا ولا صدفة، بل واجبًا يفرضه الانتماء الصادق، وخيارًا واعيًا أراه واجب كل وطني غيور على مدينته وبلاده.
هل كان هذا التوجّه خيارًا واعيًا أم نتيجة تفاعل طبيعي مع محيطك الاجتماعي؟
هو خيار واعٍ بالأساس، تعزّز طبيعيًا بالتفاعل مع المحيط الاجتماعي. عندما تكون قريبًا من الناس، ترى حاجاتهم، وتدرك أن الحياد السلبي لم يعد خيارًا.
أنت بالأساس مربٍ وصاحب مؤسسة تعليمية، كيف أثّرت التربية في وعيك بدورك الاجتماعي؟
العمل الاجتماعي في عمقه امتداد طبيعي لشخصية المربّي. من يعي معنى أن يكون مربّيًا، لا يمكنه أن يكون منعزلًا عن قضايا مجتمعه. التربية ليست مهنة فقط، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
هل ترى أن المدرسة اليوم مطالبة بلعب دور يتجاوز التعليم الأكاديمي؟
بكل تأكيد. المدرسة مطالبة اليوم بلعب دور اجتماعي أساسي يتجاوز التعليم الأكاديمي الروتيني، نحو بناء المواطن، وترسيخ قيم المواطنة، والتطوّع، والمسؤولية.
كيف توفّق بين العمل التربوي والانخراط المكثّف في الأنشطة المدنية؟
هذا التوفيق لا يأتي صدفة، بل عبر خيارات واضحة ونَفَس طويل. وضوح الرسالة أهم من كثرة النشاط. عندما تكون الأنشطة المدنية امتدادًا للقيم التربوية، لا تتحول إلى عبء بل إلى دعم للدور التربوي.
أعتمد تنظيمًا صارمًا للوقت، مع أولوية ثابتة للعمل التربوي، وتحديد أوقات واضحة للنشاط المدني. ورغم أنني لا أجيد أحيانًا قول “لا” لبعض الدعوات، فإنني مؤمن بالتكامل لا التنافس، وبالعمل الجماعي بدل الفردي، مع الحفاظ على الحياد التربوي كخط أحمر داخل المؤسسة التعليمية، وهو ما يعزز المصداقية والاحترام.
حضورك في الجمعيات الرياضية والخيرية والمؤسسات الاجتماعية لافت، ما الذي يجمع بين هذه المجالات المختلفة؟
الذي يجمع بينها هو الإنسان. قد تختلف الأشكال، لكن الجوهر واحد: خدمة الإنسان من جميع الزوايا، لأنه وحدة متكاملة لا تتجزأ.
أيّ نشاط تشعر أنه الأقرب إلى قلبك؟
كل نشاط يقدّم نفعًا حقيقيًا للناس ويخدم الصالح العام هو الأقرب إلى قلبي، دون استثناء.
كيف تقيّم واقع المجتمع المدني بالحامة اليوم؟
التقييم يجب أن يكون واقعيًا، يراعي الإيجابيات والقيود معًا، في سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي معقّد. هناك جمعيات تقدّم عملًا جميلًا ومشرفًا، لكن في المقابل تعاني الجمعيات الناشطة فعليًا من نقص فادح في الموارد المالية، وهو واقع لا يمكن إنكاره.
حضورك الدائم خلق نوعًا من الوجاهة الاجتماعية، كيف تنظر إلى هذا المفهوم؟
الوجاهة الاجتماعية هي مكانة تُكتسب بالاحترام، وبالخدمة، وبالعلاقات الإنسانية السليمة. لكنها في نظري مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. هي تكليف أخلاقي بأن تبقى هذه المكانة في خدمة الناس لا فوقهم.
في رأيك، ما الدور الحقيقي للمجتمع المدني في دعم الدولة؟
المجتمع المدني، في مفهومه السليم، هو عمق أي دولة ديمقراطية. هو شريك في معالجة القضايا الكبرى، لا خصمًا ولا بديلًا عن الدولة، بل قوة اقتراح ومرافقة.
ما أبرز الصعوبات التي تواجه العمل المدني؟
إلى جانب نقص الموارد، هناك هيمنة منطق العمل الظرفي وردّات الفعل. الانتقال إلى عمل منظم وطويل المدى يتطلب تغييرًا في العقليات والمنهج أكثر من الإمكانيات.
ما طموحاتك المستقبلية على المستوى المدني والتربوي؟
أؤمن إيمانًا مطلقًا بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من التربية، ويترسخ عبر مجتمع مدني واعٍ ومنظم. طموحي أن أكون جزءًا من هذا المسار، لا بالشعارات، بل بالعمل المتراكم، الهادئ، والمسؤول.
ما الرسالة التي توجهها لشباب الحامة بخصوص العمل المدني؟
العمل المدني ليس موضة ولا طريقًا سهلًا للظهور. هو مسؤولية واختيار واعٍ. التغيير لا يأتي بالانتظار ولا بالكلام، بل بالعمل المتواصل حتى في أصعب الظروف.
لا تستهينوا بقدراتكم ولا بأفكاركم. المبادرات الصغيرة، إذا كانت صادقة ومنظمة، تصنع الفارق. ابتعدوا عن الارتجال والصراعات الفارغة، واقتربوا من العمل الجماعي، والتكوين، والتخطيط، والصبر.
الحامة تستحق شبابًا يؤمن بها، يخدم لها، ويختلف من أجلها لا عليها. فالمستقبل يصنعه من يعمل في صمت، لا من يكثر الكلام.
لو أُتيحت لك فرصة صياغة سياسة محلية للمجتمع المدني، ما أول قرار تتخذه؟
أولًا: إقرار ميثاق محلي للعمل المدني يضبط مبادئ الاستقلالية، الشفافية، التطوع الحقيقي، ورفض التوظيف السياسي الضيق، حمايةً للجمعيات الجادة.
ثانيًا: إنشاء مجلس تنسيقي محلي منتخب من الجمعيات الناشطة، استشاري لا وصائي، لتنسيق الجهود وتحويل المجتمع المدني إلى قوة اقتراح جماعية.
ثالثًا: اعتماد التمويل المشروط بالنتائج لا بالعلاقات.
رابعًا: إطلاق برنامج تكوين إلزامي لقيادات الجمعيات في الحوكمة والتصرف المالي وإدارة المشاريع وأخلاقيات العمل المدني.
خامسًا: ربط المجتمع المدني بالمؤسسات التربوية لغرس ثقافة المواطنة منذ الصغر.
سادسًا: إنشاء منصة محلية للشفافية والتقييم، لأن الثقة تُبنى بالوضوح.
وأخيرًا: تشجيع المشاريع المشتركة بدل الفردية، لترسيخ ثقافة التكامل لا التنافس.

في الختام، أؤمن بأن خدمة الناس ليست سعيًا إلى الظهور ولا بحثًا عن امتياز، بل أمانة ومسؤولية. من أراد أن يخدم مدينته بصدق، عليه أن يعمل في هدوء، بصبر واستمرارية، وأن يقدّم الفعل على الخطاب. فالحامة تستحق عملًا جادًا ومتواصلًا، لا شعارات عابرة، والأثر الحقيقي يصنعه من يراكم الجهد ولو بخطوات بطيئة.

التعليقات والردود

1
عماد الساحلي
2026-02-01
بين حرفية المحاور(بكسر الوا)و صدق المحاور(بفتح الواو)
حوار شيق يؤكد ان هذه المدينة. ولادة وبشبابها يمكن آت تكون أفضل وتتغير الصورة الروتينية عن العمل التطوعي والنشاط المدني

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال