المشروع الإسلامي مشروع ربّاني المصدر، إنساني الغاية، ينطلق من الوحي ليصون كرامة الإنسان، ويوازن بين الروح والمادة، وبين الحق والعدل، فلا يُقصي الإنسان باسم الدين ولا يُفرّغ الدين باسم الإنسان، إنه هو مشروع هداية وبناء، لا إقصاء فيه ولا هيمنة، غايته العمران وإحياء القيم في واقع البشر وهداية الناس إلى الجنة، لكننا نلاحظ ضمور الجانب الإنساني في أدبياتنا وبالتالي في حياتنا في هذه الأزمنة المتأخرة إلى درجة اختلال المعادلة بين الرباني والإنساني، وأريد ان أبدأ بمثالين من القرآن الكريم يوضحان المسألة، الأول هو نموذج يوسف عليه السلام، فهو في السجن يمارس الدعوة الفردية فيبرز البُعد الرباني لأن ذلك هو ما كان متاحا له، لكن عندما وصل إلى السلطة تحرك في مساحة البُعد الإنساني فوضع خطة اقتصادية علمية محكمة حلّ بها مشكلات معيشية لمجتمع غير مسلم في بلد اتخذه عبدا رقيقا وهو الكريم بن الكريم، وسجنه وهو بريء!!! ولم يرد نص يفيد أنه فعل ذلك وقرنه بدعوة المصريين إلى الإسلام لأن عمله الإنساني هذا هو ما يقتضيه الدين...أما المثال الثاني فهو ما أورده الإمام القرطبي في تفسير الآية "ليس عليك هداهم لكن الله يهدي من يشاء" – سورة البقرة 272، وهي آية تتوسط آيات الإنفاق، فذكر في سبب نزولها أن بعض الصحابة منعوا غير المسلمين من الإنفاق حتى يسْلموا فأنكر الله عليهم ذلك، وعلق القرطبي قائلا: "الهداية ليست شرطا للإحسان"...في المثاليْن تتجلى الإنسانية في أبهى صورها، وهذا ليس موقفا عاطفيا بل هو أولا من صميم الإسلام، ثم هو سبيل لتكثير الأصدقاء بدل الأعداء، ولا بد من الإشارة إلى أن قول الله تعالى "لكم دينكم ولي دين" – سورة الكافرون - 6 يشير إلى المفاصلة العقدية، وهذه المفاصلة لا يترتب عليها الانفصال العضوي أو العداء والقطيعة، فرابطة المواطنة والجوار والإنسانية معتبرة كرابطة العقيدة، ومن ليس أخا لنا في الدين فهو أخ لنا في الآدمية، و- حسب الواقع الموجود هنا وهناك – في القومية والوطن، ولهذا نجد في أصول الفقه ما سموه "شرع من قبلنا" وقالوا إنه "شرع لنا ما لم يخالف شرعنا" واستنبطوا هذا من ورود قصص الأنبياء السابقين في القرآن، إذ لا معنى لهذا القصص إذا لم يكن لنا نصيب في هدي الأنبياء السابقين، وهنا تبرز مشكلة تقوقع المسلمين على أنفسهم في زمن التحديات الوجودية وضمور الجانب الإنساني في حياتهم استنادا إلى قراءة غير مقاصدية للقرآن وخاصة للسنة النبوية، ذلك أن المطلوب ليس الاقتداء الحرفي بالرسول صلى الله عليه وسلم بل الاقتداء المنهجي أي حسن تنزيل النصوص على الواقع، وهذا لا يكون إلا بالسؤال عن التصرف النبوي لماذا كان هنا بهذا الشكل بينما كان هناك بشكل آخر؟ لماذا تصرف برفق هنا وبشدة هناك؟ وهذا ما أبدع فيه الإمام القرافي في كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام" حيث بيّن أنواع التصرفات النبوية من مبلغ عن الله إلى قائد وقاض وإنسان عادي، وهذا الإنسان العادي قدوة لنا في الجانب الإنساني من المشروع الإسلامي، كما هو قدوتنا في العبادة والأخلاق والشرائع، فبموجب صلح الحديبية – الذي لم تكن بنوده وحيا من السماء بل اجتهادا نبويا كريما – قبل رسول الله ببقاء الأصنام في الكعبة عشر سنوات، فهنا تحرك عليه الصلاة والسلام في دائرة العلاقات السياسية لا في دائرة الولاء والبراء، فوجب علينا التمييز بين المدخل العقدي والمدخل الواقعي، ولا شك أن الجانب الإنساني تنتظمه الدائرة الواقعية، وهي دائرة واسعة، معتبرة شرعا، تمتد من حسن الجوار والزمالة إلى التهنئة في المناسبات مرورا بالإحسان بشتى أشكاله، ولا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى تأثير كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم عبر القرون في مسألة العلاقة بغير المسلمين، وقد اتسمت كتاباتهما بكثير من الحدة بلغت حد العدوانية، وإنما يعود ذلك إلى الواقع الذي عاشا في ظلاله حيث رأيا المسيحيين وأقليات أخرى في الشام تحالفت مع الصليبيين القادمين من الغرب ضد مواطنيهم المسلمين، فجاءت قراءتهما للقرآن والسنة في هذا الأمر حادة متشنجة، وهذا أمر يحدث لجميع العلماء المصلحين والدعاة العاملين، لهذا ما زلنا نرى من يحرم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم تحريما قاطعا قد يبلغ الخدش في العقيدة، ويغفل عن البر بغير المسالمين الذين قد يكونون جيرانا وزملاء في الدراسة والعمل ومواطنين عاديين، بل هناك غفلة كبيرة عن أمر شرعي مجمع عليه هو جواز نكاح النصرانية، وهذا يقتضي عدم الاعتراض على أدائها لطقوسها الدينية، ونصب صورة المسيح، والتضرع بين يديه، وتعليق الصليب ونحو ذلك، كل هذا في إطار "لكم دينكم ولي دين"...مع ضرورة التنبيه إلى وجوب التفريق بين غير المسلم وبين المرتد عن الإسلام الذي لا نتساهل مع ردته.
عبد العزيز كحيل
الجانب الإنساني في المشروع الإسلامي
2026-01-27
283 قراءة
مقالات فكر
عبد العزيز كحيل
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال