بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هل أنّ كرة القدم مجرّد ”لعبـــــــــــــــــة” ؟!!

2026-01-19 202 قراءة مقالات رأي صابر النفزاوي
للإجـابة عن هذا السؤال يجب التمييـز بين ما يجب أن يكون وما هو كائن،، بين المنطق وبين الواقع،، بين واقع الأمـر والأمـر الواقع !..

يُفترَض بكرة القدم أنّهـا مجرّد ”لعبـة” غير أنّهـا فعليًّـا ليست كذلك، هي اليوم محرّك اقتصادي ومؤثِّر سياسي بل و”بؤرة ثقافيّه جديدة” تصنع القيمـة وتهَب المعنـى،، فالمـاركسيّـة الّتي اعترضـت على تقنيـن هذه الرياضة بـصِفتهـا «حيلة إمبريــاليّــــــة» استخدمَهـا الإنقليـز لتخديـر ”الـوعي الـطّبقـي“ لدى الكـادحيـن لم تمنع السوفييت من السماح بممارستها انصيـاعًـا لحقيقة أنّ لهذا الجلد المدوَّر البائس دورًا لا يُنكَـر في التّحشيـد السّـيـاسـي والتّعبئـة الشعبيّـة، كما يمكنها خدمة صورة الشيوعـي المثـالي الذي يجمع بين الانضباط وروح التضامن واللياقة البدنيّـة !..

حتى في بدايات ظهورها لعبةً مقنَّـنة في القرن التاسع عشر؛ لم تبدأ كرة القدم مجرّد ”لعبة”، لقد كان يُنظَـر إليهـا بصفتها وسيلة لتطوير الأخلاق المسيحيّـة من خلال تنمية روح المجموعة القوية، بل وكانت هذه الرياضة أداة السلطة لمقـاومة التسرّب المدرسي عبر جعل اللعبة نشاطًا مدرسيًّـا جاذبًـا للأطفال ..

كما كان لظهور كرة القدم في مصــر دور فاعل في دعم الشعور القومي المقاوِم للاحتلال وكان ”الأهلي” مثلما تشير إليه التسمية أوّل نادٍ يضمّ مصرييـن، كذلك الهند حين ساهم انتصار كروي للهنود على فريق الجيش البريطاني في دفع البرلمان الهندي إلى المطالبة بالاستقلال،، ولفهم مفـارقة إدخال الإنليز للعبة كرة القدم لمستعمراتها وتحوُّل هذه اللعبة إلى سلاح بيد المقاومة نُحيـل على كتاب ”كريستوفر فيرارو” «الإمبرياليّـة والهُويّـة الثقـافيّـة وكرة القدم .. كيف أنشأت الإمبراطوريّـة الريـاضة الوطنيّـة المصريّـة ؟!» وعلى ورقة محمد عفيفي المعنونة بـ «كرة القدم .. هل تؤثِّـر في السيـاسة والوطنيّـة» !!!..

ولو عدنا إلى الربع الأوّل من القرن الماضي نجد أنّ الثوّار #في_الــجزائـر استخدموا كرة القدم ليستغلّ الشباب المنافسات الرياضية لرفع راية الاستقلال، وتمّ تشكيل ”منتخب وطني” في ظلّ غرق البلاد بالفرق الفرنسيّة لتبدأ حرب التحرير من الملاعب ..

و في البرازيـــل ظهَـر في قلب الدكتاتورية العسكرية في الثمانينيّـات فريق ”كورينثاينز” بتوجّهه الشعبي الديمقراطي في الإدارة والتسيير ليساهم بذلك في نشـر ثقافة التشاور والتداول والتصويت أو ما يسمّيه البعض نشر ”ثقافة الديمقراطيّة” !..

ولعلّه من المفيد هنـا العودة إلى روايـة «كرة القدم بين الشمس والظلّ» لـإيدواردو غـاليانو ..

حتّى ظاهرة تصـاعد العنف داخل الـملاعب فإنّها كثيرًا ما تمثّل تعبيـرًا سوسيولوجيًّـا عن سخط شعبـي على السلطة، فهي بهذا المعنى حالة من التّصعيد أو الإعلاء النفسي الجماعي {Sublimation} ،، وقد يكون عنف الملاعب مقدِّمـة لاختمـار ”وضعيّـة ثوريّـة”،، ونحيل هنا على مشـاهد ”الاحتقان الكروي” غير المسبوق قُبيل انقداح شرارة ¹ ديسمبر²¹ في تونس !..

تكمن خطورة جمـاهيـر كرة القدم ممّن يرتـادون المُدرّجات بانتظام في أنّهُم يتحرّكــون في أفق احتجـاجـي ”ميتا/إيديولوجــــي” جـامع محلِّق فوق التلوينات الإيديولوجية والتقسيمات الحزبيّـة والفكرية مـا يجعلـهم خـارج التغطية السلطويّـة العموديّـة الكلاسيكيّـة،، وبالتّـالي أقرب إلى إنضـاج خميرة الثّورة وإن بطريقة غير مبـاشرة،، خصوصًـا مع توفّر ذلك العامل السيكولوجي المهمّ المتعلّـق بالحشود حيث تصبح المواجهة بينهم وبين الحكم أو البوليس مواجهة نموذجيّـة تستثير نوازع المواجهة مع ”السلطة السياسيّـة” !..

فحتّى تلعبَ الرّيـاضـة دورَهـا ”التّـاريخي” في الإلهـاء والتعميَـة بكفـاءة يجب أن يكون هنـاك حدّ أدنـى من العيش الكريـم بمستويـاته المعيشيّـة المـاسلوويّـة الثلاثة :
الغذاء والأمان والتقديـر !..

غياب هذا الحدّ الحيوي الأدنى -كما هي حالنا هنا والن- يُحوِّل التجمّعـات الرياضيّـة إلى ”بؤر توتّــر” تعبّـر عن المزاج الشعبي العـام وتعكـس ما يعتمل في النفوس من مشاعر السخط والرفض بمـا قد يمهّد لتفجيـر الشّـارع والمسـاهمة في تشكيـل ”وعي ثوري” عَصيّ عن الضبط والسّيطرة !..

من المهمّ أن نشيـر كذلك إلى أنّ الأمم نفسهـا - كما يقول ”بنديكت أندرسون” وكما استقـرّ في الكتـابات السوسيولوجيـة- تُبنـى كـ ”مجتمعــات متخيّلة” أي أنّها تتأسّس على أنظمة رمزيّـة تعزّز الانتمـاء؛ وكرة القدم هي أحد هذه الأنظمـة الحديثـة التي تُعيد تشكيل الهويّـات الجماعيّـة، إذ تصبح الفرق الرياضيّـة امتدادًا لمجتمعـات متخيّلة جديدة أشبَه بالقبيـلة أو الطائفـة وغيرهما من التكوينـات الأوليّـة أو الفرعيّـة،، وبالتّـالي، فإن تشجيـع فريق هو أكثر وأكبر من مجرد فعل ترفيهـي ،إنّه موقف هويـاتي قد يكون امتدادًا لوطنيّـة أو انتمـاء طبقي أو حتى تصوّر جمـالي للحيـاة، هذا وقد وُجد مفكّرون كبـار عُرفـوا بتشجيـع أنديـة معيّنـة دونما حرج، على غرار سـارتر/پاريس سان جرمان أو كريتشلي/ليفرپول ما يعنـي أنّ مجرد تشجيـعك لنادٍ ريـاضي معيَّـن لا يضرب الهيبـة إلا إذا اقتـرن هذا التشجيـع بسلوكيـات هـابطة منـاقضة لمكـانة الشخص الثقـافيّـة أو الاجتمـاعيّـة، وبمعجم پيير بورديـو يمكننا القول إنّ المشجّـع لا يفقد احترامـه إلاّ إذا تعـارض هذا الانتماء مع متطلبات ”رأس المـال الرمزي” الذي يحمله في ”مجال اجتماعي” آخـر !..

قصــارى القول ..

إن كان الإغراق في الاهتمـام بكرة القــدم هو من قبيـل التّسَطُّـح والتسطيـح فإنّ تتفيهَـهـا بالكليّـة هو تسطيــــــح مقـابِـل؛ أعتقد أنّ هناك مفـارقـةً/هوّةً منطقيّـة واسعـة Paradox بين حديثنـا عن سطوة هذه الرّيـاضة وإقرارنـا بأبعادها ”الميتارياضيّـة” ودورهـا التخديـري المتعـاظِم من جهة، ودعوتنـا في المقـابل إلى تجـاهلهـا تجـاهلاً تامًـا بدلاً من الدعوة إلى الاشتغـال البراغماتي على هوامشهـا وتوظيف ”فراغـاتهـا” لتمريـر قيمنـا وثقافتنـا وانحيـازاتنـا السيـاسيّـة والإنسانيّـة،، دون الذّهول بطبيعة الحـال عن الحرص الموازي على استنهـاض الوعي بالوجه الإلهـائي الخطِر للُعبـة لا نجادل في كونهـا جزءًا من نظام التفـاهـة لكنّهـا لعبة قـابلة للتحوّل إلى عنصر مضــادّ للتفـاهـــة !..

وبعيـدًا عن عامل الإلهـاء ومنزلقاته شديدة الخطورة؛ مـا يجب أن نراه بالتوازي مع ما تقدّم هو أنّ المنتخبـات الوطنيّـة والفرق المحلّيّـة المتنـافسة على بطولات قاريّـة أو دولية وحتى رياضيو الرياضات الفرديّة في ”المحافل الدولية” هُم في النهاية ”وُسَطــــــاء سُمعــــة” للأنظمة المنغلقـة، إنّ هذه الوفود الرياضيّـة غير المسيَّسـة في الظّاهـر هي في جوهرهـا وبمعنى مـا ”وفود ديبلوماسيّـة” تُمثِّـل ”منظومـات الحكم” إذ إنّهـا تؤدّي عمليًّـا وضمنيًّـا مهـامًّـا في الاتّصـال السيـاسـي العـابر للحدود !..
وعليـه؛ مع انزياح النظام في تونس إلى ”الاستبـداد العـاري” يُفترَض أن نكون أوّل من لا يحبّ له الخير حتى في المسـابقـات الرّيـاضيّـة، إذ إنّ تشجيع ”الريـاضة التونسيّـة” ليس بذلك الإطلاق وبتلك البداهـة الّتي يعتقدهـا البعض !..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال