بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الممارسة التربوية من الأمن إلى التأمين: قراءة سوسيولوجية معمّقة في فوضى الأقسام التونسية

2026-01-15 133 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
تقديم: المدرسة من وعدٍ بالأمان إلى فضاء للخطر

لم تُنشأ المدرسة الحديثة، في تونس كما في غيرها، بوصفها مجرد جهاز تقني لنقل المعارف، بل باعتبارها فضاءً للأمان الرمزي: أمان المعرفة، أمان العلاقة التربوية، وأمان المستقبل الاجتماعي. تاريخيًا، كان القسم مجالًا محميًا بقوة الدولة، ومرتكزًا على إجماع اجتماعي يمنح المعلم سلطة رمزية، ويجعل التلميذ جزءًا من نظام معياري واضح، حيث تتوافق المدرسة مع توقعات المجتمع والأسرة حول وظيفة التعليم.
غير أنّ هذا الأمان انهار تدريجيًا. لم يعد المعلم يدخل القسم مطمئنًا، بل بوصفه ذاتًا مهدَّدة: مهددة بالاعتداء، بالتشهير، بالشكوى، وبالانزلاق القانوني. وهكذا تحوّلت الممارسة التربوية من منطق الأمن التربوي إلى منطق التأمين الدفاعي: تأمين الجسد، الوظيفة، السمعة، والنفس.

إن غاية هذا المقال هي تفكيك السلوك البنيوي للأزمة التربوية في تونس:
كيف تحوّل وعد المدرسة بالترقية الاجتماعية والأمان الرمزي إلى إدارة للخطر، وكيف انعكست أزمة الدولة والمجتمع والقانون على فوضى الأقسام، مع إظهار الأسباب البنيوية والاجتماعية التي تدفع المعلمين إلى الانسحاب الرمزي أو المباشر، بما في ذلك الرغبة في التقاعد المبكر.

1. انهيار السلطة الرمزية للمعلم: من حامل للمعنى إلى متهم دائم

السلطة التربوية، كما يوضح بيار بورديو، ليست مجرد قوة فرض، بل اعتراف اجتماعي يضمن قبول القواعد (Bourdieu, 1970). في تونس، مع تراجع الثقة في المدرسة، فقد المعلم هذا الاعتراف. لم تعد سلطته تعتمد على دوره المعرفي أو الأخلاقي، بل على قوانين ضعيفة تحميه بشكل شكلي فقط.
هذا التحول أدى إلى تغيير طبيعة العلاقة التربوية: المعلم يطالب بالضبط والهدوء دون أدوات، والاحتواء دون حماية، بينما التلميذ يحظى بحصانة قانونية ونفسية. هذه اللامعيارية تؤدي إلى تفكك القواعد الاجتماعية داخل القسم (Durkheim, 1897)، حيث يصبح السلوك الانضباطي مجرد خيار فردي لا أساس له اجتماعيًا.

2. بعض الأولياء : من الشراكة التربوية إلى منطق التربّص

تعرّض المعلم أيضًا لتربّص الأولياء، الذين انتقل بعضهم من موقع الشريك التربوي إلى خصم مباشر. هذا يشمل: شكاوى كيدية، افتراءات، تهديدات، وحتى اعتداءات جسدية.
الأخطر من ذلك هو تشجيع الأبناء، صراحة أو ضمنيًا، على تحدي المعلم، وإثارة نزاع علني بين السلطة التربوية وحرية الطفل المفترضة. هذا يؤدي إلى انقلاب الأدوار: المعلم يصبح المتهم، ويُدفع إلى فقدان السيطرة على القسم، في حين يُنظر إلى التلميذ بوصفه محميًا بالكامل (Touraine, 1997). هذه الظاهرة تعكس أزمة ثقة بنيوية في المدرسة كمؤسسة، وانهيار الوساطة الاجتماعية التي تربط الفرد بالمجتمع.

3. القوانين : حماية مفرطة للتلميذ وإلغاء المعلم

القوانين التربوية في تونس أصبحت تحمي التلميذ على حساب المعلم، حتى في أبسط ممارسات ضبط القسم. بدلاً من أن تكون أداة لتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، صارت القوانين أداة ضغط على المعلم، تُحوّل أي صرامة إلى مهدد قانوني، وتزيد من شعور المعلم بالعزلة.
هذا ما يخلق خوفًا قانونيًا دائمًا، حيث يدرس المعلم وهو يفكر في المحضر أو الشكوى قبل التفكير في المعرفة أو البيداغوجيا. الدولة هنا عاجزة عن حماية المعلم، ما يجعلها دولة ضعيفة الضبط (Weber, 1919).

4. القسم التونسي كفضاء لامعياري: الفوضى كحقيقة بنيوية

الفوضى في القسم ليست نتيجة انحرافات فردية، بل هي بنية اجتماعية تعكس تفكك القيم والمعايير في المجتمع. تشمل هذه الفوضى: السخرية، العنف اللفظي، التحدي، واللامبالاة المؤسسية، وكلها ممارسات ليست عشوائية، بل استجابة لبيئة غير منسجمة.
المدرسة لم تعد وسيلة للاندماج، بل مرآة للتصدع الاجتماعي: هشاشة اقتصادية، بطالة متفشية، فقدان أفق، وانسحاب الدولة من دورها الرمزي (الجويلي, 2015).

5. من التربية إلى إدارة المخاطر: الممارسة التربوية كاستراتيجية بقاء

مع انهيار السلطة الرمزية، لم يعد التعليم عملية بناء، بل إدارة مخاطر يومية. يختار المعلم الصمت بدل المواجهة، والتساهل بدل الضبط، والتغاضي بدل المحاسبة. الفعل التربوي أصبح محكومًا بمبدأ تقليل الخسائر لا إنتاج المعنى (Foucault, 1975).
في هذا السياق، المعلم يؤمّن نفسه قبل أن يربّي الآخرين، والتحصيل العلمي يصبح ثانويًا مقارنة بالحفاظ على الوظيفة والكرامة الشخصية.

6. التقاعد المبكر: الانسحاب الجماعي كبحث عن الأمان

في ظل هذا الوضع، أصبح التقاعد المبكر رغبة جماعية لدى أغلب المعلمين، ليس كامتياز مالي، بل كـفضاء لاستعادة الأمان الرمزي والانسحاب من بيئة فوضوية وضاغطة. هذا الانسحاب يعكس ما يسميه هيرشمان "الخروج بدل الصوت" (Hirschman, 1970): حين يستحيل الإصلاح من الداخل، يختار الفاعل التربوي مغادرة الفضاء المهني حفاظًا على ذاته وكرامته.

خاتمة:

ما تعيشه الأقسام التونسية اليوم ليس مجرد أزمة انضباط عابرة، بل مرآة لأزمة الدولة والمجتمع والقانون، حيث الدولة عاجزة عن حماية مؤسساتها ومعلميها، والمجتمع فقد معيارية القيم، والقوانين تحمي التلميذ على حساب المعلم، ما دفع أغلب المعلمين إلى الرغبة في التقاعد المبكر كخيار وحيد لاستعادة الأمان والكرامة. في هذا المناخ، لم يعد القسم فضاءً لتلقين المعرفة أو بناء الشخصية، بل أصبح ساحة للبقاء، حيث يمارس المعلم التربية تحت ضغط مستمر ويدير المخاطر اليومية بدل بناء المعنى، بينما يقف التلميذ محميًا تمامًا ويصبح القانون حائلاً بين المعلم وأدواته للضبط والتربية.

هذا الانزلاق البنيوي يدفعنا للتساؤل:

إذا فقدت المدرسة القدرة على إنتاج المعرفة وتربية الفرد في بيئة مستقرة، وإذا لم تعد الدولة والمجتمع قادرين على وضع معايير واضحة، فهل ما زال التعليم فضاء للتحرر والتفكير النقدي أم مجرد آلة لإعادة إنتاج الفوضى واللامساواة؟
هل يستحق المعلم أن يبقى في هذا الجحيم اليومي أم أصبح التقاعد المبكر هو الطريق الوحيد للبقاء على قيد الكرامة؟ وإذا لم تعد الشهادة والمعرفة تغيّران المصير، فماذا يبقى من معنى المدرسة؟

المراجع:

1. Bourdieu, P. (1970). La reproduction. Paris: ditions de Minuit.

2. Durkheim, . (1897). Le suicide. Paris: PUF.

3. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.

4. Touraine, A. (1997). Pourrons-nous vivre ensemble ? Paris: Fayard.

5. Weber, M. (1919). Le savant et le politique. Paris: Plon.

6. Hirschman, A. O. (1970). Exit, Voice, and Loyalty. Harvard University Press.

7. الجويلي، محمد (2015). سوسيولوجيا التربية في تونس. تونس: دار محمد علي.

8. بن سلامة، فتحي (2012). المدرسة والتحولات الاجتماعية. تونس: دار الجنوب.

9. الجامعة العامة للتعليم الأساسي/الثانوي (2021–2022). تقارير مهنية ونقابية.

10. وزارة التربية التونسية (2021). تقارير النزاعات والعنف داخل المؤسسات التربوية.

11. المرصد الوطني للتربية (2020). العنف المدرسي في تونس.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال