تقديم: المدرسة كوعد تاريخي
لا يُكتب هذا المقال بوصفه اتهامًا لأطراف بعينها، ولا باعتباره لائحة إدانة للدولة أو لمؤسساتها، بل محاولة تحليلية لتفكيك الشروط التاريخية والبنيوية التي جعلت المدرسة التونسية، في سياق ما بعد الحداثة، فضاءً لإدامة الإخفاق بدل إنتاج النجاح.
السؤال الأساسي هنا سوسيولوجي: كيف تغيّر موقع المدرسة داخل المجتمع؟ وكيف تحوّل وعدها التاريخي بالترقية الاجتماعية إلى آلية لإدارة الهشاشة؟
لم تُنشأ المدرسة التونسية الحديثة بعد الاستقلال بوصفها مؤسسة تقنية لنقل المعرفة، بل باعتبارها جهازًا رمزيًا لإعادة تشكيل المجتمع وبناء الدولة الوطنية. ووفقًا لمحمد الكيلاني، كانت أداة لإنتاج الطبقة الوسطى وبناء النخبة الإدارية (الكيلاني، 2009)، وهو ما يتقاطع مع تحليل بورديو الذي يرى المدرسة جهازًا لإعادة توزيع الرأسمال الثقافي وتنظيم الحقول الاجتماعية (Bourdieu, 1970). في تلك المرحلة، كان النجاح المدرسي وعدًا اجتماعيًا فعليًا: الشهادة تقود إلى الوظيفة، والوظيفة إلى الاعتراف والمكانة.
1. الدولة الاجتماعية: حين كانت المدرسة تصنع المجتمع
بين ستينات وثمانينات القرن الماضي، اشتغلت المدرسة التونسية داخل سياق دولة تعتبر التعليم استثمارًا استراتيجيًا لبناء المجتمع. كان التعليم مرتبطًا مباشرة بالتشغيل في الإدارة العمومية (وزارة التربية، 1985)، وهو ما ينسجم مع تصور دوركهايم للمدرسة كجهاز لإنتاج التضامن الاجتماعي وإدماج الأفراد في البنية الوطنية (Durkheim, 1922).
لم تكن الشهادة آنذاك مجرد وثيقة إدارية، بل رأسمالًا اجتماعيًا يعيد توزيع المواقع داخل مجتمع يسعى إلى توسيع طبقته الوسطى. كانت المدرسة مؤسسة لإنتاج المعنى الاجتماعي، وكان النجاح المدرسي يعكس فرصة حقيقية للترقية، لا مجرد أداة لفرز الأفراد أو إدارة الفائض البشري.
2. التحول النيوليبرالي: حين انفصلت المدرسة عن الاقتصاد
ابتداءً من تسعينات القرن الماضي، ومع دخول تونس منطق اقتصاد السوق وسياسات التقشّف، تفككت العلاقة البنيوية بين المدرسة وسوق الشغل. أظهرت دراسات عديدة أن الإصلاحات التعليمية أُنجزت دون إصلاح اقتصادي موازٍ، ما أفرز فائضًا من المؤهلات بلا مواقع اجتماعية مقابلة (الحناشي، 2014).
أصبح الفضاء المدرسي منفصلًا عن القيمة الاجتماعية للمعرفة، حيث يتزايد عدد الحاصلين على الشهادات دون أفق مهني مستقر. يتقاطع هذا الوضع مع تحليل باومان للمجتمعات السائلة، حيث يُطلب من الأفراد أن يكونوا دائمًا قابلين للتشغيل في اقتصاد غير مستقر ولا يقدّم ضمانات (Bauman, 2000). وبهذا المعنى، لم تعد المدرسة فضاءً لصناعة المستقبل، بل آلية لتدبير الانتظار والتكيّف القسري مع اللايقين.
3. من مؤسسة إدماج إلى جهاز لإدامة الإخفاق البنيوي:
مع التحول النيوليبرالي، تغيّرت الوظيفة العميقة للمدرسة. لم تعد آلية إدماج اجتماعي، بل جهازًا لإعادة إنتاج الإخفاق في دورة مغلقة. فالامتحانات الوطنية، وفقًا لفتحية المسعودي، تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية تحت غطاء الحياد وتكافؤ الفرص (المسعودي، 2018)، وهو ما يتطابق مع تحليل بورديو وباسرون للمدرسة كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية (Bourdieu & Passeron, 1970).
لم يعد الفشل نهاية المسار، بل حلقة متكررة ضمن سلسلة: رسوب، إعادة توجيه، شهادة محدودة القيمة، بطالة، ثم عودة إلى الهشاشة الاجتماعية. هكذا تتحول المدرسة من أداة كسر للفوارق إلى آلية لإدامتها، وتصبح إعادة تدوير الإخفاق قاعدةً بنيوية لا استثناءً ظرفيًا.
4. العنف الرمزي: حين يتعلّم الفرد قبول هزيمته
لم يعد الإقصاء داخل المدرسة التونسية يتم بالقسر المباشر، بل عبر خطاب تربوي يُحمّل الفرد مسؤولية فشله، متناسيًا الشروط البنيوية التي أنتجته (الشرفي، 2016). هذا ما يسميه بورديو بـ«العنف الرمزي» (Bourdieu, 1997): تحويل اللامساواة الاجتماعية إلى شعور شخصي بالذنب.
فالمدرسة لا تطرد التلميذ صراحة، لكنها تُدرّبه تدريجيًا على قبول موقعه في أسفل السلم الاجتماعي، وتحوّل الفشل إلى مسألة كفاءة فردية لا نتيجة بنية مختلّة. وبهذا، يغدو التعلّم تجربة قهر رمزي، ويُعاد إنتاج الهشاشة لا بوصفها ظلمًا، بل كقدر مستحق.
5. الانتدابات العشوائية: حين تُستنسخ الرداءة مؤسساتيًا
من أبرز مظاهر هذا التحول اعتماد الدولة على النيابة والانتداب الظرفي بدل الكفاءة والتكوين المنهجي، حيث انتُدب عدد كبير من المدرسين دون تكوين بيداغوجي متين (وزارة التربية، 2019). وبعد تفريغ خريجي الجامعات من أفق التشغيل، أصبحت النيابة المعيار شبه الوحيد للانتداب، وتحول العمل الهش داخل الأقسام إلى شرط للترسيم.
في المقابل، واصلت شُعبة التربية والتعليم تكوين معلمي المستقبل، لكن ضمن سياسة تضييق تدريجي عبر التخفيض المتواصل في عدد المتخرجين، تمهيدًا لإعادة هيكلة القطاع. ويؤكد ذلك أن الأزمة ليست أزمة كفاءات فردية، بل نتيجة هندسة مؤسساتية اختارت الهشاشة كآلية إدارة. فبطالة الأمس تصبح معلّم اليوم، ثم تُعاد إنتاجها داخل القسم نفسه، في دورة مغلقة من الإخفاق.
6. من النيابة إلى الخوصصة: تدوير المهنة التعليمية
لم يكن هذا الانهيار عرضيًا، بل ثمرة مسار متدرّج من خوصصة التعليم والإلغاء الضمني لدور الدولة في تكوين المعلّم. فبدل إنتاج مدرس مؤهّل عبر تكوين علمي وبيداغوجي متين، صارت الدولة تستجلبه من سوق شغل هشّ، وتُسند إليه وظيفة تربوية دون شروطها البنيوية.
وقد ترافق توسّع التعليم الخاص مع تراجع الاستثمار العمومي في تكوين المدرسين (FTDES, 2022)، ما يؤكد أن الفشل لم يُعالج، بل جرى الاستثمار فيه. هكذا يتحوّل التعليم من حق اجتماعي إلى سلعة، وتصبح إعادة إنتاج الرداءة قاعدة اشتغال داخل مهنة يفترض أن تكون رافعة للمعنى والمعرفة.
7. المدرسة بلا وعد: حين تفقد الشهادة معناها
مع تصاعد بطالة حاملي الشهادات، فقد التعليم قيمته الرمزية. تؤكد تقارير البنك الدولي أن أنظمة التعليم في دول الجنوب تنتج طموحات لا تستطيع اقتصاداتها استيعابها (World Bank, 2021). وفي الحالة التونسية، لم تعد الشهادة جسرًا نحو المستقبل، بل وثيقة عبور إلى الهشاشة الاجتماعية.
أصبحت المدرسة مرآةً دقيقة لمجتمعها: تعكس أزمة البطالة، هشاشة الاقتصاد، وضعف القدرة العمومية على توفير تكوين فعّال، بينما يُحمَّل الفرد مسؤولية فشل بنيوي لم يصنعه. لم يعد الفشل استثناءً، بل قاعدة، ولم تعد الهشاشة مرحلة، بل حلقة دائمة داخل دورة تعليمية واجتماعية مغلقة.
خاتمة:
إذا كانت المدرسة تعيد تدوير الإخفاق بدل كسره، فإن ما يُسمّى «إصلاحًا» ليس سوى إعادة تنظيم للإقصاء وتدبير الهشاشة الاجتماعية. لقد فقدت المدرسة قيمتها الرمزية، وتحولت من وعد بالترقية الاجتماعية إلى جهاز لإدارة الانتظار، حيث يُعاد إنتاج الفقر والمعرفة الميتة عبر أجيال متعاقبة.
يبقى السؤال المصيري:
إذا لم تعد الشهادة تفتح أبواب المستقبل، وإذا لم تعد المعرفة تغيّر المصير، فما الغاية من التعليم؟
هل ما زالت المدرسة فضاءً للتحرّر وبناء التفكير النقدي، أم تحوّلت إلى جهاز يؤجّل الانفجار الاجتماعي بدل أن يمنعه؟
المدرسة التونسية اليوم مرآة مجتمعها. وإذا لم تعد قادرة على كسر دورة الهشاشة، فإن الأزمة لم تعد تربوية فحسب، بل أزمة معنى ومصير جماعي.
المراجع:
1. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction.
2. Bourdieu, P. (1997). Méditations pascaliennes.
3. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie.
4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.
5. Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity.
6. World Bank (2021). Education and Employment in MENA.
7. الكيلاني، محمد (2009). الدولة والتعليم في تونس الحديثة.
8. الحناشي، عبد اللطيف (2014). سياسات التعليم والتحول الاجتماعي في تونس.
9. المسعودي، فتحية (2018). المدرسة وإعادة إنتاج اللامساواة.
10. الشرفي، عبد المجيد (2016). التربية والعنف الرمزي في المدرسة التونسية.
11. وزارة التربية (1985، 2019). تقارير رسمية.
12. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية FTDES (2022).
المدرسة التونسية: من صناعة النجاح إلى تدوير الفشل قراءة تاريخية في انقلاب الوظيفة الاجتماعية للتعليم
2026-01-14
158 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال