بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة التونسية: مصنع الرموز المفقودة وانهيار معنى التعلّم من تفريغ المعرفة إلى إدارة الفشل الاجتماعي قراءات ممتدّة

2026-01-08 174 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
تمهيد: المدرسة كجهاز لتطبيع اللامعنى

لم تعد المدرسة التونسية فضاءً لإنتاج المعنى أو بناء الذات، بل تحوّلت تدريجيًا إلى جهاز اجتماعي وظيفته الأساسية تطبيع الفشل وتنظيمه. ففي سياق مجتمعي مأزوم، تسوده اللامعيارية، وتتآكل فيه الثقة في المستقبل، لم تعد المدرسة قادرة على أداء وظيفتها التاريخية في الإدماج والارتقاء، بل غدت امتدادًا بيروقراطيًا لأزمة أعمق: أزمة مجتمع فقد بوصلته الرمزية والأخلاقية (Durkheim, 1922؛ Bauman, 2000).
هكذا يغدو التعلّم بلا وعد، والمعرفة بلا أفق، والتلميذ بلا مشروع. مدرسة ترفع شعارات التحرّر، بينما تمارس فعليًا أقسى أشكال الضبط الناعم والسيطرة الرمزية، حيث تُدار العقول باسم الإصلاح، وتُفرَّغ الذوات باسم التحديث (Freire, 1970؛ Foucault, 1975؛ بن حسين، 2018).

1. انهيار الوظيفة التربوية: المدرسة كآلة إدارية بلا روح

لم تعد المدرسة تبني الإنسان، بل تُدير المسارات.
تحوّل التلميذ إلى رقم، والمعلّم إلى منفّذ برامج، والمعرفة إلى محتوى قابل للاختبار فقط. تُقاس “الجودة” بعدد الفروض ونِسَب النجاح، لا بعمق الفهم أو بقدرة المتعلّم على التفكير والنقد.
في هذا النموذج، لا يُنتج التعليم ذاتًا حرّة، بل فردًا قابلًا للضبط، متعوّدًا على الامتثال، مدرَّبًا على النجاح الشكلي، ومُهيّأً لقبول اللامعنى بوصفه قدرًا (Dewey, 1916؛ Durkheim, 1922).
المعلّم نفسه، المحاصر بالروتين، والاكتظاظ، والضغط الزمني، وغياب الاعتراف الرمزي والمادي، يُدفع دفعًا إلى التخلي عن دوره التربوي لصالح دور إداري بارد. فتتحوّل العلاقة التربوية إلى علاقة تقنية خالية من البعد الإنساني، ومن أي رهانات قيمية أو تحرّرية (بن حسين، 2018).

2. تفكك المعنى الزمني للتعلّم: دراسة بلا مستقبل

الأزمة الأعمق ليست في المناهج أو التقييم، بل في انقطاع الصلة بين التعلّم والمستقبل.
لم تعد الشهادة وعدًا بالاندماج الاجتماعي، ولا المعرفة أداة للترقي، ولا الجهد المدرسي استثمارًا عقلانيًا. التلميذ يعيش زمنًا مدرسيًا معطّلًا: يدرس من أجل الامتحان فقط، لا من أجل الحياة.
هذا التفكك الزمني يحوّل التعلّم إلى عبء ثقيل، ويُنتج علاقة عدائية بالمعرفة، حيث يصبح سؤال: لماذا أتعلم؟ سؤالًا بلا جواب اجتماعي مقنع (Bauman, 2000).
الفشل هنا ليس فرديًا، بل فشل بنيوي مُعمَّم، تُخفيه المدرسة خلف أرقام النجاح الصوري.

3. المناهج كمعرفة ميتة: التعليم البنكي وإفراغ العقل

المناهج الرسمية لا تُنتج معرفة حيّة، بل معرفة ميتة: معلومات تُحفظ، تُسترجع، ثم تُنسى.
يهيمن منطق “التعليم البنكي” حيث يُختزل التلميذ في مستودع، ويُختزل التفكير في إعادة إنتاج الخطاب الرسمي، دون مساءلة أو نقد (Freire, 1970؛ غربي، 2019).
النتيجة جيل يعرف دون أن يفهم، ويُجيب دون أن يسأل، ويُطيع دون أن يقتنع.
هنا تتحوّل المناهج إلى أداة ترويض معرفي لا إلى وسيلة تحرّر.

4. الانضباط كقناع للسيطرة: من التربية إلى الضبط

ما يُسمّى “انضباطًا” ليس قيمة تربوية، بل تقنية ضبط.
قوانين، عقوبات، إجراءات شكلية، مراقبة دائمة… تُنتج طاعة ظاهرية، لكنها تولّد في العمق مقاومة صامتة: غياب، تشويش، انسحاب ذهني، أو تمرّد بلا خطاب.
الفصل الدراسي يصبح ساحة صراع غير معلن بين سلطة تسعى للتطبيع، وتلميذ يبحث عن حدّ أدنى من الاعتراف. وهو ما ينسجم مع تحليل فوكو للمدرسة كجهاز يُشكّل الأجساد والعقول وفق منطق السلطة لا وفق منطق التحرّر (Foucault, 1975).

5. المدرسة كجهاز لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية:

المدرسة لا تُصحّح اللامساواة، بل تُعيد إنتاجها.
التلميذ القادم من الهامش الاجتماعي يدخل المدرسة محمّلًا بعجز اقتصادي وثقافي، بينما يدخل ابن الطبقات الميسورة مسنودًا برأسمال رمزي ولغوي يُترجم مباشرة إلى “نجاح مدرسي” (Bourdieu & Passeron, 1970).
في هذا السياق، تصبح “تكافؤ الفرص” أسطورة، وتتحوّل المدرسة إلى جهاز فرز يُشرعن الامتياز، ويُضفي على الفشل طابعًا أخلاقيًا زائفًا.
تلاميذ الريف، أبناء الفئات الهشّة، والنساء في القطاعات الهشّة، يدفعون الثمن مضاعفًا: فقر مادي، هشاشة اجتماعية، ومدرسة لا ترى فيهم سوى حالات متعثّرة (طرابلسي، 2021).

6. من ترذيل الشهادة إلى اغتيال الاستحقاق: حين يُكافأ اللامعنى

تبلغ أزمة المعنى ذروتها عند مخرج المنظومة التعليمية: التشغيل.
ففي تونس، لا تُفرَّغ الشهادة من قيمتها فقط عبر البطالة، بل عبر قلبٍ ممنهج لسلّم القيم الاجتماعية.
فمن جهة، يتم تشغيل وإدماج آلاف من عمّال الحظائر والآليات المشابهة داخل الوظيفة العمومية، كثيرٌ منهم دون مستوى علمي يُذكر، بل تضمّ هذه الفئة نسبًا من الأميين أو ذوي التعليم المحدود. لا يُطرح هذا المعطى من زاوية الإدانة الأخلاقية، بل من زاوية سوسيولوجية صارمة: حين تُكافئ الدولة الضغط الاجتماعي أو الانتماء الفئوي بدل الجهد المعرفي، فإنها تُعلن عمليًا أن الدراسة ليست مسارًا للاعتراف، وأن الشهادة ليست قيمة اجتماعية.
ومن جهة أخرى، يُدفع حاملو الشهادات العليا، وخاصة الدكاترة، إلى أسفل الهرم الاجتماعي عبر عقود هشّة، وأجور متدنية، وغياب أفق مهني واضح، بل يصل العبث أحيانًا إلى حدّ أن يكون أجر الدكتور المتعاقد أقل من أجر عامل حظيرة مُدمج.
هنا تبلغ اللامعيارية أقصى درجاتها:

- أعلى شهادة أكاديمية تُقابل بأدنى أشكال الاعتراف.
- المعرفة المتخصصة تُعامل كفائض لا حاجة له.
- الجامعة تُنتج نخبًا تُقصى فور تخرّجها.

في هذا السياق، تتحقق نبوءة دوركايم كاملة: ينفصل الجهد عن النتيجة، والقيمة عن المكافأة، والمعنى عن الفعل.
التعلّم لا يعود استثمارًا عقلانيًا، بل مغامرة خاسرة.
وتتحوّل المدرسة والجامعة معًا إلى مؤسستين لإنتاج الوهم: وهم الاستحقاق، وهم الإصلاح، ووهم الحراك الاجتماعي.

خاتمة: أزمة مدرسة أم أزمة مجتمع؟

المدرسة التونسية ليست في أزمة عابرة، بل في مأزق بنيوي شامل.
إنها لم تفشل لأنها لم تُصلَح، بل لأنها تعمل داخل مجتمع يقلب القيم، ويكافئ اللامعنى، ويعاقب المعرفة.
إنها مؤسسة تُدير الفشل بدل تجاوزه، وتُنتج اللامعنى بدل تفكيكه، وتُدرّب الأفراد على التكيّف بدل التحرّر.

ومن هنا تُطرح الأسئلة الحارقة:

كيف نُقنع التلميذ بقيمة التعلّم في مجتمع يُهين الشهادة؟
أي معنى لإصلاح تربوي دون إصلاح سلّم القيم؟
هل المدرسة مسؤولة عن فشل لا تصنع شروطه؟
وهل أزمة التعليم أزمة بيداغوجيا، أم أزمة مجتمع فقد احترامه للعقل؟

المراجع:

1. Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity.

2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction.

3. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie.

4. Dewey, J. (1916). Democracy and Education.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.

6. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed.

7. بن حسين، ك. (2018). المعلم التونسي: ضحية الروتين والبيروقراطية.

8. غربي، م. (2019). التعليم الرسمي وأسطورة التغيير.

9. طرابلسي، ل. (2021). الفجوات الاجتماعية والتعليم في تونس.

10. المعهد الوطني للإحصاء (2023). المسح الوطني حول السكان النشطين.

11. المعهد العربي لرؤساء المؤسسات (2022). التشغيل والبطالة في صفوف خريجي التعليم العالي.

12. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (2023). الاحتجاجات الاجتماعية في تونس.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال