بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

دولة تتظاهر بالحكم

2026-01-05 198 قراءة مختلفات عماد عيساوي
1
في أمّ العرائس، معتمدية أمّ العرائس بولاية قفصة، لا نكون أمام بلدية بقدر ما نكون أمام صورة مصغّرة لدولة فقدت احترامها لنفسها، ومجتمع فقد رغبته في أن يُحترم، فصار الاثنان يتبادلان الاحتقار في صمتٍ إداريّ بارد.
الدولة تتظاهر بالحكم، والمواطن يتظاهر بالطاعة، وبين التظاهرين تنمو الفوضى ككائن ذكيّ يعرف متى يختبئ ومتى يهاجم.
هنا لا أحد بريئًا، لأن البراءة في المدن المنهكة ترفٌ أخلاقيّ لا يملكه إلا من لا يعيش فيها.
المعاليم البلدية لم تُدفع، لا لأن المواطن عاجز دائمًا، بل لأنه قرر أن لا يدفع، والبلدية لم تفرضها، لا لأنها تجهل القانون، بل لأنها تخاف من تطبيقه.
والخوف هنا ليس إنسانيًا بل سياسيًا، خوف من الاحتجاج،من “الاحتقان”، من تلك الكلمة التي تُستعمل لتبرير كل تراجع، فتتحول الدولة إلى كائن يتراجع خطوة كلما صرخ أحد، حتى تجد نفسها في النهاية خارج المشهد.
وهكذا نشأت معادلة خبيثة
مواطن لا يدفع لأنه لا يرى سلطة، وسلطة لا تفرض لأنها لا ترى دولة خلفها، ودولة تراقب لأنها فقدت الشجاعة على أن تكون دولة.
في المقاهي المعروفة في قلب أمّ العرائس، حيث تُدار السياسة بالسكر والكلمات الكبيرة، وحيث يُعاد إنتاج الوعي الزائف كما تُعاد تعبئة قوارير الغاز، يُكشف العمق الحقيقي للأزمة.
لا حديث عن تخطيط عمراني، لا عن فضاء عام، لا عن جمالية مدينة، لا عن قانون يُطبق، بل حديث واحد يتكرر بصيغ مختلفة
من معنا ومن ضدنا، من أي عائلة، من أي قبيلة، من يخدم مصالحنا، وكأن المدينة غنيمة حرب وليست عقدًا اجتماعيًا. هنا تصبح البلدية وسيلة لا غاية، سلطة توزيع لا سلطة تنظيم، ويُختزل الحكم المحلي في القدرة على الغضّ عن المخالفات، لا في القدرة على منعها.
لا أحد يريد أن يتحدث عن احتلال مساكن شركة فسفاط قفصة، لأن الاعتراف يعني المساس بمن استقروا داخل المخالفة حتى صارت حقًا مكتسبًا.
ولا أحد يريد فتح ملف المسلخ البلدي الغائب منذ أكثر من عقد، لأن غيابه يفضح حقيقة مرة ،لا مقاول يغامر بالعمل في مدينة لا تحمي الدولة فيها المستثمر ولا العامل، حيث العصابة أقوى من العقد، والتهديد أسبق من القانون.
ولا أحد يريد أن يتذكر المسبح البلدي الذي نُهب حتى آخر بلاطة، ولا الملعب الذي سُرقت مرافقه، لأن التكرار قتل الإحساس، وحوّل السرقة من جريمة إلى عادة، ومن فضيحة إلى خبر عابر.
السوق الأسبوعية المغروسة وسط الطريق الجهوي ليست مجرد فوضى مرورية، بل إعلان صريح عن غياب السيادة،عن مدينة تقبل أن تُدار ضد أبسط قواعد السلامة لأن فرض النظام يُغضب، ولأن إغضاب الفوضى صار خطًا أحمر. الجدران القذرة، اللون الواحد، الغبار المزمن، ليست تفاصيل جمالية، بل لغة سياسية تقول إن المدينة لا ترى نفسها جديرة بالتجمّل، ومن لا يتجمّل لا يُطالب، ومن لا يُطالب يُنسى.

التهريب لم يعد ظاهرة جانبية، بل أصبح اقتصادًا موازيًا يحكم الإيقاع، مهرّب واحد يكفي ليقتل السوق، ليُفلس التاجر الشريف، ليحوّل الالتزام بالقانون إلى ضرب من السذاجة الأخلاقية.
والمخدرات التي تُباع في أكشاك البنزين، والسيارات بلا لوحات منجمية، وغياب المرور، ليست انحرافات، بل نتائج منطقية لدولة قررت أن ترى ولا تتدخل، أن تعلم ولا تحسم،أن تُحصي ولا تُعاقب.
ثم تأتي شركة البيئة والغراسات، تلك المسرحية الثقيلة، آلاف الأجور بلا عمل، بعضهم خارج المدينة، بعضهم خارج البلاد،بعضهم يمارس نشاطًا خاصًا، بينما المعطل الحقيقي يُسحق باسم التشغيل.
هنا لا نكون أمام فساد تقليدي، بل أمام نظام كامل لإعادة توزيع الظلم تحت شعار اجتماعي، حيث تُشترى السكينة بالرواتب، ويُدفن الحق في الصمت.
وفي قلب كل هذا، تُقدَّم الانتخابات البلدية كحلّ، كطقس تطهيري، بينما هي في واقعها الحالي أداة لإعادة إنتاج العطب.
كيف نطلب من صندوق اقتراع أن يُنقذ مدينة لم تُحدَّد شروط من يفتح الصندوق؟
كيف نساوي بين من يفهم معنى الميزانية ومن لا يعرف الفرق بين القرار والأمر؟
أي عبث هذا الذي يجعل تسيير مدينة أقل خطورة من قيادة حافلة، وأقل شروطًا من حمل سلاح؟
الحل لا يكمن في مزيد من الشعارات، بل في وقاحة تشريعية صريحة، في فرض معايير صارخة للترشح، في امتحان أهلية لا ينجح فيه إلا من يعرف أن الحكم المحلي ليس وجاهة ولا حصانة، بل علم ومسؤولية وقدرة على الصدام مع الفوضى. من لا يدفع معاليمه لا يشرّع، من يحتل الرصيف لا يقرر مصير المدينة، من يساوم بالقانون لا يحق له أن يتحدث عن الدولة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا تزيين ولا بلاغة زائفة
هل تريد أمّ العرائس أن تُحكم فعلًا، أم تريد فقط سلطة تُغضّ الطرف؟
لأن من لا يريد القانون لا يستحق الخدمات، ومن ينتخب القبيلة لا يملك حق لعن البلدية، ومن يخاف من النظام لا يحق له أن يشكو من الفوضى.
هذا ليس نصًا للترضية، ولا بيانًا انتخابيًا، بل تشريحٌ بارد لمدينة تقف أمام مرآتها، فإن غضبت من صورتها فالمشكلة ليست في المرآة، بل في الوجه الذي اعتاد القبح حتى صار يراه طبيعيًا.

التعليقات والردود

1
ابوبكر زيظان
2026-01-30
سلمت .. تحليل واقعي لواقع مرير وللأسف ينطبق على غالبية بلديتنا ومددنا.
" من لا يريد القانون لا يستحق الخدمات، ومن ينتخب القبيلة لا يملك حق لعن البلدية، ومن يخاف من النظام لا يحق له أن يشكو من الفوضى." جمل لخصت واقعنا بارك الله فيك ونفع بك.

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال