بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الوطن ليس فندقًا نغادره حين تسوء الخدمة

2026-01-05 187 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في هذا العالم القذر، لا تُعدم الأوطان بالقنابل أولًا، بل تُعدم بالمنابر، بالبدلات الأنيقة، بالوجوه التي تتقن البكاء أمام الكاميرا وتوقّع أوامر القتل بعد انطفاء الضوء.
الخيانة لا تأتي في الدبابات، بل في هيئة “معارضة”، ولا تُرفع على الأكتاف، بل تُقدَّم في مؤتمرات، مع قهوة فاخرة وابتسامات مصطنعة.
ماريا كورينا ليست امرأة، ولا فكرة، ولا مشروع دولة، بل ملفّ، مجلّد، رقم تسلسلي في درج أمريكي، يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند الاشمئزاز.
هي ليست صوت شعب، بل صدى سفارة، ليست ابنة أرض،بل منتج تصدير فاسد، انتهت صلاحيته قبل أن يصل إلى الرف.
أن تدعو قوة أجنبية لغزو بلدك، ثم تتحدث عن الحرية، فذلك ليس نفاقًا سياسيًا، بل عهر وطني كامل الأركان.
هذه ليست خيانة عابرة يمكن غسلها بالبيانات، بل خيانة وقحة، عارية، بلا حتى ورقة توت.
الوطن هنا لا يُختصر في تراب ولا علم، بل في كرامة جماعية، ومن يطلب من جندي أجنبي أن يدوسها بحذائه، لا يستحق حتى أن يُذكر اسمه دون بصق.
هذه ليست معارضة لنظام، بل كراهية للشعب نفسه، احتقار لقدرته على تقرير مصيره، افتراض فجّ بأن الأمة قطيع يحتاج راعيًا أبيض يأتي من وراء البحار.
الصدمة ليست في سقوط الوهم، بل في سذاجة من صدّقوه. كيف يخطر ببال عميلة نعم عميلة بلا مواربة أن ترامب،ترامب بالذات، سيضع رأسه السياسي في طبق فضي لأجل امرأة بلا شارع، بلا جيش، بلا نقابة، بلا جذور؟
ترامب لا يقرأ الشعر، يقرأ ميزان القوة، ولا يسمع النواح،يشمّ الرائحة.
ورائحة الخيانة تُشمّ من بعيد.
حين قال عنها إنها لا تحظى بالدعم ولا بالاحترام، لم يكن يقيّمها أخلاقيًا، بل كان يلفظها كما يلفظ الجسد جهازًا فاسدًا. أمريكا لا تتزوج الخائن، أمريكا تمارس معه علاقة ليلية ثم ترميه في الصباح.
الخونة يخطئون دائمًا في الحساب
يظنون أن بيع الوطن صفقة رابحة، وأن الدم الذي لا يراق منهم ثمن ذكي.
لا يفهمون أن الإمبراطوريات تحتقر الخيانة حتى وهي ترعاها، وتحتفظ بالعميل كما يُحتفظ بالمنديل للاستعمال مرة واحدة.
بعد ذلك، يُرمى، لا يُغسل.
لهذا لا يصعد الخونة إلى الحكم، بل إلى العدم، إلى قنوات فضائية، إلى مذكرات حزينة، إلى لعنة التاريخ.
السلطة تحتاج حدًا أدنى من الاحترام الشعبي، حتى لو كان زائفًا، والخائن لا يملك إلا كراهية الناس وازدراء أسياده.
أما جائزة نوبل، هذه الورقة الذهبية التي يُمسح بها العار،فهي لم تعد شهادة شرف، بل شهادة استخدام.
تُمنح لا لمن حرر شعبه، بل لمن سهّل السيطرة عليه.
تُمنح لا لمن صمد، بل لمن انبطح بأناقة.
تُعلَّق على الصدر لتغطية خواء كامل، كمساحيق تُوضع على وجه جثة سياسية.
لا جائزة في العالم تستطيع أن تمنح الشرعية لمن فقد احترام شعبه، لأن الشرعية لا تُشحن بالطائرات، ولا تُسلَّم بالبريد الدبلوماسي.
ترامب، رغم فجوره، قال الحقيقة التي يخاف غيره من نطقها
لا مكان للخونة في الحكم، لأن الحكم، حتى في أسوأ صوره،يحتاج إلى شيء من الانتماء.
من لا ينتمي لا يحكم،بل يُستخدم.
من يكره وطنه لا يستطيع إدارته، لأنه سيبيعه مرة أخرى عند أول مزاد.
ولهذا، كل من يراهن على الخارج ضد الداخل، سينتهي بلا داخل ولا خارج، معلقًا في فراغ سياسي، لاجئًا في التاريخ،بلا عنوان.
هذا ليس دفاعًا عن مادورو، ولا عن أي طاغية، فالأوطان لا تُختزل في حكامها، لكن الطغيان الداخلي، مهما كان بغيضًا، لا يبرر استدعاء طغيان أجنبي أشد قسوة وأطول عمرًا.
بين سارق البيت ومن يهدمه على من فيه، فرق شاسع، ومن يخلط بينهما إما غبي أو شريك.
في النهاية، الوطن لا يُخان ثم يُحكم، لا يُباع ثم يُدار، لا يُستدعى عليه الغزاة ثم يُطلب له السلام.
هذه قاعدة أقدم من ترامب.
الوطن ليس فندقًا نغادره حين تسوء الخدمة.
ومن لا يفهم هذه القاعدة، فليذهب إلى مزبلة التاريخ، حيث يجتمع الخونة، يتبادلون الذكريات، ويشتمون الشعوب التي لفظتهم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال