ليست حضرموت جغرافيا هامشية في تاريخ اليمن، ولا صفحة صامتة في سجل الصراعات العربية، بل هي واحدة من تلك الأمكنة التي كلما حاولت القوى الخارجية كسرها، خرجت أصلب وأكثر وعيًا. فمنذ قرون، تعلّم الحضارم أن القوة الحقيقية لا تُقاس بكثرة البنادق، بل بقدرة المجتمع على حماية توازنه، ورفض أن يكون أداة في مشاريع الآخرين.
عرفت حضرموت أشكالًا متعددة من التدخلات عبر التاريخ,من صراعات السلاطين، إلى التنافس الاستعماري البريطاني، وصولًا إلى تقلبات الدولة الحديثة. وفي كل مرة، كانت هذه الأرض تميل إلى خيار العقل، وتُقدّم الاستقرار على المغامرة، والدولة على الفوضى، والهوية الجامعة على الانقسام. لم تكن هذه السمة ضعفًا، كما يحلو للبعض أن يصفها، بل كانت تعبيرًا عن فهم عميق لمعنى البقاء.
في العقود الأخيرة، ومع اشتعال الحرب اليمنية، عادت حضرموت لتكون في قلب صراع إقليمي معقّد. دخلت قوى خارجية تحت شعارات براقة, مكافحة الإرهاب، إعادة الاستقرار، دعم الشركاء المحليين. غير أن الوقائع على الأرض كشفت تدريجيًا أن بعض هذه الشعارات لم تكن سوى غطاء لمشاريع نفوذ، وإعادة تشكيل سياسي وأمني لا يراعي خصوصية المكان ولا إرادة أهله.
برز الدور الإماراتي في هذا السياق بوصفه أحد أكثر الأدوار إثارة للجدل. فمن دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، إلى محاولة فرض وقائع سياسية بالقوة، وصولًا إلى التدخل في الموانئ والمطارات، بدا واضحًا أن المسألة تجاوزت مساعدة اليمنيين إلى التدخل المباشر في هندسة مستقبلهم. ولم تكن حضرموت استثناءً، بل كانت هدفًا مركزيًا لما تم اعتباره بوابة استراتيجية واقتصادية لا يمكن تركها خارج السيطرة.
لكن ما لم يُحسب له حساب، هو أن المجتمع الحضرمي لا يُدار بالعسكرة، ولا يُستدرج بسهولة إلى مشاريع التقسيم. فعندما اقترب شبح الفوضى، وحين لاحت محاولات فرض أمر واقع بالقوة، ظهر موقف شعبي وقبلي وسياسي رافض، عبّر عن نفسه بهدوء لكن بحزم. لم تنفجر حضرموت، ولم تنجرّ إلى اقتتال داخلي، بل اختارت أن تُسقط المشروع من أساسه: برفضه اجتماعيًا، وعزله سياسيًا، وتجريده أخلاقيًا.
إن صلابة حضرموت لا تكمن في رفع السلاح، بل في منع السلاح من أن يصبح لغة السياسة. وهذا ما يجعل ما حدث فيها محطة جديرة بالتأمل، ليس فقط في السياق اليمني، بل في النقاش الأوسع حول دور بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، في شؤون الدول العربية. فهل ما تقوم به أبوظبي دعم للاستقرار، أم إعادة إنتاج للفوضى بأدوات أنعم؟ وهل يمكن فرض نماذج سياسية بالقوة في مجتمعات ذات تاريخ وهوية متجذرة؟
التجربة تقول إن التدخل الخارجي، مهما بدا منظمًا وممولًا، ينهار أمام مجتمع متماسك يعرف ماذا يريد. وحضرموت قدّمت نموذجًا مختلفًا لا صخب، لا شعارات عالية، بل موقف واضح مفاده أن القرار المحلي خط أحمر، وأن الشراكة لا تعني الوصاية، والدعم لا يبرر الهيمنة.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تتعلم القوى الإقليمية من دروس حضرموت؟
وهل تعيد الإمارات مراجعة سياساتها في المنطقة، أم تواصل تصدير الأزمات باسم الاستقرار؟
ما هو مؤكد أن حضرموت، كما كانت دائمًا، ستبقى عصيّة على الكسر… لأن من يحتمي بالوعي، لا يُهزم.
حضرموت… حين تُختبر الأمم يظهر معدنها
2026-01-05
495 قراءة
مقالات رأي
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
1
مقال مهم و جريء من يحتمي بالوعي لا يهزم.. أحسنت
تعليق على مقال